موازنة ٢٠١٩.. الاستدامة المالية

مع الأول من يناير ومطلع السنة الجديدة من كل عام ميلادي، يصدر أول مرسوم سلطاني بالتصديق على الميزانية العامة للدولة، وهو عرف متبع، يؤكد حرص القيادة السياسية والحكومة على أن يكون كل شيء في إطار نظام ودقة مطلوبة، لاسيما أن موضوع الميزانية يشير إلى علاقة وطيدة بالأرقام والبيانات الاقتصادية التي تنعكس على حياة المواطنين وسبل العيش الكريم المنشودة.
وهذا المعطى يعطي دلالة واضحة يجب أن يستلهمها الجميع وكل المؤسسات في أن تبدأ العام الجديد بمثل هذه الدقة المطلوبة لأجل إدارة الموارد المالية والبشرية والعمل على أن تكون كل خطوات الإنتاج منتظمة ودقيقة، وأن يؤخذ في ذلك المثل الأعلى من منهج حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه -.
وبصدور المرسوم رقم واحد لعام 2019 بالتصديق على ميزانية الدولة للسنة المالية 2019 فإننا ندخل عمليًا سنة جديدة هي امتداد للسنوات السابقة في إنفاذ السياسات الرشيدة والمتبعة على مدى عقود من النهضة الحديثة، وحيث من الجلي أن خطوات السلطنة واضحة في هذه الأمور، وما يميزها هو النهج الثابت الذي يقوم على رؤى ومرتكزات أسس لها المقام السامي وتعمل على تنفيذها الحكومة وسائر الوزارات والمؤسسات في القطاع الحكومي، وحيث ينص مرسوم الميزانية أنه «على جميع الوزارات والوحدات الحكومية تنفيذ أحكام هذا المرسوم كل في حدود اختصاصه».
وبخصوص الميزانية بشكل عام فلها مرتكزات معينة تقوم عليها ضمن الخطط الاستراتيجية للسلطنة المعروفة، وهي الخطط الخمسية؛ ونحن الآن في مرحلة الخطة التاسعة التي تكمل الرؤية 2020، ومن ثم يكون النظر الأبعد إلى الرؤية الاستراتيجية «عمان 2040». غير أنه نسبة للظروف المعلومة منذ أربع سنوات والمتعلقة بما يرتبط بوضعية الاقتصاد العالمي وأسعار النفط، فإن ثمة متغيرات كان لابد من وضعها في الاعتبار والتركيز عليها، وهو الأمر القائم في ميزانيات السنين السابقة.
ولعل أبرز ملمح في ميزانية 2019 أنها تركز بشكل عام على الاستدامة المالية المطلوبة، التي تهدف إلى إنعاش الاقتصاد الوطني عبر المشاريع التي تصب في تحقيق أهداف التنويع المنشود، بما يعمل على تحريك البيئة المالية، في إطار يولي أهمية لبناء المركز المالي؛ بما يقود إلى حالة صحية سليمة للأوضاع المالية بشكل عام وينعكس إيجابيًا على حياة المواطنين لاسيما الجوانب الاجتماعية التي تركز عليها الحكومة؛ حيث إن هذا الجانب يأتي وفق توجيهات سامية، وقد ركزت عليه اجتماعات مجلس الوزراء.
أما الملمح الثاني الذي يجب أن نتوقف عنده فهو تأكيد الاتجاه إلى الاستثمار وأن الحكومة لن تستطيع أن تتحمل وحدها الكثير في هذا الجانب وانفتاحه نحو آفاق مستقبلية ونتائج ملموسة، وهنا فإن القطاع الخاص يجب أن يتولى دورًا مهمًا في هذا الجانب، في حين تعمل الحكومة على التشجيع والتحفيز بما يخدم المصالح المشتركة والشراكة بين القطاعين في سبيل تحقيق النماء المستدام.
وهناك نقطة يجب أن توضع في الاعتبار بشكل عام، تبرز كملمح ثالث ويجب أن توضح بشكل أكثر تفصيلًا وهي موضوع «النفط»، بحيث يدرك المواطن أن المرحلة المقبلة تتطلب فعليًا الانطلاق نحو تحفيز التنويع الاقتصادي وريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والاستثمارات الجديدة في الابتكار واللوجستيات والسياحة وغيرها من القطاعات التي يتوقع لها أن تشكل بدائل استراتيجية للنفط.
فمن المعلوم أن النفط يدخل في فترة حرجة الآن على الصعيد العالمي، ومن هنا يجب التعامل بالأمر الواقعي والموضوعي بأن هذه المرحلة يجب الانتقال منها لمرحلة جديدة، فقد عمل النفط على إنجاز عقود مهمة من النهضة العمانية في بناء البنية الأساسية ونسج الحياة الحديثة في كافة المناحي، ولابد أن نضع في الاعتبار أن المستقبل يجب أن يتجه إلى البدائل المذكورة بحيث يعتمد الدخل القومي على هذه القطاعات الحديثة التي يرتجى منها.
