ممارسات المسلم اليومية وفـــــق الضوابط الشرعية.. ضرورة إيمانية

«الهاتف» نعمة.. توجــه للخيــر –

متولي الصعيدي – إمام وخطيب الجامع الأزهر الشريف سابقا –

«إن الذنوب تتسبب في أنواع كثيرة من الفساد، فيفسد الماء والهواء والزرع والثمار والمساكن والبيوت تبعا لذلك، وما من شك أن سوء الاستخدام للهاتف النقال يقلب النعمة إلى نقمة ويجعل الحسن سوءا، ومن ذلك استخدامه في نشر الفاحشة بين الناس، وما ينطوي ذلك عليه من هتك الأسرار وكشف العورات، وتشتت الأسر وإدمان مشاهدة الصور القبيحة والمقاطع المقززة ونشرها ومشاركتها.. وحال المسلم أن يشكر ربه تعالى على ما أنعم به وأولى وشأنه أمام هذه النعمة خصوصا «الهاتف النقال» أن يكون شاكرا لربه المنعم سبحانه وتعالى، وأن يوجه استخدامه لهذه النعمة نحو الخير للنفس والغير بكل طريق وبأي سبيل».

في مساء السابع عشر من شهر رمضان المبارك في عام 2012 كنت قد وصلت إلى مطار مدريد مبعوثا من وزارة الأوقاف المصرية لإحياء العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل بأحد المراكز الإسلامية بمدينة قرطاجنة، وشاءت إرادة الله تعالى أن تنقطع بي السبيل عمن ينبغي أن أتواصل معهم بتوقف هاتفي عن العمل، ووقفت في أرض المطار بعد أن أنهيت إجراءات الوصول حائرا حيث إنني لا أعرف اللغة الإسبانية تارة، ومتسائلا تارة أخرى عن هذه القطعة من الحديد والمزودة ببعض قطع بلاستيكية «الهاتف النقال» وأهميتها في المنافع، ولكن كيف السبيل؟ ومن ينتظرني ينتظر مني مهاتفته؛ لأنني ببساطة شديدة لم أره من قبل ولا أعرفه، فماذا أصنع؟ هل وصل الأمر إلى قمة التحكم في الإنسان من خلال هاتفه إلى هذا الحد؟ حتى قيض الله لي أستاذا يعمل في جامعة نجران بالمملكة العربية السعودية فبادرني وعرض المساعدة، فأخبرته وتم التواصل ووصلت إلى حيث أريد بفضل الله تعالى وإحسانه وعطفه وكرمه ولطفه ثم بمساعدة هذا الرجل!!.
دعاني هذا الموقف إلى تذكر قول الله تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)، فسبحان من خلق الإنسان وعدله، وألهمه نور الإيمان فزينه به وجمله، وعلمه البيان فرفعه به وفضله، ووهبه العقل الذي به يفكر ويجرب ويبتكر، فله سبحانه وتعالى الحمد والمنة على هذه النعمة التي يسرت حاجات الناس وخففت التعب والمشقة وخففت الجهد والمال. قال الله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، وحال المسلم أن يشكر ربه تعالى على ما أنعم به وأولى وشأنه أمام هذه النعمة خصوصا «الهاتف النقال» أن يكون شاكرا لربه المنعم سبحانه وتعالى، وأن يوجه استخدامه لهذه النعمة نحو الخير للنفس والغير بكل طريق وبأي سبيل، كالسؤال عن الأم والأب إن لم يتيسر له المثول بين أيديهم، وصلة الرحم والتواصل مع الأصدقاء والسؤال عن البعيد وإفشاء السلام، وتخليص الأعمال والتنسيق للبيع والشراء وسائر المعاملات المشروعة وتوجيه النصح والتوجيه لمن يحتاج إلى ذلك، ودفع المكره والإبلاغ عن الحرائق والجرائم من غير ضياع للوقت والجهد والمال، فعدم الإسراف في كل شيء حتى الكلام مطلوب، والاقتصاد في كل شيء إلا في ذكر الله والعلم والعمل مرغوب، فلقد علمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: (إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله عليكم، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال).
