د. الكندي: عقد الإجارة عقد رضائي ما دام في حدود دائرة الإباحة الشرعية الاتفاق والتراضي فـي الأجــور.. يحدده العرف أو العلاقـة بين العامليـن وأربـاب العمـل

الأجير الخاص وأحكامه تختلف عن الأجير المشترك –

متابعة – سالم بن حمدان الحسيني –

أوضح فضيلة الشيخ الدكتور ماجد بن محمد الكندي أمين فتوى بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية أن عقد الإجارة عقد رضائي ما دام في حدود دائرة الإباحة الشرعية، كما أن الاتفاق والتراضي في الأجور.. يحدده العرف أو العلاقة بين العاملين وأرباب العمل، مشيرا إلى أنه لا يجوز للأجير الخاص أن يستأجر من عند الغير لأجل أن يعمل عندهم دون أن يأخذ إذنا من رب العمل حيث إن العقد بين العاملين وأرباب العمل تترتب عليه آثار كثيرة، وفق الضوابط الشرعية، وانه ليس هناك هدي شرعي نسير وفق خطاه كهدي الله سبحانه وتعالى. جاء ذلك في المحاضرة التي أقيمت بجامع حي المعرفة بالسيب.. وهنا ننشر الجزء الأول منها:

• إذا رأيت الخادم في المنزل يقصّر في عمله هل يصح لي أن أُأخّر الراتب أو أنقص منه؟

العلاقة بين رب البيت وهو الذي يُدعى الكفيل الآن وبين العامل تنتظم وفق عقد الإجارة المبحوث بالشريعة الإسلامية، وهذه العلاقة فيها جانب من نوع الكفالة وهي الآن تدعى «كفالة» إلا أنها ليست الكفالة الشرعية القديمة التي يقول الفقهاء فيها: «إنه لا يصح للإنسان أن يأخذ في مقابلها عوضا، لأن الكفالة المعاصرة تأتي لأجل أن ينال الإنسان منها حقوقا معينة تخوّل له أن يأتي بعامل يعينه، أو يعمل لديه»، فهي إذن ليست كالكفالة السابقة لأن الكفالة السابقة هي: «أن يضم الإنسان ذمة إلى ذمة أخرى في المطالبة بالديون»، موضحا: أن الكفالة تعني أن أكفل فلانا فإن لم يستطع أن يفي بديونه فإنني أضمن هذا الإنسان وأفي بهذه الديون، والكفالة السابقة لا يجوز للإنسان أن يأخذ عوضا عليها لأنها من عقود الرفق والقربة. موضحا: أن الكفالة اليوم تباين ذلك، لأن الإنسان لا يصل إليها إلا بمقابل وبعد جهد يبذله وهذا هو الأمر الأول. أما الأمر الثاني: فالكفالة اليوم تراد أن يحصل الإنسان من الكفيل على منافع معينة كعقود العمل الموجودة الآن، فهذه عقود كفالة لكنها ليست هي الأمر الأصلي في القضية إنما الأصل فيها والنظر إلى عقد الإجارة الذي يجمع بين المتعاقدين وهما رب العمل الذي يدعى الكفيل والعامل الذي يعمل لديه.

