كارلوس غصن ونافخ الصافرة

د. عبد القادر ورسمه غالب –
awarsama@warsamalc.com –

كارلوس غصن رجل أعمال يحمل الجنسية البرازيلية والفرنسية. وظل يشغل (حتى وقت قريب) منصب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركتي (نيسان) اليابانية و(رينو) الفرنسية، ورئيس مجلس الإدارة لشركة (ميتسوبيشي موتورز)، ورئيس مجلس إدارة مصنع السيارات الروسية (أفتو فاز)، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لتحالف (رينو- نيسان). وتم تصنيفه بواسطة (الفايننشال تايمز) و(مجلة فورشن الأمريكية) و(شركة برايس وتر هاوس كوبرز) وغيرهم، من ضمن أفضل رجال الأعمال في العالم ومن ضمن قائمة أكثر رؤساء الأعمال احتراما.
وبالرغم من هذا السجل الحافل، فإن هذا الشخص يقبع الآن في السجن بطوكيو رهن التحقيقات الجنائية. ويقول المدعون أنه حول ملايين الدولارات من الخسائر في استثماراته الخاصة إلى شركة تابعة لشركة نيسان. وأنه لم يبلّغ عن عشرات الملايين من الدولارات من دخله في «إفصاحات» نيسان، وهي التهمة التي قد تودي به إلى السجن لسنوات طويلة. وهكذا، بين يوم وليلة، تحولت أوضاع كارلوس غصن نظير هذه الاتهامات والتي نأمل بصدق أن تظل مجرد اتهامات ليظل سجله الحافل بريئا من كل اتهام، وليظل مثالا لرجل الأعمال العصامي الناجح. نأمل ذلك.
ولكن ما يهمنا هنا الإشارة لأهمية المبادئ التي ظهرت عبر «حوكمة الشركات»، التي تنادي بأهمية دور «نافخ الصافرة»، وهو الدور المباشر الذي قاد لظهور الاتهامات المقدمة ضد غصن. و«نافخ الصافرة» هو أول من «نفخ» بمخالفات كارلوس غصن، ومما ذكره بدأت التحقيقات والاجراءات.
وبصفة عامة، لا بد من وضع ميكانيكية لتدقيق ومراجعة ما يتم في الشركات وحرمها. وهذا يتطلب توفير البدائل المطلوبة لمراقبة وتدقيق ما يتم للاطمئنان على أنه يسير وفق المطلوب والنهج الصحيح. ووجود المراقبة والتدقيق لما يتم في الشركات يوفر الفاعلية لتحفيز الجميع للقيام بمهامهم علي الوجه الأمثل وإلا فإن «المراقب» أو «المدقق» سينفخ في أعمالهم.
ومن ضمن ميكانيكية المراقبة والتدقيق في الشركات أو المؤسسات العامة، هناك نظام «نفخ الصافرة» أو «نفخ بوق الانذار» وهناك الحق في ممارسة هذا النظام، كما تتطلب مبادئ الحوكمة، وهو حق مكفول لمن يعمل في الشركة أو المؤسسة وغيرهم. وهذا الحق يجب أن تتم ممارسته بحسن نية وبعيدا عن المآرب الشخصية الذاتية، كما يجب أن يكون مكفولا للجميع بدون فرز أو تفرقة أو تحديد، خاصة وأنه يعتبر من أهم الركائز والوسائل الحديثة للمراقبة الداخلية في الشركات أو المؤسسات. وحتى يؤتي هذا النظام أكله، يجب على الشركات تشجيع الجميع لاستخدامه واللجوء إليه كلما دعت الحاجة للإبلاغ عن أي ممارسات خاطئة أو مخالفة للقانون أو تجاوزات مضرة لأعمال الشركة أو الجهات المرتبطة بها من زملاء ومستهلكين ومستفيدين والجميع. وهذا، يتطلب وضع برنامج شامل لشرح هذا الموضوع الحيوي وأهدافه ومراميه وكيفية تحقيق الاستفادة القصوى منه حتى يعود بالنفع على الجميع تحقيقا لأرقى مبادئ الحوكمة وتوفير ضوابط حسن الإدارة للارتقاء بالعمل لمصلحة الجميع، وليس المصلحة الشخصية.
ويجب أن يشعر من يستخدم نظام «نافخ الصافرة» أو «نفخ بوق الانذار»، سواء كان من داخل الشركة أو من خارجها، بالاطمئنان التام إلى أنه لن يتعرض لأي ضغوط أو محاسبة أو أي نوع من المساءلة بسبب استخدامه لهذا النظام الانذاري الذي يهدف في أساسه للإصلاح قبل أن يهدف لتحقيق مرامي ذاتية أو شخصية لأي طرف كان. ووجود الأمان وتوفير الاطمئنان بالطبع سيمكن الجميع من استخدام النظام من دون خوف أو وجل من أي طرف لأنه يستخدم نظاما مقننا ووفق ضوابط الحوكمة. وعلى الشركات توفير كافة البدائل التي يمكن عبرها تقديم الإنذار المبكر أو نفخ البوق للفت النظر عما يحدث أو قد يحدث ويسبب أضرارا للأعمال بشتى أنواعها خاصة وأن هذا النظام يؤخذ كمؤشر استباقي لما قد يحدث في المستقبل المنظور.
ولتحقيق الفائدة المرجوة من نظام «نافخ الصافرة» فلا بد من التفريق بينه وبين «الشكاوى» ذات الصبغة الشخصية. ونافخ الصافرة، لا يكون متضررا في حد ذاته ولكن الضرر يمتد ليشمل غيره أو الكل، ولذا فإنه لا ينتظر تحقيق فائدة مباشرة له. وأثبت نظام «نافخ الصافرة» فوائد عديدة في العديد من الحالات التي تم استخدامه فيها بصورة سليمة تنظر للمصلحة العامة ولخير الآخرين بل الجميع. وهو في هذا يضع أسسا سليمة كمعيار لضمان تطبيق مبادئ الحوكمة السليمة في الشركات والمؤسسات العامة.
ومع الأخذ في الاعتبار لما حدث، نوصي مؤسساتنا بالحرص التام للاستفادة من هذا المنفذ الرقابي الحضاري واستخدامه لصالح الجميع بعيدا عن الضغائن والأحقاد والمصالح الذاتية. وبتطبيق بدائل الحوكمة المتعددة نرتقي بشركاتنا ومؤسساتنا لأعلى درجات «حسن العمل». وهذا يتطلب إعداد وصياغة نظام «نافخ الصافرة» بصورة سليمة مهنية. ولنفعل ؟