وما من شك أيها القارئ الكريم أن سوء الاستخدام للهاتف النقال يقلب النعمة إلى نقمة ويجعل الحسن سوءا، ومن ذلك استخدامه في نشر الفاحشة بين الناس وما ينطوي عليه ذلك من هتك الأسرار وكشف العورات، وتشتت الأسر وإدمان مشاهدة الصور القبيحة والمقاطع المقززة ونشرها ومشاركتها، قال الله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون)، ومعلوم أن مشاهدة مثل هذه المقاطع يورث في النفس انعزالا وفي الخلق ضعفا وعن العبادة بعدا ومن مخالطة الناس هربا، فهم يدمنون ذلك بتعود مشاهدتها كمن يدمن شراب المسكرات والمفترات بأنواعها كما يقول علماء النفس، وفي ذات الوقت جريمة عظيمة يجنيها الفرد على نفسه ومجتمعه مع كثرة السيئات وتضاعفها على نحو كبير جدا، ولنا أن نتخيل أن واحدا أرسل صورة واحدة أو مقطعا واحدا إلى الآلاف بل والملايين من الناس في شتى أرجاء العالم، وسيحمل أوزارهم جميعا من أرسل ذلك مع مشاركتهم معه في الإثم كل على قدره، قال تعالى: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون)، وقال رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-: (من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) فلا ينبغي شرعا ولا عقلا ولا طبعا ولا عرفا للعاقل أن يفعل ذلك، ولا يرضاه العاقل لأمه ولا لأخته ولا لزوجته ولا لابنته فحري بنا البعد عن ذلك.
وورد عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (العين تزني والقلب يزني فزنا العين النظر وزنا القلب التمني والفرج يصدق ما هنالك أو يكذبه) فالقادر على النكاح يتزوج، وخاصة إذا كان في زمن الفتنة ويخاف على نفسه من العنت والوقوع في الفاحشة، فواجب عليه أن يتزوج طالما عنده القدرة المالية والجسدية، وأما الذي لا يقدر فيطلب العفاف بالعمل والجد مع الكف عما حرم الله سبحانه، بأن يغض بصره ولا يمشي في أماكن الحرام، ولا يصادق أصدقاء السوء، ولا يطلع على ما لا يحل له الاطلاع عليه، ويكف شهوته بأن يكثر من الصوم، ويتذكر أمر الآخرة والحساب عند الله عز وجل، ويتذكر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث ومنها (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أي وقاية وما إلى ذلك من أحاديث، فيستعين على تحصين نفسه، لئلا يوقع نفسه في الفاحشة، فيتعفف بالبعد عن الحرام قال تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله)، والله سبحانه يعد بأن يغنيه من فضله وقتما يشاء سبحانه وتعالى، فيتعفف هؤلاء انتظاراً للفرج والغنى من الله سبحانه وتعالى.
فعليك أن تعرف بنفسك عند الاتصال مراعاة أحوال الناس، روى جابر رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدعوت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ فقلت: أنا، فخرج صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أنا أنا!!، فكأنه صلى الله عليه وسلم كره ذلك»، ولا تفتح جوال غيرك بغير علمه للبعد عن التجسس والتطفل ومعرفة ما لديه، وليكن اتصالك في أوقات مناسبة، ولا تكرر اتصالك فوق العادة وأحسن الظن بمن تهاتف إن لم يجبك والتمس له عذرا، فلربما كان نائما أو عنده ما يشغله ولا تطل في الكلام لغير منفعة ولا تسجل كلام غيرك إلا بإذنه وراقب أولادك احتياطا لهم، واحذر أن يشغلك الهاتف عن قيادتك لسيارتك؛ فبسبب ذلك يحدث خطر عظيم، وقد نهانا الله تعالى عن الاستهانة بأنفسنا ومن معنا؛ فقال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). إن الذنوب تتسبب في أنواع كثيرة من الفساد، فيفسد الماء والهواء والزرع والثمار والمساكن والبيوت تبعا لذلك، فاحذروا وتذكروا قول ربكم سبحانه وتعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)، «فما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة» كما يقول سيدنا علي كرم الله وجهه، ويقول بلال بن سعد: «لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظم من عصيت» وفي المسند روت أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده)، وباب التوبة مفتوح ورحمة الله واسعة والعودة إلى الله محمودة ، قال ربنا جل جلاله عمن ارتكب عصيانا وموبقات: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيما).