عطر: الحياة حلوة

رندة صادق –
randasadekbarakat@gmail.com –

كالعادة انه يوم الأحد، اليوم الذي ابدأ به صباحي بكتابة مقالي الأسبوعي لجريدة «عُمان اليوم» ملحق «مرايا» تحضرت وجالست قهوتي واحتضنت الكومبيوتر، الفكرة جاهزة كتبتها بالأمس، وكل ما علي فعله أن أرتب الأفكار والصياغة وأصحح ما أراه من أخطاء. المطر في الخارج يشتد والبرد يسري رجفةً في أكتافي، انها متعة ان أسكب روحي على شكل كلمات تولد بلا سابق انذار، ولكن هذا الأحد ليس من أفضل الآحاد، ولا تبدو هذه السنة المقبلة علينا والتي يفصلنا يوما عن بدايتها ساعات معدودة، أن البشائر تهل بالخير علي أو تعدني بعام جديد أتفاءل بانطلاقته.
تنفست وتأملت الأسبوع بكامله، فوجدت الكثير من التفاصيل التي يمكن تصنيفها بسيئة الذكر والتي أُدرِجها في باب التعثرات التي تخفف من انطلاقة الفرح في يومياتنا، وتظهر كعقبات تشدنا نحو دوامتها السلبية، ولكن مهلا، العام بكامله عام تعثرات وأزمات انهكت دولا، وأتعبت منظمات وسياسات، حتى أن الطبيعة لم تكن عطوفة على الإنسان، لم تمهله بكوارثها أو بحروبها أو حتى بكل الموت المجاني الذي ألبس السواد والحزن لكثيرين. عام يرحل ليترك وراءه تواريخ وعناوين وحتى مسميات جديدة، هي حركة دائمة من المفاجآت وكذلك من الغموض الذي يصبح حادثا ومن الكوارث التي تصبح حدثا، أطفال وشيوخ وفتيان وفتيات، نساء ورجال، طارت أحلامهم وتبدلت أحوالهم، كل ذلك مر في بالي وما زلت مصدومة من انتهاء صلاحية جهاز الكومبيوتر.
هذا ذكرني بجدتي رحمها الله التي كانت تردد عند كل مصيبة تمر بها العائلة « ليتها أكبر المصائب» وكان كلامها مستفز لي كيف تبسط الأشياء ولا تكترث لعواقبها؟ ولكنها حكمة من خبر الحياة وقلَب الأعوام، شاكرا ربه على نعمة النجاة. نحن يا جدتي نعيش بخوف من الأفظع والأقسى والأخطر، صدقتِ أيتها الواعظة، فما يحدث لنا عثرة تافهة مقارنة بكل تلك الأحداث السوداوية التي تحملها لنا الحياة، تبدو الأمور شديدة التفاهة ولا تستحق أن نذكرها في مقال، ومع هذا أهميتها أنها فلسفة قبول لما يحدث لنا. لماذا نغضب أو نصف ما نعيشه بالحظ السيء؟ بكل بساطة الغضب لا يغير الواقع والتأفف لا يبدل السيء بالحسن.
اللوم ليس على الحياة، اللوم ليس على الحظ وليس على أي منطق يمكن أن يحلل لنا تلك الأزمات أو يعللها أو يبحث لها عن أسباب، انها ببساطة الحياة، تلك المثيرة، المدهشة، الغامضة، الحزينة، الفرحة، المجنونة العاقلة، سحرها بغموضها وبمفاجآتها، والتي لا يمكن ان نضمن مسارها أو انحناءاتها أو حتى جمودها. ربما علينا ان نحمل شعار« الحياة حلوة» رغم الفقد والموت والكوارث، وكل ما يمكن أن يبدو مصيبة أو بلاء، جميلة لأنها مليئة بالقلوب التي نحبها، وبوجوه تناغمنا معها وبذكريات وطن وحضن أمَ لا شيء يضاهي تقلباتها التي ترفع الأدرينالين، وتجعلنا على مرمى مصادفة حب أو نجاح، او حتى فشل، وهي حلوة لأنها نعمة الله علينا وفرصتنا في اختبار كل التناقضات الجميلة التي نعيشها.
مع العام الجديد فلتكن صفحة جديدة ووعد بصناعة الحياة رغم أي مرارة تواجهنا، وان نشعل الوقت بمشاعرنا ونعد بأننا فرح الحياة وقادتها.