البحث عن عقد اجتماعي جديد

د. صلاح أبونار –

ابتداء من 17 نوفمبر الماضي ركز العالم اهتمامه العام على متابعة المشهد الفرنسي. وفرضت فجائية المشهد وتلاحق أحداثه، وتشابك دلالاتها مع خبرات التاريخ الفرنسي، طرح تساؤلات عديدة.

تساؤلات تتعلق بالدلالات التنظيمية والحركية للأحداث، وثانية تتصل بالهوية الاجتماعية والسياسية للمشاركين فيها في تمايزها وتنوعها، وثالثة تتناول محركات الأحداث وأهداف الفاعلين الأساسيين في الحركة. فما الذي نخرج به من حصيلة تلك التساؤلات؟
لا يمثل الطابع التنظيمي والحركي مفاجأة، فالحركات الاجتماعية الكبرى التي شهدها عقدي الألفية الجديدة عرفت بعض سماته، بصور ودرجات متباينة.
أولى هذه السمات أن حركة السترات الصفراء تكاد تكون من انبثاق شراراتها الأولى مرورا بفعالياتها الأساسية، وليدة لسياقات الشبكة العنكبوتية ومبادراتها. في شهر سبتمبر اتخذ ماكرون قراراته الاقتصادية ومنها ضريبة الوقود التي أطلقت الشرارات الأولى. قبل إعلان القرارات بفترة قامت بريسكيليا لودسكي بنشرة التماس للتوقيع علي الشبكة يطلب تخفيض أسعار الوقود، ولكنها لقت تجاوبا محدودا. ولكن بعد القرار انطلقت التوقيعات لتصل إلى الملايين. وبعد ذلك اقترح سائق شاحنة يدعي إيريك دوريية، على الشبكة القيام بعملية سد للطرق على امتداد فرنسا يوم 17 نوفمبر، وهو نفس اليوم الذي انطلقت فيه الحركة. والنموذجان المذكوران يشكلان اشهر النماذج التي صنعت محطات فارقة، وظهرا في سياق مشاركات واسعة وكثيفة ومتواصلة. ووفقًا لما قاله احدهم مكنت الشبكة المحتجين من تكوين ذات جماعية، «عبر التواصل مع آخرين يشعرون بالأمر نفسه»، كما مكنتهم من تشكيل حضور عام، «عبر تعبئة قوتهم والقول انهم هنا وحاضرون».
وثاني هذه السمات أن الحركة انطلقت وتطورت معزولة تماما عن مؤسسات المشاركة السياسية التقليدية أي الأحزاب وتحالفاتها والنقابات المهنية واتحاداتها. فلم تشارك في الدعوة إليها، ولم تفكر في الالتحاق بها بعد انطلاقها، واتخذت منها موقفا رافضا مزدريا يراها صنيعة يمينية.
وثالثها كثافة المشاركين واتساع نطاق مشاركتهم الجغرافية. في 17 نوفمبر شارك في المسيرات 300000 سترة صفراء، علي اتساع فرنسا. وفي السبت الثاني شارك مائة ألف، وبعد مرور شهر وصل عدد المحتجين 700000.
ورابعها طابعها اللامركزي والفضفاض، وحالة السيولة السياسية العالية التي تترجم نفسها في استجابات سريعة متفاوتة القوة، وغياب قيادة محددة وميل لرفض بلورة قيادة من قلب الأحداث. وخامسها الطابع الدوري المتقطع والمتغير للاحتجاجات، فهي تتم كل يوم سبت وليس على مدار أيام متواصلة، وجماعاتها الميدانية المحركة غالبًا وجوه جديدة وعالية التغير، وعلى درجة عالية من التغير في المكان ومراكز الثقل، ومستويات حشد يصعب تقديرها أو توقعها من جانب المنظمين بافتراض وجود منظمين.
ما الذي تخبرنا به هذه السمات؟
تخبرنا أننا أمام حركة بقدر ارتفاع استجابتها لسياقها السياسي، بقدر عجزها عن التحكم في مسارها السياسي وخياراتها المستقبلية ومكونات عضويتها السياسية. وتخبرنا أننا أمام حركة ذات قدرة عالية على الحشد السياسي، وليس حركة مؤسسات سياسية رسمية تقوم على مفاهيم المشاركة المؤسسية والانتخاب والتحالفات المتغيرة، وقادرة على التحكم في مسارها السياسي وبناء إجماع مستقر داخلها. وكل ذلك يجعل قدرتها على الاعتراض والنقد أعلى من قدرتها علي البناء وتقديم البدائل، ويجعلها قصيرة العمر عاجزة عن مسايرة الاستراتيجيات طويلة الأمد أو حتى المتوسطة منها.