• هل له أن يقطع شيئا من راتب العامل أو أن يؤخره إن قصّر في العمل؟

  • ما دام هناك عقد إجارة فهو خاضع للتوافق بين هذين المتعاقدين، فإن كان هناك توافق بينهما بشروط معينة بحيث لو قصّر العامل في العمل الفلاني فإنه سيخصم من راتبه كذا وكذا، وكان هناك اتفاق منضبط تراضى عليه المتعاقدان فهذا لا حرج فيه، ويمكنه أن يخصم منه آخذا من هذا الاتفاق السابق بينهما، أما إن لم يكن هناك اتفاق سابق ووقع العامل في خطأ أو أنه قصّر في عمله ذاك فمن الذي يقدر قيمة هذا التقصير؟! مضيفا: إنه لو فرضنا أن راتب العامل 100 ريال مثلا وقصّر العامل أو العاملة بحيث لم يقوما بعملهما في الصباح أو في المساء، يا ترى ما هي أجرة هذا العمل حتى يحرم منها هذا العامل؟ ومن الذي يقدرها؟ فرب العامل والعامل هما في هذه القضية خصمان، فما داما خصمين إذن لا يصح لواحد من الخصمين أن يستبد بتقدير الضرر حتى لا يعوض الطرف الآخر، مبينا: انه قد يكون هنالك اتفاق على تعويض معين وهو الذي يدعى في قانون المعاملات المدنية العماني «التعويض الاتفاقي» بمعنى نتفق أنك إن قصرت في كذا فإنك تعوض كذا، هذا لا إشكال فيه كما قلت، وإن كان واحد من الطرفين يرى أن فيه إجحافا به فإنه من حقه أن يطلب لدى القضاء أن ينظر في هذا التعويض الاتفاقي، أما مع عدم وجود مثل هذا الاتفاق فإننا نقول: لا يصح لواحد من هذين أن يستبد بتقدير الضرر، فليس بينهما إلا واحد من ثلاثة سبل: إما أن يتوافقوا على تقدير معين، وهذا قد يكون اتفاقا سابقا عند التعاقد، وقد يكون اتفاقا عند حصول القضية، وإما أن يحكموا حكما خارجيا كمكاتب العمل والعمال مثلا، وإما أن يرفع الأمر إلى القضاء، أما أن يستبد الإنسان بنفسه بتقدير الضرر فهذا لا يصح لأنه سيكون خصما وحكما في الوقت ذاته وهذا لا يجوز. مضيفا القول: إن الشهادة إن كانت من أقارب الإنسان لا تصح فكيف بنا إن كان الإنسان هو الخصم وهو الحكم في الوقت ذاته، فهذا لا يجوز لذلك هنا إن كانوا اتفقوا عليه من قبل فلا حرج وإن كانوا لم يتفقوا عليه من قبل فلا. موضحا: انه قد يكون هناك أمر كالغرامة المالية كالتعزير المالي الذي يقول به بعض الفقهاء إنك أيها العامل إن لم تعمل في يوم من الأيام فكل ساعة نقدرها بمبلغ كذا، فهذا لا حرج فيه بإذن الله تعالى، والله أعلم.
  • لدي عاملة اتفقت معها بأجر شهري مقابل العمل في المنزل، هل إذا احتاج لها أحد الجيران لمساعدتهم يلزمني أن أعطيها أجرا إضافيا؟.

