أسعار النفط وجهود التنويع تدعم استمرار تحسن المؤشرات المالية والاقتصادية

زيادة الإيرادات غير النفطية وتعزيز بيئة الأعمال يساهم في زيادة الثقة في مستقبل الاقتصاد –

يشهد الوضع المالي والاقتصادي تحسنا ملموسا، حيث ساهمت الإجراءات التي تبنتها الحكومة طوال السنوات الماضية في التكيف مع أزمة النفط، وأشاد خبراء اقتصاديون بالإجراءات التي تمثلت بترشيد الإنفاق ورفع كفاءته، والشروع في تطبيق موازنة البرامج والأداء في بعض الجهات الحكومية، مما يساهم في السيطرة على نمو النفقات العامة وتحسين المؤشرات المالية وتراجع العجز المالي، وتوقع الخبراء استمرار تحسن المؤشرات المالية خلال 2019 بدعم من الارتفاع النسبي في أسعار النفط وجهود التنويع الاقتصادي التي تساعد على خروج سريع من الاعتماد على مصادر الدخل المتقلبة، كما أكدوا على ضرورة التركيز على دعم الإيرادات غير النفطية وتسريع التنويع وتعزيز بيئة الأعمال بما يساهم في تخفيف أعباء الموازنة، وتشجيع جذب مزيد من الاستثمارات وزيادة الثقة في مستقبل الاقتصاد ورفع التصنيف الائتماني للسلطنة.

الالتزام بخطط وبرامج النمو أهم إجراءات مواجهة تقلبات النفط

تعد الأسس الرئيسية في الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2019 هي الاستمرار في خفض عجز الميزانية واحتوائه في الحدود الآمنة، والحد من ارتفاع مستوى الدين العام، والاستمرار في ترشيد الإنفاق العام وتعزيز كفاءته، واستكمال مراحل التحول لتطبيق موازنة البرامج والأداء، التي تعتبر من بين التوجهات والإجراءات الحكومية التي تبنتها الحكومة للتكيف مع أزمة انخفاض أسعار النفط وترشيد الإنفاق ورفع كفاءته. والملاحظ في موازنة العام الجاري أنها تعتمد أساسا على الانتقال من الميزانية التقليدية إلى ميزانية تعتمد في التنفيذ على الخطة الاستراتيجية للدولة اعتمادا أساسيا، وتعتبر الموازنة العامة للدولة البرنامج المالي التنفيذي السنوي لأهداف الخطة الخمسية، ويتم إعداد تقديرات الإيرادات والنفقات وتوقعات العجز للحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي للدولة، ورفع معدل النمو الاقتصادي.
وقد تم البدء في تطبيق موازنة البرامج والأداء في العديد من الجهات الحكومية، وتعتمد على ربط النتائج والأهداف المطلوب تحقيقها بمؤشرات الأداء مما يساهم في تحقيق الكفاءة والمرونة المالية ومنهجية الحوار المالي مع الجهات الحكومية، وتحديد برامج محددة لكل وزارة يشتمل على برامج وأهداف معينة يتم تحقيقها من خلال الأنشطة، وكذلك التحقق من تنفيذ هذه البرامج من خلال مؤشرات قياس الأداء.

وينعكس تطبيق موازنة البرامج والأداء إيجابيا على أداء الموازنة، حيث يساعد هذا النوع من الموازنات على إعطاء صورة دقيقة عن حجم الإنفاق الحكومي من خلال تحديد علمي مسبق بتكلفة ما سينفذ من أعمال، وتنسيق البرامج والأنشطة الحكومية ومنع الازدواج فيها، كما يساعد هذا النوع من الموازنات على تعزيز مرونة توزيع المخصصات على المهام والأنشطة وفقًا لأهميتها النسبية بما يؤدي إلى الاستخدام الأمثل للموارد، ورفع كفاءة النظام المحاسبي وزيادة الاعتماد على بيانات تكاليف الأداء الحكومي وزيادة موثوقية التقارير المالية، وإيجاد ترابط أفضل بين الخطط قصيرة الأجل والمتوسطة الأجل وطويلة الأجل، الأمر الذي يسهم في إنشاء قاعدة بيانات موثقة وعلمية عن مجالات الأداء الحكومي الحالي والماضي، ورفع كفاءة الوحدات الحكومية في إدارة وتنفيذ البرامج والمشروعات الحكومية، وإيجاد مبررات منطقية للإنفاق بمستواه وشكله الحالي والمستقبلي.
