«سطور من صحائف العمر».. سيرة ذاتية للأديب سيف بن محمد الطوقي

نسخ 10 مخطوطات وأنشأ رسائل بأسلوب أدبي وتطارح مع الشعراء قصائد كثيرة –

مكتب «عمان» بنزوى – محمد بن سليمان الحضرمي –

تعيش أشخاص عمرا مديدا، ولا تدوِّن حياتها بدقائقها الصغيرة المهمة، شخصيات اجتماعية وثقافية وفقهية كانت مؤثرة ومضيئة في الحياة، وفاعلة في المجتمع وقيادية أيضا، هذه الشخصيات جديرة بتدوين سيرتها الذاتية، لأنها تقدم خلاصة عمر وحصاد تجربة، بعض هذه الشخصيات لم تدون سيرتها، ولم يلتفت أحد إلى تدوين هواجسها وحفظ متعلقاتها، كالرسائل والمكاتبات والصور الضوئية إن وجدت، وحين ترحل عن الدنيا ينتهي كل شيء، وتصبح ذكرى في وجدان الزمان، لذلك قيل: إن المقابر أغنى بقاع العالم بالأفكار التي ضاعت بموت أصحابها.

محمد بن عامر العيسري لـ«عمان» الثقافي:-

تحرير سيرة الطوقي تجربة ثرية كشفت لي مناطق مجهولة من التاريخ الاجتماعي في عمان –

حياة وسيرة سيف الطوقي

من بين الكتب المهمة التي تتناول السيرة الذاتية للشخصيات الثقافية والاجتماعية العمانية، هو كتاب يتناول حياة وسيرة: سيف بن محمد الطوقي (ت: 19 يناير 2018م)، صدرت العام الماضي بعنوان: «سطور من صحائف العمر»، اعتنى بجمعها وتحرير مذكراتها الكاتب والباحث محمد بن عامر العيسري.
ومن التصفح السريع لهذا الكتاب باذخ الجمال؛ إخراجا وتنسيقا وتبويبا، يتضح الجهد الذي بذله محمد العيسري مع صاحب المذكرات: سيف بن محمد الطوقي، التي اتضحت ملامح شخصيته الثقافية، فهو ناسخ اعتنى كثيرا بنسخ مجموعة من الكتب، وكتب الرسائل، وله إسهام شعري، هذه الشخصية الثقافية الجزلة، كانت ستكون مجرد ذكرى في وجدان الزمان، ولكن بتدوين سيرتها الذاتية، والجهد الذي بذله محمد العيسري في تحرير السيرة تحت إشراف الأديب الطوقي نفسه، واستفاد من الرسائل الكثيرة التي حصل عليها الباحث العيسري، والجلسات الطويلة التي جمعته مع الأديب سيف بن محمد الطوقي في منزله باعتباره خال والده، ومشاركته له في رحلة إلى زنجبار عام 2004م، كلها كانت دافعا قويا لتتبع السيرة الذاتية والمجهولة في حياة سيف بن محمد الطوقي.