وهنا وفي ظل السعي نحو ترسيخ الاستثمار سواء على الصعيد المحلي أو للشركات الأجنبية، فثمة خطوات مطلوبة يجري العمل عليها من قبل الجهات المختصة لإيجاد المزيد من التحديث والفاعلية لقوانين الاستثمار، بما يخدم الطموحات في هذا الإطار، وهنا يجب التركيز على بنية التحول الإلكتروني في جعل الإجراءات أكثر سهولة ويسرًا وفتح الباب لأن تصبح السلطنة بوابة للاستثمار الذي يخدم البلاد ومواطنيها، لاسيما أن التقارير الدولية تشير إلى أن السلطنة لها فاعلية وإمكانيات تهيء لها أن تقوم بدور أوسع، في سبيل أن تستفيد من موقعها الاستراتيجي في أن تصبح مركزا تجاريا عالميا.
إن ما ينبغي الإشارة إليه بشكل عام في النظرة العامة إلى المستقبل، استنادا على معطيات وملامح ميزانية 2019 بأن هذه البلاد تمتلك من الخيرات والكنوز والإمكانيات والموارد والكوادر، ما يؤهلها أن تحقق الكثير من الآمال وبناء الفرص المستقبلية الأفضل، غير أن ذلك يتطلب المزيد من الجدية في النظرة إلى الأمور والمزيد من التجريب المدروس وانتظار الثمرات، لأن الطموحات لابد أن تواجهها التحديات، ومن دروس النهضة العمانية عبر سنين طويلة يدرك الجميع ذلك.
ويجب أن نضع في الاعتبار أن طبيعة العالم اليوم تتغير، فالمجتمع العماني هو جزء من نسيج عالمي يتأثر به ويؤثر فيه على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخ.. وهنا فالتحديات تشكل مجموعة بل شبكة من الأمور التي تصب في أنماط الحياة والاستهلاك وسبل العيش وغيرها، ما يعني أن نضع ذلك في التصورات والحلول، وأن هذا التغير اليومي يجري في حياة كل إنسان ولابد أن يتفهم كل فرد ذلك بأن يصبح مشاركًا فاعلًا في العمل التنموي المستقبلي من خلال التفهم والمعرفة والسعي الإيجابي نحو الفرص الممكنة.
إننا بشكل عام في حاجة لأن نفهم الإطار العام سواء لميزانية 2019 أو الإطار المستقبلي عمومًا لإدارة الموارد المالية للدولة عبر النظر إلى مجمل التجربة، لاسيما في السنوات الثلاث الماضية التي شهدت العديد من التحديات والتي كانت كبيرة بالفعل وعملت الحكومة ما بوسعها لأجل إيجاد الحلول المتزنة، في إطار الواقع المحلي، مع الوضع في الاعتبار بأن ما يحدث هو جزء من دورة اقتصادية تمرّ على جميع الدول، وإذا كنا نحن جزءا من هذا العالم فلابد أننا سوف نتأثر بما يتحرك فيه، ولابد من التحسب لكافة الظروف.
وقد تعاملت الحكومة بالحكمة قياسًا إلى ما آلت إليه الظروف في بعض الدول، وهي تحاول كبح الأزمة والتأثر بالمحيط العالمي، حيث إن الشبكة الاقتصادية التجارية الدولية تؤثر على بعضها البعض، خاصة في إطار الاعتماد على مورد النفط في الموازنة.
ومن هنا فالأزمات الاقتصادية تؤثر على الكل ولابد أن يتأثر بها الشعب، ما يعني أن على الحكومة أن تتعامل مع الوضع بقدر الإمكان بالعمل على تقليل التأثيرات وتغطية العجز سواء عبر الاقتراض أو السحب من الاحتياطي وزيادة الإيرادات غير الحكومية وتخفيض الإنفاق، وغيرها من سبل إدارة الموارد المالية.
‏وبالفعل كانت هناك سياسات جلية ومعلنة في هذا الشأن المذكور، وقد كانت لها نتائج إيجابية، وفي الوقت نفسه حافظت الدولة على ديمومة الخدمات الأساسية كالصحة و التعليم والكهرباء والمياه، واستمرت كافة مصالح الدولة في العمل بالكفاءة المطلوبة في الموانئ والمطارات والمدارس وغيرها، دون أن يتأثر قطاع بل كانت التجربة تدفع نحو اختبار الظروف لتصبح خير معين لإنجاز ما هو أفضل في الراهن والمستقبل.
أخيرًا فإن الحديث كله يمكن أن يختصر في كلمة واحدة هي «المواطن» فكل المشروعات والبنى والصناعات والمشاريع تصب في ذلك الهدف «الإنسان»، وبالتالي فالأرقام وعبر ما تعكسه من برامج ومشروعات ملموسة تقف كاشفة لحياة ينعم فيها المواطن بالحياة الكريمة والعيش السعيد، ويتحقق ذلك بفضل ذلك التعاون بين الجميع وجهود الحكومة ومختلف قطاعات الإنتاج في سبيل رفعة عُمان والمضي في تحقيق مزيد من مكتسبات النهضة مع الحفاظ على المنجزات والاستدامة الشاملة في كافة مناحي الحياة الإنسانية.