نوافذ: في إطار السياقين: الاجتماعي والثقافي

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

إذا تركنا في هذه المناقشة المختصرة الاقتصاد والسياسة، فإن جل المناقشات التي تثار، والتي يعول عليها تغيير المفاهيم، والتي يحتكم على أساسها أيضا مختلف الممارسات الإنسانية، في أي مكان في العالم؛ حديثه وقديمه تكون حول مفهومي الاجتماعي والثقافة؛ لأن التباينات التي تحدث، وكل منشأ الإرهاصات التي تتبلور عنها؛ بعد ذلك مختلف النتائج؛ فإنها لن تخرج عن سياق هذين المفهومين في حياة الناس، حيث يمثل السياق في إطاره الاجتماعي، أو الثقافي الركيزة المهمة التي أول ما يذهب إليها النقاش، يذهب إلى هذين السياقين في حياة البشرية كلها، ولذلك يحمل هذين من المعاني والأحكام والدلالات أيضا ما لم يحتملا، فكل إخفاقات البشر عائدة إلى أحد هذين: الاجتماعي والثقافي، وكل التغييرات التي تحدث في النسق السلوكي عائد إليهما، وكل صغيرة وكبيرة هما من يتحمل عبء أو وزر ذلك، ويعد النجاح خارج عن إطارهما، حيث يعاد فضله إلى التحرر من أحدهما أو كلاهما، وهذه في تقديري؛ كما يقال؛ «خروج عن النص»؛ لأن النجاح هو مرهون بتكون رصيد معنوي أساسه الحمولة «الاجتماعية» والحمولة «الثقافية»، وهذا ما يعيدنا دائما إلى المرجعية السلوكية التي تجمع كلا هذين المفهومين في حياة البشرية.
فالثقافة في مجملها هي حصيلة كل السلوكيات الاجتماعية لأي تجمع بشري، تتأصل ممارستها مع مرور الزمن، حتى تصبح ثقافة، وبالتالي فالأرضية الخصبة لقبول أو رفض مفهوم جديد لا بد أن يلقى القبول للتوظيف وفق ما يتحصل من أرضية خصبة لهذين المفهومين، حتى تتأصل الممارسة بعد ذلك، ويكون هناك مكون آخر يذوب مع مرور الزمن في خضمهما ليزيد من رصيد هذه الحمولة، ويعضد من بقائها وقوتها واستمرارها؛ لأنه في أحيان كثيرة عندما لا تلقى المفاهيم الجديدة في حياة الناس ذلك القبول وفق تمركز هذه المفهومين، فإنها لن تلقى الاستيعاب والهضم، وتكون ممارستها مبتورة ومشوهة، ولعلنا نلاحظ مجموعة «التقليد» التي يمارسها البعض في أي مجتمع، لأي شيء يعتبر جديدا على مجتمع ثان، حيث يقابل بكثير من الرفض، ومن الانتقاد، ومن عدم الرضا، وكما نلاحظ أيضا أن هناك شعوبا تعيش وسط شعوب أخرى، في الشرق أو في الغرب؛ تختلف اختلافا جذريا عنها في مختلف السياقات الاجتماعية، لا تستسلم لمختلف السياقات المحلية، حيث تبقى على كل مكوناتها الاجتماعية والثقافية للبلد الأم، حتى ولو ظلت سنين عديدة، سواء في الملبس، أو الاحتفالات بمناسباتها الدينية والاجتماعية، حيث تظل السمات الاجتماعية والثقافية غالبة على مختلف هذه الممارسات، وكأنها تعبر بهوياتها إلى قارات بعيدة عن مرتعها الأصل.
هناك من يرى أن الجانب الاقتصادي أو السياسي لهما دور ما في تقويض بعض المسلمات عند الشعوب، خاصة عندما تفرض القوة الغالبة شيئا من ذلك لإمعان الإذلال أو التركيع للشعوب المحتفلة؛ على سبيل المثال، ولكن مع ذلك فإنه في المقابل تظل هناك خروقات كلما سمحت الفرصة إلى ذلك سبيلا، ولن تفلح مجمل «فروضات» القوة على زعزعة قناعات أبناء المجتمع لتجاوزها، حيث تظل باقية وراسخة، وليس من اليسير استبدالها بأخرى، حتى وإن وصلت حالة الفرض إلى استخدام القوة، أو التمويه، كما قرأت عن لباس الـ«طربوش» في بعض البلدان العربية، وفق النص التالي: «… وزعموا أنه يدل على مدينة (فاس) المغربية كي يموه عن المسلمين منشأه الأصلي، ويرضي مشاعرهم الدينية بأنهم لا يستعملون بضائع الأوروبيين، وعاش الطربوش فترة الازدهار وأصبح شعارا قوميا بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى بل احتل مركز الصدارة بين أغطية الرأس وأصبح لبسه ردة فعل على بعض المحاولات بإدخال القبعة الأوروبية باعتبارها لباس المستعمرين» – وفق مصدر: https:/‏‏/‏‏www.yabeyrouth.com – تمت الزيارة يوم الاثنين 31/‏‏12/‏‏2018م، الساعة: 12 صباحا».
يبقى مفهومي: الاجتماعي والثقافي، قصة حياة لأي تجمع بشري، عاش هذه التجمع في عالم «متقدم» تتصادم فيه القيم، أو مجتمع «متخلف» تتكور فيه القيم وتتعاضد.