البداية من البيت العود

ومن قراءة هذا الكتاب يتكشف لدى القارئ النهج الذي سار عليه الأديب الناسخ والكاتب سيف بن محمد الطوقي رحمه الله في كتابة سيرته، يبدؤها بذكر مسماه الشخصي، وتسلسل نسبه مع آبائه إلى جده السادس، وذكر تاريخ ولادته، وذلك في اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة سنة 1348هـ، الموافق الثلاثين من مايو سنة 1930م، وذلك بقرية السباخ من سفالة إبراء بمحافظة شمال الشرقية، وتاريخ مولده هذا وثقه والده محمد بن سالم الطوقي، في أحد جدران البيت المعروف باسم: «البيت العود»، كما قيده في جلدة كتاب من كتبه.
هذا التوثيق الذي لا يأخذ إلا بضع دقائق فقط، أصبح في قادم الزمان شهادة ميلاد، مثلما سيصبح كتاب «سطور من صحائف العمر» شهادة مهمة لحياة سيف بن محمد الطوقي، وشهادة للزمان الذي عاشه، والأسرة التي عاش في كنفها، والأخوة والأصدقاء الذين تقاسم معهم الحياة، والأمكنة التي شهدت خطوات ذهابه وإيابه وترحاله في عمان وشرق افريقيا وغيرها. إنه شهادة مهمة لزمن يقترب من تسعة عقود، ووثيقة تشهد على الإقامة في القرية والمدينة، وحياة السفر والترحال في الجزيرة الخضراء، وما جاورها في شرق إفريقيا.
في مقدمته للكتاب، يكتب الباحث محمد العيسري تلخيصا لتكوين سيرة سيف بن محمد الطوقي، التي استطاع أن ينبش تفاصيلها، من أكوام الرسائل والمخطوطات والصور، فخرج منها مادة وفيرة لهذه السيرة. كانت البداية منذ أن عرف العيسري في طفولته طريقه إلى «البيت العود»، وإلى حضن جدته فاطمة بنت محمد بن سالم الطوقية، والمدرسة التربوية لمحمد بن سالم الطوقي، والد صاحب السيرة، ويعرف بلقب «نصف الدنيا»، لكثرة معارفه وعلاقاته.

بداية فكرة تدوين المذكرات

خطوات في طفولة العمر، تقود إلى مكان خصب بالذكريات، وشخصيات لها تأثيرها في الوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه، وكان سيف بن محمد الطوقي خال والد محمد العيسري أحد هذه الشخصيات المؤثرة، ومجلسه الذي يستقبل فيه أدباء وفقهاء عمان من أمثال أبو سرور الجامعي، والفقيه سالم بن حمد الحارثي، والفقيه جابر بن علي المسكري، والقاضي الأديب سعيد بن سليمان السيابي وغيرهم.
فكرة تدوين المذكرات ابتدأت بمسامرة في منزل الطوقي بمدينة الخوير بمسقط، في ليلة 19 من ذي القعدة من عام 1424هـ/‏‏ 2004م، وإيعاز العيسري له تدوين ما يحفظه وأدركه من آبائه وأقرانه، لتتوالى الجلسات بعد ذلك في مسقط ومدينة إبراء، ورحلة أخرى جمعتهما معا في شهر جمادى الآخرة عام 1425/‏‏ اغسطس 2004م، إلى زنجبار بعد مفارقة صاحب المذكرات لها أربعين عاما.
وتتطور الفكرة لتدوين المذكرات بقلم صاحب المذكرات، وكما يقول العيسري: «سيما أنه كان يمتاز بجودة الخط وحسن العبارة، وهو المشهود له بين أقرانه بنسخ المخطوطات أيام شبابه».

60 ورقة في دفتر خاص

ويكتب الأديب سيف بن محمد الطوقي 60 ورقة في دفتر خاص، كل ما يتذكره من حياته، ثم يأتي دور محرر المذكرات، ليقوم بكتابة تفصيلية بما يخدم السيرة، ويذكِّره بمعلومات من الرسائل والوثائق التي حصل عليها والخاصة به، فكانت مصدرا لتذكير صاحب المذكرات بتلك الحوادث، ويبدأ يسترسل في الحديث عنها، ومن جلسات شفهية وتسجيلات صوتية تتشكل سيرة ذاتية لصاحب المذكرات.
عمل كتب بأناة، تبعها مراجعات كثيرة، وألحقها بتفاصيل جديدة، وتكبر المذكرات كلما كثرت الكتابة عن الذكريات، وتتكشف الشخصية الثقافية والاجتماعية لسيف بن محمد الطوقي، فهو صاحب خط جميل، قام بنسخ عشر مخطوطات، وكاتب للرسائل، يوشيها بعبارات أدبية، وناظم للقصائد، ضاع بعضها وما بقي يؤكد على شاعريته وحسن نظمه، خاصة قصيدته التي وثق فيها رحلته من إبراء إلى شرق إفريقيا.

