نوافذ :الخنجر والوجاهة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

كان ينظر حتى عهد قريب؛ هنا في السلطنة؛ على أنه لا تكتمل شخصية الرجل «الاجتماعية» إلا من خلال ارتدائه لـ «السّلَب» والسلب – بفتح اللام وتشديد الفتح على السين – في المفهوم المحلي هو المجموعة المكونة من: الخنجر، والسيف، والباكور «العصا» والمحزم (المملوء بالطلقات)، والبندقية – وكان المتداول من أنوع البندقية: الصمع، البوعشر، البوخمس، السكتون – وهي بنادق عادية؛ غير آلية؛ أي أنها ذات طلقة واحدة في كل مرة، حتى وإن استوعب مخزونها أكثر من طلقة، وهي لا تزال عند الكثير من أبناء المجتمع، شائعة الاستعمال في مناسبات الأفراح على وجه الخصوص، وهناك القليل النادر ممن يستخدم البنادق الآلية ذات الطلقات المتعددة، وهي اليوم تستلزم الترخيص من الجهات المعنية؛ يجدد سنويا؛ لاقتنائها، وغير متداول حملها أمام العامة في مثل هذه المناسبات.
في السنوات الأخيرة تكاسل الناس عن حمل البنادق، ولبس المحزم، واقتصر الأمر على لبس الخنجر وحمل «الباكورة»، وقد ساعد النظام الإداري الرسمي على ذلك من خلال إلزام كبار المسؤولين بارتداء الخنجر في المناسبات الرسمية، وعند مقابلة الضيوف الزائرين من خارج السلطنة، مع حرص البعض على ذلك في مختلف المناسبات الاجتماعية، مع ملاحظة أن الجيل الصاعد لا يستهويه هذا الجانب كثيرا، ويرى فيه عبئا غير ملزم بحمله إلا للضرورة، حتى وصل الأمر الآن إلى أن هناك من لا يعرف كيف يرتديها، ولذلك؛ كما ألاحظ وأتابع؛ أن هناك اليوم محلات متخصصة في كيفية مساعدة مثل هؤلاء الناس في ارتداء الخنجر والمصر والشال، وخاصة في مناسبات الزواج، وكل ذلك بمقابل مادي، بينما كان عدم المعرفة في وقت ما، يعد عيبا ونقيصة سلوكية.
والحريصون على ارتداء الخنجر على وجه الخصوص، هم يعتقدون اعتقادا جازما، وليس من قبيل الحرص على العادات والتقاليد؛ كما يروج؛ أنهم بارتدائهم للخنجر في المناسبات، أن ذلك يكسبهم شيئا من الوجاهة، ويحظون بتعامل مميز، وخاصة من عند كبار السن، حيث يرون فيهم شخصيتهم التي وارتها الأيام، ولم يعد باق منها سوى هذه المظاهر المعبرة عن رجولة تضاءلت بفعل الشيب والكبر، فوق أن التمظهر بلباس الخنجر يعطي صاحبه شعورا معنويا بشخصية رجولية مميزة، ومن يُعود نفسه على ذلك، يصبح الأمر مستساغا إلى حد كبير.
حكى لي أحد الأخوة أن زميلا لهم من ولاية أخرى، توفاه الله، فكان من الوفاء أن يذهب ومن معه إلى بلد هذا المتوفى لتأدية واجب المواساة، ولكنهم لا يعرفون أحدا من أهله، وحتى لا يضيعوا في الزحمة – يقول – اتفقنا على لبس الخناجر، حتى يحظوا بنوع من التقدير والاهتمام، وفعلا؛ يضيف؛ كما توقعنا، أول ما أنهينا السلام على من في المجلس، انبرى أكثر من شخص من أهل المتوفى مرحبين، وأجلسونا في صدر المجلس، سائلين عن أخبارنا، وعن صلتنا بالمتوفى، وقد عرفونا بأهله وأقاربه؛ ويضيف؛ هذا الأخ قائلا: لولا لباسنا للخناجر لما حظينا بهذا التقدير من قبل ذوي المتوفى، ولعوملنا معاملة أي واحد يدخل المجلس، ولتهنا في الزحام.
ويبدو أن هذه رسالة للذين يذهبون لمواساة أقرباء زميل لهم، لا يعرفون أهله، فعليهم بارتداء الخناجر، وسوف يحظون بتقدير كبير، وهذا يؤكد أن المجتمع لا يزال يحافظ على ثوابته التقليدية، حتى وإن تعرض لكثير من التغريب المتهاوي إليه من كل حدب وصوب، وأنه ليس يسيرا أن ينسل من التزاماته تجاه مختلف القيم التي يؤمن بها على أنها القادرة على المحافظة على ما يميز شخصيته بين هذا العالم الذي يضج بالكثير من المقوضات لمختلف الـ«حمولات» الاجتماعية المعززة للبقاء على شخصيات المجتمعات.