وتر: لا تهدني قيداً

شريفة بنت علي التوبية –

اهدني أي شيء ولكن لا تهدني ساعة، فأنا لا أطيق حمل الوقت في يدي، لأنه حمل ثقيل، ولا أطيقه قيداً على معصمي، لأن مراقبة الدقائق وحساب الزمن أصعب ما يمكن فعله، ولأني من أولئك الذين تزعجهم صوت عقارب الساعة ويرهقهم الركض مع الأيام، يكفيني قيوداً ويكفيني زمناً أطارد فيها عمراً ضائعاً بالأمنيات والأحلام، وقد اكتفي من هذا العمر بيوم واحدٍ يتسع لكل المهمات المسجّلة في (النوتة الصفراء) المعلّقة بالقرب من جهاز حاسوبي وأفشل أحياناً في إنجازها، فأنا امرأة مغرمة بالفوضى ومكتبي مليء بالأوراق والكتب المبعثرة، ومع كل فوضاي يزعجني أقل صوت أثناء الكتابة، لذلك جدار مكتبي بلا ساعة معلّقة عليه، وأتعجب من أولئك الذين ما زالوا يرتدون ساعة في معصمهم، يشترونها من ماركات غالية جداً لتصبح أداة زينة وقطعة إكسسوار، لتصبح الساعات أشكالاً وألواناً وفق الموضة والماركات العالمية.
ربما كنت سأكتب عن قيد الوقت، لولا الهدية المغلّفة بأناقة والتي تلقيتها في إحدى المناسبات، وكما هي عادتي أن أفتح الهدايا أمام من يهديني، ولكن الهدية هذه المرة لم تكن سوى ساعة، وساعة ثمينة جداً، ومن أهَدى ينتظر أن أقول (ما أجملها!)، ربما كان يجب أن أقول أني أحببتها وأن أرتديها أمامه كدليل على إعجابي بالهدية الثمينة، كما أفعل دائماً كلما تلقيت هدية أعجبتني، ولكن هذه الهدية أصابتني بالصدمة والارتباك، لأنه قد أرحب وقد يفرحني أي شيء سوى أن تكون الهدية ساعة، فأنا لا أحب الساعات ولا أطيقها، وفي الوقت نفسه عليّ أن لا أحرج الواقف أمامي بهديته ومنتظراً تعبيراً على وجهي المقروء جداً، شكرت صاحب الهدية على عناء ما تكلّف وما أحضر، ولكني أخبرته بطريقة مهذبة بأني لا ألبس الساعات، لكني سأحتفظ بالهدية لأنها من شخص عزيز أعتاد عدم نسيان مناسباتي الجميلة، وعتبت في نفس الوقت أنه لم يلحظ أني لا أرتدي ساعة رغم قربه مني، فأنا لست صديقة لدقائق الوقت، فمنتهى حريتي أن أكون بلا قيد، وكل ما أرجوه أن أعيش اللحظة التي أنا فيها الآن، فلا أفكر بأمس ولا يهمني غداً، ولا يشغلني عمر مضى ولا عمر قادم، فالوقت هو عدونا اللدود حتى وأن أصبح وسيلتهم للربح وأداتنا للزينة، فما أحوجنا لأن ننسى الزمن ونحيا من أجل صباح تشرق فيه شمس ومساء نستقبل فيه قمر، حيث لا زمن يطاردنا ولا دقائق تطرق على بوابة العمر.