وخلال السنوات الأخيرة واجه الاقتصاد العماني العديد من التحديات بسبب تراجع أسعار النفط، وللتكيف مع هذه التحديات تبنت السلطنة منهجية التحوط في ظل عدم اليقين، وذلك نظرًا للتقلبات في أسعار النفط، من خلال إجراء العديد من الإجراءات، والتي كان أبرزها الالتزام بخطط وبرامج النمو وفق الخطة التنمية الخمسية التاسعة والتركيز على سياسة التنويع الاقتصادي، وإعداد سيناريوهات مختلفة بدلًا عن السيناريو الواحد لتقدير تأثير التقلبات في أسعار النفط على أداء الاقتصاد الوطني، من خلال الاستغلال الأمثل للمقومات المتاحة للاقتصاد الوطني وعدم الاعتماد على مورد واحد، وهو النفط.
وخلال العام الماضي استطاع الاقتصاد العماني تحقيق العديد من النتائج الإيجابية مدفوعا بارتفاع أسعار النفط وضبط الإنفاق الحكومي ونمو الإيرادات غير النفطية، حيث دعمت أسعار النفط التي عادت إلى الصعود خلال 2018 المالية العامة للدولة، واتسعت خطط التنويع الاقتصادي في السنوات الأخيرة للتركيز على التحولات الداعمة للتنويع الاقتصادي في العديد من المجالات، أهمها التحول على المستوى الكلي والحفاظ على السلامة المالية، وإعطاء الأولوية للقطاعات الواعدة وقطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتعزيز دور القطاع الخاص وشراكته مع القطاع العام، بالإضافة إلى التركيز على أن يصبح التشغيل في القطاع الخاص من ممكنات هذا التحول، والتحول نحو استراتيجية وطنية للطاقة.
وعملت الحكومة على العديد من الإجراءات الهادفة إلى زيادة الإيرادات غير النفطية، أهمها تعديل قانون ضريبة الدخل، إضافة إلى تعديل رسوم إصدار تراخيص العمال وبعض الرسوم الخدمية للخدمات التي تقدمها شرطة عمان السلطانية، والحد من الإعفاءات الضريبية للشركات والمؤسسات ورفع كفاءة تحصيل الضرائب وتفعيل الرقابة والمتابعة. كما تم الأخذ بعين الاعتبار ضمن الخطة الخمسية التاسعة ضرورة تخفيف اعتماد السلطنة على إيرادات النفط وإحداث تغييرات هيكلية في بنية الاقتصاد وتعزيز الموارد غير النفطية.
وباتت اقتصاديات الدول العربية والعالمية المنتجة والمصدرة للنفط، والتي من بينها السلطنة، محل إعادة نظرة عامة أو هيكلة شاملة بعد الانخفاضات المستمرة للأسعار العالمية للنفط، خاصة مع استمرار التذبذب في أسعار النفط خلال الربع الأخير من عام ٢٠١٨. واستفادت السلطنة بدون شك من التوقعات السابقة حول إمكانية نضوب الاحتياطي العالمي من النفط وتحذير الدول التي تعتمد على النفط كمورد رئيسي لها بوضع استراتيجية لإيجاد بدائل للموارد النفطية وهو ما سعت إليه السلطنة مبكرا، وعملت على الاستمرار في سياسة تعزيز التنويع الاقتصادي وتشجيع الاستثمار بشقيه المحلي والخارجي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تذبذب أسعار النفط وانخفاضها يؤثر على موازنة الدولة وإنفاقها على الخدمات الحكومية، وهذا ما نلاحظه في موازنة السنوات الماضية والتي اعتمدت فيها الدولة على تطبيق سياسات الترشيد الحكومي، وتحاول الدولة دوما الاجتهاد في البحث عن آليات وبدائل تستطيع من خلالها تعظيم مساهمة موجوداتها وما يتوفر لديها من فوائض مالية لحماية الاقتصاد الوطني في المستقبل وتمويل جزء من ميزانية السلطنة من خلال عوائد الأموال المستثمرة في استثمارات طويلة الأجل في قطاعات واعدة، وأهمها قطاع تقنية المعلومات وغير ذلك من قطاعات مثل الصحة والصناعة والسياحة والزراعة، بما يضمن عوائد ربحية أعلى لكى يصبح الاقتصاد العماني قويا لا يتأثر بانخفاض أسعار النفط العالمية، بما يساهم في رسم صورة مستقبلية في التخطيط والتنمية المستدامة والشاملة على المدى الاستراتيجي الطويل.
وفي إطار التنويع تركز السلطنة أيضا على تنوع موارد الاقتصاد باستخدام الطاقة المتجددة ومن ضمنها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، حيث إن السلطنة لديها فرصة رائعة من أجل تطوير مواردها وقدراتها في مجال الطاقات المتجددة وذلك بفضل توفر عناصر منها الاعتبارات المناخية والخبرات الممتدة في هذا المجال، كما تتمتع السلطنة بواحدة من أعلى مستويات شدة السطوع الشمسي في العالم وقد اتخذت بالفعل خطوات كبيرة وهامة نحو استراتيجية تحولات الطاقة سعياً للوصول إلى هدفها بتوليد 10% من إجمالي الطاقة في عام 2025 باستخدام الموارد المتجددة، وتسعى السلطنة إلى إنشاء محطات الطاقة المتجددة، بينها طاقة الشمس والرياح، إذ إن الكلفة التشغيلية منخفضة مقارنة بمحطات الكهرباء التي تعمل بالوقود، ما سيؤدي إلى توفير المشتقات النفطية سواء للبيع أو استخدامها في إنتاج سلع أخرى، مما يخفف عبئًا عن الموازنة العامة للدولة، إضافة إلى تقليص الدعم الحكومي للطاقة الذي وصل إلى مستويات عالية جدًا تقدر بمئات الملايين من الدولارات سنويًا.
كما يتم التركيز أيضًا على توسيع مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ المشاريع، بالإضافة إلى تحسين بيئة الأعمال وزيادة الاستثمارات، وضرورة الاستغلال الأمثل للإمكانيات، ورفع كفاءة العاملين وربط الأجر بالإنتاج، بجانب وضع تقديرات مصروفات تشغيل المشاريع المتوقع انتهاؤها خلال 2019، واتخاذ إجراءات حاسمة لترشيد استخدام الكهرباء والمياه في المؤسسات العامة، مثل انتهاج استراتيجية استخدام الطاقة البديلة والطاقة الشمسية، إذ تؤكد بعض الدراسات الاقتصادية التي أجريت في مجال الاستفادة من الطاقة المتجددة بأن السلطنة تستطيع استثمار إمكانياتها الواسعة في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لاستخدامها في الكثير من المشاريع الحيوية التي تهم البنية الأساسية في البلاد، بالإضافة إلى استخدامها في زيادة إنتاجية المشاريع النفطية والغاز والصناعة والكهرباء والمياه وغيرها من المشاريع الأخرى.
وهناك أولوية كبيرة واهتمام بتوفير الدعم اللازم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والعمل على إسناد حصة من المشاريع والأعمال الحكومية إليها وتسريع صرف الدفعات المالية المستحقة لها، والاستمرار في تقديم القروض التي تقدمها الصناديق التمويلية، إضافة إلى استقرار المستوى المعيشي للمواطنين في جميع مجالات الحياة، وتعد المشاريع الصغيرة والمتوسطة أكثر قطاع اقتصادي يجب أن تركز عليه خطط التنمية ، وعدد المؤسسات في هذا القطاع يمثل اكثر من (93%) من حجم المشاريع الكلية بالسلطنة، وتتوزع مشاريع ريادة الأعمال في جميع القطاعات، وفي حال دعم هذا القطاع فان هناك فرصة قوية لدعم الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتمادية على الإيرادات النفطية، وهذا ما تركز عليه الخطة الخمسية التاسعة، وتتولى الهيئة العامة لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ريادة) مهمة النهوض بقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز دورها في تنمية الاقتصاد الوطني وذلك من خلال تقديم مجموعة متكاملة من الخدمات الفنية والتدريبية والاستشارية المختلفة التي تهدف إلى مساعدة هذه المشاريع على تجاوز التحديات، من خلال العمل على إجراء تحليلات استراتيجية وبشكل دوري للبيئة المحيطة بهذه المشاريع وتكييف استراتيجياتها، ومن الأمثلة على ذلك تطوير مبادرة الخارطة الاستثمارية والتي تعمل على تحليل الواقع الاقتصادي والاجتماعي لجميع محافظات وولايات السلطنة وتوزيع المشاريع الحالية عليها وتحديد كل من الفرص والفجوات الاستثمارية المتاحة وتزويدها لرواد الأعمال لعدم تكرار المشاريع وتحديد الحاجة الفعلية لكل منطقة.
ومن التوجهات المهمة في الوقت الحالي أيضا خصخصة بعض الشركات الحكومية، أو التي تمتلك جزءًا من رأسمالها، في خطوة تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط، حيث إن السلطنة لديها عشرات الشركات المملوكة للدولة في شتى القطاعات، بينها شركات تحقق أرباحا وأداء قويا، وأخرى قد تشكل عبئا تتحمله ميزانية الدولة نتيجة دعمها لها.
وتعتبر الخصخصة إحدى طرق الإصلاح الاقتصادي وسد العجز في الموازنات العامة، حيث تلعب هذه السياسة دورا في التغلب على بعض الأعباء المالية والإدارية التي تتحملها الموازنة العامة للدولة وتخفيف ذلك العبء لن يأتي إلا بالمشاركة الحقيقية للقطاع الخاص، كما تتمثل الخصخصة في إزالة معوقات تدفق رأس المال وزيادة الدور الذي يقوم به القطاع الخاص في خطط التنمية بحيث يستحوذ على نصيب جيد من الاستثمار، وتعمل الخصخصة على تحسين الإنتاجية لهذه المؤسسات أو الشركات، ورفع معدلات النمو الاقتصادي بها، وذلك لاتخاذ هذا القطاع الربحية والإنتاجية كأساس لتقييم الأداء، فهي لا تعزز الموازنة فحسب بل تساهم في زيادة الناتج والدخل القومي، وتجذب مزيدا من الاستثمارات الأجنبية للسلطنة، وتنعكس إيجابا على المستهلك والمستثمر.
وهنا يجب التركيز على أن الخصخصة تساعد الدولة على تقليل الاعتمادية على الإيرادات النفطية، والتي ما زالت تشكل النصيب الأكبر من العائدات وإجمالي الناتج المحلي، كما أنها تعتبر وسيلة لتنفيذ أهداف الخطة الخمسية التاسعة وخصوصا فيما يتعلق بتنويع الاقتصاد؛ وتعزيز الكفاءة الاقتصادية، وتخفيف الأعباء المالية المخصصة للمشروعات العامة؛ للوصول إلى ضوابط مالية جديدة واستقرار اقتصادي، عبر حالة من الاستثمار الجديد تعتمد على توسيع قاعدة الملكية، كما تركز الخطة الخمسية على أهمية تطبيق افضل البرامج المرتبطة بالخصخصة لتوسيع دور القطاع الخاص في المشهد الاقتصادي لتنويع مصادر النمو خاصة أن خطط التمويل المخطط لها في مشروعات برنامج التنوع الاقتصادي (تنفيذ) تعتمد على مساهمة الاستثمارات وتمويل القطاع الخاص. ولا ننسى أن هناك نماذج ناجحة لبرامج الخصخصة كالخصخصة لجزء من الشركة العمانية للاتصالات في السوق المحلي حيث تحقق الشركة ربحية عالية تساهم في دعم الموازنة العامة للدولة، ولتحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي، يجب علينا توسيع نطاق مشاركة القطاع الخاص، والاستمرار في تنويع القاعدة الاقتصادية ومصادر الدخل القومي، والتركيز على القطاعات الحيوية وبشكل خاص قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والوصول إلى مزيد من الربط ما بين الاقتصاد العُماني والعالمي، ورفع مستوى مهارات القوى العاملة العُمانية، وتطوير الموارد البشرية.