مادة حول شخصيات مغمورة

ومن فهرس الكتاب نقرأ مقدمة للباحث محمد العيسري محرر السيرة بعنوان: «عن الرحلة مع سمط الأدب وهيميان الذكريات»، ثم مقدمة لصاحب السيرة، ثم تتوالى عناوين فصول الكتاب وهي: من الطفولة إلى الشباب الشباب، وحياة مع العلم، وصفحات من سيرة الوالد، وأسماء في الذاكرة، وقضاة ومعلمون، وزنجبار.. بحثا عن حياة، وزنجبار.. موطن ومستقر، وشخصيات من زنجبار، وحديث عن استقلال زنجبار والانقلاب الأسود، وبوروندي ومهجر آخر، والعودة إلى الوطن، ومحطات من العهد الجديد.
ويختتم الكتاب بالآثار الشعرية، ونماذج من المخطوطات والوثائق والرسائل التي كتبها الأديب سيف الطوقي، كل هذا الثراء الثقافي يضمه الكتاب في صفحات تبلغ 494 صفحة من الحجم الكبير، حيث صدر الكتاب ضمن إصدارات مركز ذاكرة عمان عام 2018م، مطعم بعشرات الرسائل والصور الشخصية لمراحل حياة صاحب السيرة، بدءا من طفولته وأول صورة التقطت له وكانت في نوفمبر 1950م.
يقول الباحث محمد بن عامر العسيري في حوار لـ«عمان» الثقافي واصفا تجربته في جمع وتحرير مذكرات الأديب سيف بن محمد الطوقي، والصادرة بعنوان « سطور من صحائف العمر »: إنها تجربة ثرية كشفت لي مناطق مجهولة من التاريخ الاجتماعي في عمان، وفي شرق افريقيا؛ زنجبار والمناطق التي عاشت فيها هذه الشخصية، كما كشفت لي مادة تاريخية حول شخصيات مغمورة، سواء في المحيط المحلي بولاية إبراء، أو في جزيرة زنجبار وجمهورية بوروندي بافريقيا، وكذلك اكتشفت من خلال الوثائق المحفوظة الكثير من المعلومات التاريخية المجهولة، والتي لم يزح عنها الستار، إن جزءاً من السيرة الذاتية لهذه الشخصية وغيرها من الشخصيات، تتوارى في سطور هذه الوثائق والرسائل المهمة.

كنوز من المسامرات الأدبية

ويضيف العيسري: إن جلساتي الطويلة والكثيرة مع سيف بن محمد الطوقي وهو خال أبي، كشفت لي عن كنوز من المسامرات الأدبية، خاصة فيما يتعلق بالجانب اللغوي للهجة أهل إبراء، وأرجِّي نفسي أن أحرر تلك المسامرات لتخرج في كتاب مستقل، لأنها تقدم تفصيلا لغويا مهما عن معاني المفردات للهجة أهل إبراء، وسوف أقدم فيه خلاصة جلساتي معه المتعلق بهذا الجانب.
ويضيف أيضا: إنه بعد صدور الكتاب، عثرنا على «خيشة» فيها ما يقرب من 150 وثيقة، تضم مجموعة جديدة من الرسائل والمكاتبات الخاصة بصاحب السيرة، وتقدم معلومات عنه، بعضها كتبها بخطه، وبعضها وردت إليه.
ويقول أيضا: إن الأديب الناسخ سيف بن محمد الطوقي كتب بخط يده عشرة مخطوطات من الكتب لمؤلفين عمانيين، ولدي أصولهن، باستثناء مخطوطة محفوظة في دار المخطوطات بوزارة التراث، وكتاب آخر يضم مجموعا شعريا محفوظا في مكتبة الشيخ نور الدين السالمي.
جدير بالذكر أن كتاب «سيف بن محمد الطوقي: سطور من صحائف العمر»، حصل العام الماضي 2018م على جائزة السيرة الذاتية أو الغيرية، من الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، والتي تنظمها الجمعية سنويا ضمن جوائز الإبداع الثقافي.