وماذا بشأن الهوية الاجتماعية والسياسية للمشاركين في حركة السترات الصفراء؟
تحدث أحد المحتجين واصفا طبيعتها الاجتماعية: «لا أحد خلفهم. إنهم مجرد انفجار عبر النافذة، خرج منها كما يخرج سبيدر مان. محبطون من الحياة عامة». وتنطوي تلك الكلمات علي مبالغة، لكنها تنير لنا بعدا أساسيا في هذه الهوية، ونعني بعد الاتساع والتنوع. ولدينا بشأن تحديد تلك الهوية عدة ملاحظات.
أولها أنها ليست حركة فقراء بالمعنى الدقيق للكلمة، فليس لفقراء فرنسا صلة بضرائب الوقود. والجسد الأساسي والفعال فيها، سنجده داخل الطبقة الوسطى وتحديدا فئاتها الدنيا، والطبقة العاملة والحرفيون. وبمراجعة التحقيقات الصحفية الميدانية، سنجد من تحدثوا إليها موزعين بين مدرسين ومهندسين وموظفين متقاعدين أصحاب المعاشات المنخفضة ومديري شركات صغيرة وسائقي شاحنات. وبمراجعة التحليلات الخاصة بعضويتها، سنرصد مهن مثل: ميكانيكية السيارات، وخدم المنازل، ومقاولي بناء متقاعدين، وحملة قوالب البناء، وصانعي السجاد، وأصحاب مشاريع صغيرة، وعمال ياقات بيضاء، وشباب جماعات المدن العرقية.
وثانيها، أن الثقل الاجتماعي للعضوية يتواجد داخل المناطق الريفية والمدن الصغرى وليس المدن الكبرى، ومن هنا يزداد ثقل الطبقات الوسطى والدنيا الفلاحية داخلها. وثالثها، لا يبرز فيها وجود المهاجرين. عند مراجعة صور المسيرات نعثر غالبا على وجوه غربية، ولم نجد فيمن تحدثوا إلى التقارير المنشورة أسماء من أصول إفريقية أو عربية مثلا، وفي مطالبهم لا تبرز مطالب للمهاجرين. ولا يعني ذلك عدم وجودهم بل محدوديته.
وسياسيا لا تظهر الحركة تجانسا سياسيا يمنحها هوية سياسية واحدة. فهي تجمع بين أقصى اليمين واليسار، ولكن الثقل اليميني فيها أعلى. وتبعا لقياس أجري على عينة مشاركين في الحركة، صوت أربعة من كل عشرة لليمين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، مقابل اثنين صوتا لليسار. ولكن الغالبية بلا انتماء سياسي ومعاديين للمؤسسات الحزبية التقليدية، ويتباهون بكونهم غير سياسيين. ووسط هذا التنوع السياسي من السهل اكتشاف ميول شعبوية بارزة، تتجسد في كراهية الأحزاب وغياب الثقة في الديموقراطية النيابية، وازدراء النخب السياسية. والحاصل أننا أمام حركة على درجة عالية من التنوع الداخلي. تنوع بطبيعته مؤقت واضطراري، وهو بالتأكيد علامة قوة ولكنه أيضا علامة ضعف كامن. تحدث أحد المشاركين في الحركة عن سر التنوع الاجتماعي: «ماكرون بعث التضامن من جديد بين الفرنسيين، وجعل الجميع يتحدون في معارضته، ونحن الآن متحدون للقتال ضده، على الأقل حتى الآن». وأضاف مشارك ثان: «ليست هذه ثورة، بل بالضبط حالة تمرد. هذه الحركة تعبير عن سخط فئات معينة على حكومة مفرطة في نخبويتها». وأضاف المشارك الأول بشأن التنوع السياسي: «قوتنا أننا غير سياسيين، وفي اللحظة الراهنة لا نحتاج إلى إطار ينظم وحدتنا، وحين تنقضي تلك اللحظة لا نعرف ماذا سيحدث بعدها».