التحفظ في تقدير سعر النفط يساعد على ضبط الإنفاق

د. يوسف بن حمد البلوشي/ خبير اقتصادي بمكتب الرؤية المستقبلية 2040 –

لا شك أن إعلان الموازنة العامة للدولة هو حدث مهم يترقبه جميع المهتمين بالشأن المالي والاقتصادي للسلطنة، وتجدر الإشادة بالدور الكبير للقائمين على إعداد الموازنة العامة للدولة والتي تمثل وقود التنمية في البلاد خاصة في ضوء التحديات الحالية والمستقبلية سواء تلك المرتبطة بالتغيرات في قطاع الطاقة -ومن بينها الطلب على النفط وأسعاره وكذلك ظهور مصادر الطاقة المتجددة- أو التغيرات الديموغرافية المرتبطة بزيادة عدد السكان والباحثين عن فرص العمل بالإضافة إلى زيادة الطلب على خدمات التعليم والصحة، ويتمثل التحدي في تحقيق الاستدامة المالية، أي استمرار قدرة الدولة على القيام بالتزاماتها المالية اليوم وغدا وتكلفة ذلك على الأجيال القادمة.
ويعد إعلان الموازنة بمثابة إعلان للسياسة المالية للسلطنة والتي يجب الأخذ في الاعتبار أنها لا يمكن أن تنجح وتعمل في معزل عن باقي السياسات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والصناعية، مما يؤكد ضرورة التناغم بين هذه السياسات لتحقيق المستهدف من التنمية الاقتصادية في السلطنة، وفي هذا السياق من المهم الإشارة أيضا إلى أن أحد التوجهات الاستراتيجية لرؤية عمان 2040، هو تمكين إدارة اقتصادية موحدة تعمل في إطار مؤسسي واضح، تسهل الإجراءات وتضع الخطط وتنفذها، وتراجع التشريعات الحالية لضمان تكاملها، وتقترح التشريعات المطلوبة لتحقيق الأهداف التنموية.
وبالنظر إلى بعض بنود الموازنة نجد أنها ما زالت تواجه التحديات السابقة نفسها، على سبيل المثال لا تزال الإيرادات الهيدروكربونية هي المصدر الرئيسي للإيرادات العامة في حين الإيرادات الأخرى وخاصة تلك المرتبطة بعائدات الشركات الحكومية وشبه الحكومية المعول عليها الكثير دون مستوى الطموح. وكذلك لا يزال بند الرواتب والمخصصات أكبر بنود الموازنة، ويشكل ثقلا كبيرا يرهق الموازنة، ويأتي على حساب الصرف على مشاريع إنتاجية. ولا يخفى أن زيادة نسبة الدين العام تنذر بصعوبة مواصلة تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنقدي، ما لم يتم التكيف والتحول إلى نموذج جديد للنمو والتنمية المستدامة يكون لقاطرات النمو المختلفة ولأفراد المجتمع والقطاع الخاص (مؤسسات الأعمال) دور مؤثر فيه.
