العلاج بالفنون… ضرورة أم ترفيه؟

د. عزة القصابي –

تعود قصة العلاج النفسي بالفنون إلى عالم النفس (ليفي مورينو) الذي كان محبا للدراما، وسعى إلى كسر نمطية العلاج النفسي التقليدي، وابتكر نوعا من الفنون التي تتزامن مع زيارة المريض للعيادة النفسية لتتحول معاناته إلى مشاهد فنية تخضع للتوجيه والإرشاد النفسي.
جاء ذلك في مطلع القرن العشرين عندما ظهرت بعض العلوم الحديثة التي تماهت مع المعارف والفنون. واحتل «علم النفس» الصدارة في قائمة العلوم التي سعت للاستفادة من الفنون والآداب السائدة. تمخض عن ذلك، استحداث مصطلحات جديدة أهمها «السيكودراما» الذي يتكون من مقطعين هما: علم النفس والدراما، أي الدراما النفسية. ويستخدم هذا العلم الهجين في علاج الكثير من الحالات النفسية لدى الأفراد، الناتجة عن المواقف الاجتماعية أو العاطفية أو الانفعالية.
تساعد «السيكودراما» المريض في التخلص من وحدته والانفتاح على الآخر، وتفريغ المشاعر السلبية لديه، بعد التنفيس عن المكبوتات النفسية منذ سنوات طويلة. وهناك أنواع كثيرة من الدراما التي ترتبط بعلم النفس- حسب الترجمات الواردة-، منها الدراما العفوية، والدراما الاجتماعية، والدراما النفسية. ومهما تعددت وتنوعت الأنواع الدرامية، فإن هدفها الأول هو النبش في مكنونات النفس الخفية، وتشخيصها وفق أسس نفسية وعلاجية وإرشادية معينة.
ولابد من الإشارة إلى أن «لفي» كان واحدا من تلاميذ «فرويد» الذي اهتم بدراسة الطبيعة الإنسانية بصفاتها المتضادة والمتحولة. وتعتمد خطة «ليفي» العلاجية على تشخيص حالة المريض، والبحث عن العلاج السيكودرامي المناسب لحالته . لقد عرف ليفي السيكودراما بأنها التفسير العلمي للحقائق من خلال اتباع أساليب وجدانية قريبة من الإنسان، وهذا يتوافق مع رأي عالم نفس آخر هو «لوتز» الذي وصف «السيكودراما» بأنها استكشاف للكيان الإنساني على أسس نفسية وعلاجية إرشادية فنية.
قد يتساءل البعض كيف يمكن لهذا النوع المركب والدخيل علاج الحالات النفسية المتقدمة ؟… لقد أشارت العديد من التقارير الطبية أن هناك مرضى تحسنت حالتهم النفسية بفعل «السيكودراما» دون أن التعرض للعلاج «الإكلينيكي». وذلك عبر مراحل يقوم بها الطبيب النفسي، أهمها دراسة حالة المريض ومعرفة المشكلة الاجتماعية وتفاصيلها.
هناك أكثر من خطوة لمسرحة الحالة النفسية للوصول إلى النتائج الإيجابية، أولها كتابة المشاهد للوقوف على تفاصيل حياة المريض وإعدادها دراميا على هيئة حوارات تتناوب المجموعة في أدائها، ويكون المريض بطل العمل، إضافة إلى الأدوار المساندة التي ترمز إلى أفراد أسرة المريض… يحل الطبيب النفسي بدل «المخرج» ، والذي يقوم بالأشراف على إدارة العمل الفني وتحريك المجموعة على المسرح، ويحاول إقناع الحضور بالقيام بالأدوار المطلوبة وتنظيم حركة المشاركين برؤية جمالية.
هناك أساليب أخرى تقوم على تفاعل الآخر عند تنفيذ النص الدرامي النفسي أو ما يسمى بالدور النموذج، عندما يقوم المريض بدور المتفرج ليصف المشكلة من وجهة نظره. وفي المقابل، قد لا يتفاعل مريض مع الحالات التي قد تتقارب معه، ويظل مجرد متلقٍ سلبي غير متفاعل ، بينما يتقمص دوره شخصا آخر، يحاول وضع الحلول المثلى لحالته وصولا إلى مرحلة الشفاء .
ولا يقتصر دور «السيكودراما» على حل مشاكل المرضى النفسيين، ولكنها تعطي فرصة للجمهور لتوصيف الحالة، وتحديد المشكلة من وجهة نظر أشخاص آخرين يمثلون شرائح المجتمع المختلفة. وهذا يساعد المريض على الإفصاح عن علته دون تردد ولا خوف، كما يتيح فرصة لتقلد أكثر من دور في المجموعة الواحدة .
وفي نهاية البرنامج العلاجي، يمكن التحاور مع المريض الذي هو بمثابة «الشخصية المحورية» للتعرف لأي مدى استطاعت التمثيلية النفسية أن تخلصه من الشحنات السلبية، فإذا حدث نوع من التشافي فإن المريض يكون لديه استعداد لتحقيق نوع التوازن الاجتماعي، والتخلص من المواقف السابقة ، والتي قد تكون سببا في توليد مواقف ضاغطة على نفسيته. ويتبين ذلك من خلال النتائج الطبية، المستندة على الملاحظات التي تدونها المجموعة التي تقوم بالمتابعة والمشاهدة.
تعد الدراما النفسية علاج فعال للكثير من الأمراض التي تؤثر على حياة الفرد، التي قد تكون ناجمة عن المواقف الاجتماعية ، فهي تساهم في علاج حالات الحرمان والإيذاء والعنف والخجل والعزلة والوحدة والفقدان العاطفي والخوف من المجهول، وعدم القدرة على التعبير عن الاحتياجات الضرورية في الحياة ومواجهة المجتمع .
يبقى أن نقول : إن العلاج السيكودرامي إحدى الوسائل الناجعة في علم النفس التربوي والإرشادي، وهو وسيلة للانسلاخ من فوضى الحياة المعاصرة والنفاذ إلى المستقبل برؤية أفضل…وتتبنى الكثير من العيادات النفسية في العالم هذا النوع العلاجي، الذي يعنيها في تشخيص وحل المشاكل والاجتماعية والعاطفية لدى الأطفال والمراهقين والبالغين على حد سواء.
وخرجت إلى الوجود نظريات حديثة تنضوي تحت راية «السيكو دراما» التي جاءت كردة فعل لتطور هذا الفن المرتبط بعلم النفس، نذكر منها نظرية طريقة النمو ونظرية حل المشاكل العاطفية ونظرية الطبيعة النفسية ونظرية التغير والعلاج …وغيرها من النظريات التي جاءت كاستجابة لاهتمام العلماء بهذا الفن الهجين، والذين أكدوا أن فن الدراما ليس فنا للتسلية فحسب، ولكنه يخاطب الفكر ويتغلغل في الذات البشرية،ويكون سببا في شفاء الكثير من الحالات النفسية في المجتمع.