وماهي الأسباب الكامنة خلف تلك الحركة الواسعة المتنوعة والمتناقضة؟
هناك مسألة ضريبة وقود الديزل، لكن لا ينبغي المبالغة في أهميتها، فلم تكن عمليا سوى الشرارة. ولكن لماذا كانت تلك الشرارة من نصيب ضريبة الديزل؟
لان الديزل يمثل وقود 80% من القوة المحركة، التي يستخدمها 80% من نقل القوى العاملة في المدن والمقيمة خارج نطاقها، وهؤلاء تصل نسبتهم 80% من إجمالي النشطين اقتصاديا في فرنسا. وعلى امتداد العام الماضي ارتفعت ضريبة الديزل بنسبة 23%، وهو ما يعني أن الإضافة الأخيرة ألحقت ضررا جسيما بأغلبية الفرنسيين.
فلنترك أمر الشرارة لنفحص العوامل الأعمق. يبرز المحللون عاملين. يتعلق الأول بنمط النمو الاقتصادي في فرنسا. تركز النمو الاقتصادي في المدن الكبرى، ولكن سياساته لا تسمح للعاملين في مؤسساته بالحياة فيها، بل تدفعهم بعيدا صوب الأطراف مثل: الضواحي والمدن الصغري والأرياف، وعليهم الانتقال يوميا من وإلى أماكن عملهم. مناطق مهمشة تنمويا، وتفصلها هوة واسعة عن المدن الكبرى تزداد اتساعا. وهكذا دخلت الفئات الوسطى والصغيرة والعاملة القاطنة تلك الأماكن، صيرورة تدهور اجتماعي منذ الثمانينات.
يرصد الباحث الفرنسي كريستوفر جيولي الصلة بين هذا التهميش وحركة السترات: «لم تكن ضريبة الديزل أكثر من ذريعة. في فرنسا، استخدم الشعب السترات الصفراء كطريقة يقول بها: «نحن هنا». يقولها للنخبة، ويقولها للطبقة السياسية، ويقولها لهؤلاء الذين أهملوه على مدى عشرين عاما، لسبب بسيط أنهم لم يعودوا يعيشون في نفس المكان».
ويتعلق العامل الثاني بأزمة الديموقراطية الليبرالية. انطلقت تلك الأزمة منذ السبعينات، وأخذت تتصاعد مع تصاعد أزمة دولة الرفاه الاجتماعي وتحلل العقد الاجتماعي الذي استندت إليه، وتدفق المهاجرين واندماجهم في بنية المجتمع بالتحديات التي فرضها، وتغلغل الليبرالية الجديدة والعولمة والاندماج الاقتصادي الأوروبي وما رافقهما من تقييد لدور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، والتحولات في طبيعة القوى العاملة وبالتحديد الطبقة العاملة. وشكلت تلك التحولات تحديات لمؤسسات الديموقراطية الليبرالية، نالت من شرعيتها وقلصت كفاءتها. فلقد تراجع دور أحزاب التيارات المدنية والسياسية الأساسية التي شكلت قاعدة التوافق والتوازن السياسي، لصالح حركات الهوية الاجتماعية الجديدة والأحزاب الشعبوية. وتراجعت القناعة العامة في العملية الانتخابية وآلية التمثيل النيابي، كمؤسسات ناظمة لعلاقة المجتمع بمؤسسات الدولة. وضعفت الثقة في النخب الحاكمة مع تراجع دورها الاجتماعي والتنموي، واستبدلت بدور القوة الضابطة للتوازنات المالية والتجارية. وسنجد تلك الأزمة الغربية العامة في خلفية الأحداث الفرنسية. يخبرنا محلل فرنسي: «فرنسا تواجه أزمة ديمقراطية. لديك الآن بشر لم تمثلهم الأحزاب السياسية لفترة طويلة. هؤلاء الذين شاركوا في تلك الحركة هم الأقل تصويتا، والأكثر عزلة عن الحياة العامة. والآن يريدون لصوتهم أن يصل ويسمع، ولكن ليس لديهم وسيلة لفعل هذا». وها هو أحد المشاركين يؤكد على ذلك: «الناس تسأل نفسها كيف يمكن لهذا الفرد أن يعبر عني إذا كان لا يعرف ما الذي تبدو عليه حياتي؟ هؤلاء الناس ينقلون كل شيء من القرى إلى المدن. هنا أطباء أقل ومدارس اقل ومستشفيات أقل، وليس من الغريب أن يشعر الناس أنهم قد هجروا».