قراءة لمشروع الجابري «رجل المعارك الفكرية الكبرى»

«نقد العقل العربي» –

كتبت : بشاير السليمية –

«عاش الجاحظ في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين أما ابن رشد فقد عاش في القرن الثاني عشر ميلادي وعاش معاصرا له تقريبا وإن كان توفي بعده بما لا يقل بأربعين عاما محيي الدين ابن عربي، لماذا أذكر هؤلاء الثلاثة الآن في مستهل محاضرة تناقش فكر مفكر عربي معاصر عاش بعدهم بمئات السنين سيقول قائل محاولة الإجابة إنك تود قول إن الثقافة العربية ممتدة عبر القرون وما يختفي عالم أو مفكر حتى يظهر آخر جديد وسيجيب ثان لأن هؤلاء من رموز العقل العربي عبر القرون المختلفة وبدهي أن يأتي ذكرهم عندما نتطرق لمشروع مفكر معاصر نذر حياته لنقد هذا العقل العربي وفي الحقيقة فإن هذه الإجابة الثانية هي التي أصابت كبد الحقيقة ومصارينها».
هكذا افتتح الكاتب والإعلامي سليمان المعمري محاضرة ليلة أمس الأول «قراء في مشروع محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي» والتي قدمها الباحث والكاتب السوداني غسان علي عثمان بالجمعية العمانية للكتاب والأدباء بمرتفعات المطار، والذي ناقش الأنظمة المعرفية الثلاثة التي كانت تحكم العقل العربي البيان والعرفان والبرهان والذي كان رموزها الجاحظ وابن رشد وابن عربي. وحسب وصف المعمري فإننا في مسقط نقرأ مشروع مفكر من المغرب بواسطة باحث من السودان، وهذا ليس إلا دلالة على ما قاله الجابري حين زار مسقط في عام 92 قائلا: «المسافة الزمانية والمكانية في الوطن العربي ليس لها إلا مدلول واحد، هو وحدة هذا الوطن وتاريخه، وتواصل أفكار أبنائه»، مشيرا إلى أن الباحث غسان يطلق على الجابري «رجل المعارك الفكرية الكبرى».
وبدأ عثمان بالحديث عن سؤال النهضة، وهو السؤال القديم الذي حاول الجابري الإجابة عنه في كتابه «نقد العقل العربي» والذي كانت فحواه حول سبب تأخر العرب وتقدم الغرب، واصفا إياه بالمشروع الذي بدأ من عام 71 وحتى 2010 والجابري كان لا يزال يكتب لصالح الإجابة عن هذا السؤال، وفي حديث عثمان عن الجاحظ، ومشروعه الذي يقوم على ما يمكن تسميته بـ«باللامفكر فيه» حول الظاهرة العربية الاجتماعية وظاهرة الحضارة العربية، أعرب عثمان عما يجده من شبه بين المشروعين -الجاحظ والجابري- حيث انطلق الأخير حسب عثمان من نفس المنطلق بإجراء حوار نقدي تحليلي جديد للتراث العربي.
وفي الحديث عن الأنظمة المعرفية الثلاثة، فإن الجابري أعاد قراءة الفارابي والغزالي وابن سينا، وانتصر حسب عثمان بشكل أو بآخر لابن رشد، وبعد تقسيمه للأنظمة الثلاثة فقد كان واضحا أنه انتصر بشكل رئيس لمدرسة البرهان، وحسب عثمان كان هذا انتصارا للعقلانية النقدية، ولذلك بحث الجابري في التراث -حسب عثمان- عن مصادر هذه العقلانية العربية الإسلامية، ووجد ضالته في ابن رشد.
وعن موضوع لماذا استخدم الجابري العقل وليس الفكر، وذلك بعد إشارة علي حرب إلى الصعوبة المنهجية جراء تقسيم ذلك إلى عقل عربي وعقل هندي وهلم جر، يقول عثمان: إن لكون الجابري يتبع «المدرسة الفرنسية في الفلسفة فهو يعرف العقل بالفاعلية وليس النظام، أي نظام الأفكار الذي أنتج منتوجا أدبيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وبالتالي لا يقصد الجابري أن هناك نظاما عقليا عربيا، بل يقصد أن هناك نظاما للأفكار، أو أن هناك منتجا تم وفق هذه الفاعلية على مصادر ومرجعيات ورؤى وتصورات ووفق هذه الأشياء بنيت الرؤية، لهذا يسمي الجابري العقل بالفاعلية ولا يسميه بالنظام».
وعرج عثمان إلى الحديث عن العروبة، والذي رأى فيه بعض المفكرين أنه حديث عرقي وأن هذا العرق حسب عثمان في حالة من النقاء الثقافي، فيقول: «الجابري ليس عربيا بالعرق، هو أمازيغي في الأصل، حتى أن الأمازيغ في صراع دائم ومستديم مع مشروع الجابري؛ لأنهم يعتقدون أنه تنكر إلى هويته الرئيسية، وأنه كان داعية عروبيا كبيرا دون هويته الأمازيغية المركزية». وحسب عثمان فإن الجابري يعتقد أن الحديث عن العروبة هو حديث حول الهوية الثقافية العربية وأن هذه الهوية الثقافية العربية لها محددات منها اللغة. وواصل غسان عثمان قوله إن النقاد قالوا أيضا إن اللغة أداة، فكيف تكون محددا، وحسب غسان فإن الجابري رآها نظاما للتفكير مستندا على قول هيردر «نفكر كما نتكلم، ونتكلم كما نفكر».
وناقش الباحث غسان علي عثمان كذلك إضافة إلى سؤال التراث وسؤال النهضة، وتاريخانية النص، والعقل الأخلاقي العربي، بعض الرؤى وتباين الاتجاهات لدى جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وغيرهم، في حين ناقش الحضور عثمان حول محفزات ودوافع الجابري لاتجاهه الذي سعى لإقصاء مجموعة من المفكرين، وحول معايير التقدم والتأخر، وحضور مشروع الجابري في الربيع العربي، والجدل بين الجابري وطرابيشي.
والجدير بالذكر أن غسان علي عثمان، كاتب وباحث من السودان، له مجموعة من الكتب كـ«الهوية السودانية..تفكيك المقولات الفاسدة»، و«في نقد العلمانية.. قراءة وتفكيك»، و«عنف النخبة.. قراءة في جذور التكوين والامتياز»، و«ديكور العويل في معنى السيرة». وهو يقدم ويعد برنامج الوراق على القناة السودانية 24. ترأس تحرير مجلة الخرطوم، وأدار مشروع مائة كتاب في الثقافة السودانية.