الجواب: أولا إن كانت راضية ولم تعارض هذا الأمر فليس عليه شيء، لأننا نريد الرضا، فهو أساس المعاملات.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فهذا جائز إن كان برضاها، أما إن كانت بغير رضاها فهنا علينا أن ننظر إلى شيء، وهي إن كان العامل أجيرا خاصا، مبينا: أنه في الفقه الإسلامي هناك أجيران هما الأجير الخاص والأجير المشترك، فالأجير المشترك هو الشخص الذي استأجره لعمل معين ولا يكون وقته مستغرقا لي أنا، كأن تستأجر أن يصنع لك بابا أو دولابا أو نحو ذلك عن طريق ورشة النجارة أو الحدادة أو غير ذلك حيث يكون الاتفاق في هذا الأمر بإتمام عمله في وقت معين، وهذا يسمى أجيرا مشتركا أي انه يمكنه أن يعمل لي ويعمل لغيري، فوقته ليس خاصا بي أنا كمستأجر، وهذا بعيد عن هذه القضية، بل هي تختص بالأجير الخاص وهو الشخص الذي يتعاقد معه على أن يكون وقته كله لي أنا، أي إنه يكون مستغرقا لي أنا فقد أعطيته أجرا لهذا، موضحا: أن العاملين في البيوت هو من باب الأجير الخاص لأن الإنسان يأتي بهم إلى بيته لأجل أن يعملوا كل الوقت وأن يبذلوا جهدهم ويسخروا طاقاتهم للعمل في هذا المنزل بالمعروف، هذا هو الأجير الخاص وأحكامه تختلف عن الأجير المشترك، فهذا الأجير الخاص يجب أن يكون وقته كله مستغرقا في خدمة المؤجر – وهو رب العمل هنا – فلا يصح له أن يبذله للغير، إذ لا يجوز للأجير الخاص أن يستأجر من عند الغير لأجل أن يعمل عندهم دون أن يأخذ إذن رب العمل، لأن وقته مملوك للطرف الآخر، وأي عقد تم بينه وبين آخرين – كما يفعل كثيرون الآن – في مقابل مبلغ فإن ذلك العقد باطل لأن الأجير في مثل هذا الحال لا يملك قوته ولا يملك وقته، بل وقته قد سخره لأنه باع منافعه هذه لرب العمل فلا يجوز له أن يبذلها لغيره إلا بمقابل، حتى إنهم قالوا: إن الأجير الخاص إن تعاقد مع غيره – على أي عمل – وأخذ في مقابل ذلك أجرا فإنه لا يستحق ذلك الأجر وإنما هو راجع إلى رب العمل، ما لم يأذن رب العمل بذلك، فإن أذن رب العمل بذلك وهو المالك للمنفعة فهنا لا حرج، وإذنه في الواقع حينما يريد أن يعطي غيره يتصور في أمور منها: انه يعيره لشخص آخر فهو مالك للوقت فمن حقه أن يبذله لشخص آخر وإما أن يؤجره لشخص آخر أي انه يتعاقد مع الآخر إنني سآتي إليك بهذا العامل على أن تعطينا مبلغا وهذا أيضا لا حرج فيه، فإذن لا حرج فيه أن يعيره، أما أن يؤجر العامل نفسه فهذا لا يجوز لأنه ليس مالكا، والإنسان لا يجوز له أن يبيع ما لا يملك، هذا أمر، وهنا أيضا حق للعامل لأن العامل تعاقد على عمل معيّن في بيت رب العمل وما دام تعاقد على عمل معين في بيت رب العمل فلا يجوز أن يشق عليه فوق عمله المعتاد، قالوا: إن كان من عمله المعتاد والذي اتفق به مع رب العمل أن يعمل ساعات معينة فلا يصح لرب العمل أن يعيره أو أن يؤجره لآخر فوق عمله المعتاد إلا أن يرضى العامل لأن هذا العقد توافقي على مقدار معين من العمل على جهد قد جرى عليه العرف والعادة وعلى هذا لا حرج بإذن الله تعالى.
وأضاف قائلا: إذن هذه القضية التي يذكرها السائل هنا أولا: إن كان العامل هو الذي يؤجر نفسه للآخرين فهذا لا يصح، ولا يصح للآخرين ولا يجوز لهم شرعا أن يتعاقدوا مع العامل إلا بإذن من رب العمل ما لم يعلموا أن هناك إذنا عاما، فقد تجدون بعض العمال يأذن لهم أرباب العمل إذنا عاما أن يعملوا عند غيرهم فهذا لا حرج فيه، والأمر الثاني: أن يؤجره رب العمل لغيره، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم وان ترخص بالجواز فلا حرج عليه لكن بشرط أن يكون في حدود عمل العامل أما أن يكون اكثر من ذلك فلا يلزمه، والأمر الثالث: أن يعيره للغير دون أجرة وهذا يحكى عليه الاتفاق بين أهل العلم انه لا حرج فيه لكن بشرط ألا يزيد على العمل المعتاد وإن زاد على العمل المعتاد فلابد له من إذن العامل لأنه هو الذي تعاقد وهو الذي يبذل جهده. والله تعالى أعلم.

• هل من حقوق العمال في المنزل إجازة نهاية الأسبوع؟ وراتب في شهر الإجازة عند السفر أم حسب الاتفاق؟

عقد الإجارة عقد رضائي أي أنه مادام في حدود دائرة الإباحة الشرعية فإنه لا حرج أن يتوافقوا على ما يريدون، وهذه القضية يحكمها التوافق بين المتعاملين، فإن كان العقد الأول بين المتعاملين على أن له إجازة أسبوعية ووقع الاتفاق على ذلك فلا يجوز أن يحرم من هذه الإجازة إلا أن يكون بمقابل أو برضاه، أما إن كان الاتفاق على ألا يعطى إجازة أسبوعية فإنه في مثل هذا الحال لا يلزم رب العمل بأن يعطيه وإن أخذها كرها لا يجوز له مثل هذا العمل، وإن لم يكن هنالك اتفاق على الإجازة أو على عدمها فهنا سنلجأ إلى العرف الدائر، فالعرف الدائر في أمثال هؤلاء العاملين يختلف من عامل ومن جنسية إلى أخرى، فالعرف عند الناس لبعض الجنسيات انه ليست لها إجازة فما دام العرف على هذا فيحكّم العرف إلا أن يكون هناك اتفاق لفظي أو نصي بين المتعاقدين.
وأضاف: هناك جنسيات أخرى المعروف عنها عند الناس كلهم أنهم لا يأتون إلى هنا إلا بأن يكون لهم يوم في نهاية الأسبوع مثلا من بعد صلاة الفجر إلى صلاة العشاء أو إلى صلاة المغرب وهؤلاء على عرفهم، مبينا: أن العرف إذن ليس عند عامة الناس وإنما العرف عند هذه الجنسية لأننا نريد رضاهم، ورضاهم إنما هو محدود بأن ينظر التعامل مع هؤلاء انفسهم وهذا العرف يذكره الفقهاء في السابق ويقولون: انه يمكن أن يكون أجير الخدمة مسلما ويمكن أن يكون غير مسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان عنده عدد من الأجراء الذين يخدمونه فهو صلى الله عليه وسلم رجل مطروق، يطرقه الناس، وقد لا تستطيع زوجاته أن تفي بحاجات أمة بأسرها، فلذلك عنده صلى الله عليه وسلم من الخدم الذين يقومون بشأنه منهم من كان متبرعا كأنس ابن مالك رضي الله تعالى عنه، فقد روي أن طلحة الأنصاري جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما رأى حاجته إلى من يعينه وذلك في السنة الثانية للهجرة، وقال له: يا رسول الله إن هذا الغلام الصغير أثنى عليه بأنه لبق ويسمع ويحفظ سرك يا رسول الله فاستخدمه، أي اجعله خادما عندك لأجل أن يحفظك ولأجل أن يعينك، والنبي صلى الله عليه وسلم وافق على ذلك وشرف أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم وبما أن انس ابن مالك كان مسلما ولا إشكال في القضية، وهنالك غيره، فقد كان هنالك خادم آخر عنده صلى الله عليه وسلم وكان يهوديا وقد حضرته الوفاة وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه في ساعة احتضاره إلى الإسلام ورأى هذا الشاب أباه وكان حاضرا والنبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، أي اسلم فأسلم ذلك الغلام اليهودي، وهنالك أمثلة أخرى مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا من المسلمين.
وأوضح قائلا: قال الفقهاء: إن هؤلاء قد يكونون على دينهم، والشريعة حينما أجازت لهم أن يبقوا في مجتمع المسلمين معناها أنها تجيز لهم أن يمارسوا عباداتهم ولكن في خصوصيتهم لا أن ينشروها أو يظهروها أمام الآخرين لأن هذا يتعارض مع التعاليم الإسلامية، وقانون العمل معنا لا ينطبق على العمال أو المستخدمين في البيوت إلا انه ينص على هذه القضية وانه لابد من أن يحترم الدين الإسلامي وعاداته عند هؤلاء العاملين في البيوت لذلك أن يتاح لهؤلاء يوم كأن يتاح لليهودي مثلا يوم السبت أو للنصراني يوم الأخذ لأجل أن يعمل يقول الفقهاء انه من حقه ذلك إلا أن يكون هنالك اتفاق آخر فالاتفاق والتراضي هو الذي يفصل العلاقة بين هؤلاء فإذا لم يكن هناك اتفاق فالعرف هو الذي يحكم بينهم، والله تعالى أعلم.