كما أن المصروفات الحكومية على مشاريع البنية الأساسية التي تحتل الصدارة في بنود الإنفاق العام ينبغي أن يوازيها مصروفات تخصص لإعداد حقيقي للكوادر البشرية القادرة على إدارة المشاريع العملاقة بكفاءة عالية لتحقيق العوائد المرجوة منها، كما تظل الحلقة المفقودة هي ربط النمو الاقتصادي المحقق بدور فاعل للقطاع الخاص. ولا يخفى أن الموازنة العامة للدولة كغيرها من الأدوات مطالبه بتحول جذري سواء في جوانب البنود التقليدية أو المضمون للمساعدة في التحول من نموذج النمو الذي فرضته الوفرة النفطية والذي كرس مفاهيم الريعية والاستهلاك والاتكالية إلى نموذج يؤمن بالعمل والإنتاج في جميع القطاعات، وتقتضي النظر في عدة جوانب منها إعادة صياغة دور الحكومة والتركيز على توفير بيئة الأعمال المناسبة من أطر وتشريعات وإفساح المجال للقطاع الخاص بحيث يعمل على توفير فرص عمل مجزية للمواطنين، ويمكِّن من تنويع مصادر الدخل وبناء قطاع إنتاجي قوي وتنافسي، وتحقيق التوازن الاقتصادي والمتمثل في دورة الأنشطة التجارية المحلية والمعتمدة بدرجة ملحوظة على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي من السلع والخدمات، وتحقيق التوازن المالي عن طريق تنويع مصادر الإيرادات، بحيث يتم تخفيض نسبة مساهمة الإيرادات النفطية بشكل تدريجي في الموازنة العامة للدولة فضلا عن تكثيف ارتباط السلطنة مع الاقتصاد العالمي من خلال تعزيز دور الاستثمار الأجنبي المباشر والتصدير والتكنولوجيا، والاستفادة من الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية المتوفرة والعلاقات والاتفاقيات الدولية المتميزة.
ولتحقيق ذلك يجب على الحكومة توضيح التحديات المالية والاقتصادية بشكل أكثر شفافية، ويجب أن يترافق ذلك مع إعادة صياغة بعض المفاهيم والأدوار مثل الاستدامة المالية وتغيير دور الموازنة العامة من أداه لتوزيع الثروة إلى أداة لتوزيع الدخل وما يترتب على ذلك من تغيير لمنظومة الحقوق والواجبات لكل طرف من الأطراف. ومن المؤكد أن التعامل مع التحديات المالية والاقتصادية في السلطنة يتطلب تكاتف الجميع، ومعرفة حقيقة جذور هذه التحديات وتشابكاتها، وأهمية التعامل معها بشفافية ومهنية عالية.
في إطار مواجهة التحديات، فإن أحد أهم أدوات تحقيق هدف الاستدامة المالية، وتحفيز النشاط الاقتصادي في الوقت نفسه، هو إدماج القطاع الخاص، بشقيه المحلي والأجنبي، في شراكات حقيقية مع القطاع العام في تنفيذ المشاريع الإنتاجية والتنموية الكبرى وإعادة تمويل مشاريع البنية الأساسية والمشاريع الاستثمارية بهدف تحفيز نمو الناتج المحلي، وتأمين نموه المستدام، كما أن هذه الشراكة تساهم في تخفيف أعباء الإنفاق الاستثماري الحكومي، الذي قد يؤدي إلى استمرار تراكم الدين العام، وبالتالي تبرز الحاجة إلى إنجاز قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ليكون المظلة الرسمية لتأطير العلاقة الجديدة بين القطاعين، ويعد المجال واسعا لمشاريع الشراكة مثل الطاقة المتجددة، والتعدين والمشاريع الزراعية، وكذلك المشاريع المتوسطة وصغيرة الحجم في مختلف الأنشطة الاقتصادية.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن استثمارات القطاع الخاص قد حققت نموًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة لتصل إلى نحو 22.0% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2017، ولا شك أن هذا الحجم من الاستثمارات يساهم مساهمة مؤثرة في معدلات النمو الاقتصادي، ويأتي انعكاسا لجهود تشجيع الشراكة الاستثمارية بين القطاعين العام والخاص. كما تساهم استثمارات القطاع العام في استحداث فرص العمل في السلطنة، والتي، وللأسف، تميل كفتها حاليا لصالح العمالة الوافدة. وحتى تتمكن القوى العاملة المحلية، من الحصول على حصة أكبر من فرص العمل المستحدثة في الاقتصاد، فإن القطاع الخاص مدعو لتنويع قاعدة الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية الحديثة، والاستثمار في قطاعات الصناعات المتخصصة والتكنولوجيا الحديثة، القادرة على استيعاب القوى العاملة المحلية الماهرة.
ويؤكد تسارع عمليات الخصخصة في الآونة الأخيرة مرة أخرى على نهج توسيع مشاركة القطاع الخاص، ليكون قادرًا على قيادة قاطرات النمو من القطاعات الاقتصادية. ويمكن لعمليات الخصخصة أن تساهم في رفع إنتاجية وكفاءة القطاعات المختلفة نتيجة اشتداد المنافسة مع دخول القطاع الخاص المحلي والدولي. وتهدف عمليات الخصخصة إلى تحسين الإنتاجية والقدرة التنافسية للاقتصاد، كما تساهم في تحفيز المدخرات المحلية، وجذب الاستثمارات.
ومن جانب آخر، فإن من شأن عمليات الخصخصة أن تساهم في استقرار معدلات الدين العام، وتعميق سوق رأس المال المحلي وتسهيل نقل المعرفة والتكنولوجيا وأساليب الإدارة الحديثة والتي ستكون لها انعكاسات إيجابية على مختلف القطاعات الاقتصادية.
ومع الاستعداد لعام مالي جديد في السلطنة، فإن مؤشرات الوضع الحالي تشير إلى أن الإجراءات التي تبنتها الحكومة للتكيف مع أزمة النفط والتي تمثلت بترشيد الإنفاق ورفع كفاءته، والشروع في تطبيق موازنة البرامج والأداء في بعض الجهات الحكومية، ساهمت في السيطرة على نمو النفقات العامة، الأمر الذي أدى إلى تحسن المؤشرات المالية وانحسار العجز المالي، ويعد ذلك تخطيا للسنوات الصعبة التي صاحبت تراجع النفط، وتفادي مثل هذه التداعيات مستقبلا يتطلب سياسات مختلفة، فحين بدأت التداعيات المالية التي نتجت عن التراجع الكبير في أسعار النفط كانت هناك خيارات محدودة للمواجهة، ويعود ذلك إلى نهج السياسة المالية الذي ظل ماثلا لفترة طويلة، والمتمثل باتباع سياسة مالية مصاحبة لاتجاه الدورة الاقتصادية، ففي أوقات النمو الاقتصادي المرتفع. وعلى الرغم من إدراكنا لحقيقة أن التوسع في الإنفاق قد ساهم في تحسين خدمات البنية الأساسية وخدمات الرعاية الاجتماعية خلال مسيرة التنمية، فقد كان الإنفاق العام يرتفع بنفس الوتيرة أو أكثر، ويتراجع أثناء فترات انخفاض معدلات النمو الاقتصادي. إن اتباع سياسة مالية معاكسة لاتجاه الدورة الاقتصادية، كان من الممكن لها أن تراكم حيزا ماليا مناسبا، ليتم استخدامه في تحفيز الأنشطة الاقتصادية في أوقات التباطؤ أو الانكماش الاقتصادي كبديل عن اللجوء إلى الاقتراض لتمويل تنفيذ المشاريع والأنشطة التنموية. وتكاد تكون نسب الدين العام المرتفعة مقارنة بسنوات قريبة خلت، خير دليل على ضرورة التنبه لمخاطر عدم استقرار أسعار النفط، ووضع السياسات طويلة الأمد، لتخفيف آثارها.
ورغم التحسن الحالي في الأوضاع المالية والاقتصادية، يظل هناك الكثير من العمل في الفترة المقبلة للوصول إلى تحقيق الاستدامة المالية، واحد الضرورات الملحة هو زيادة حجم الإيرادات غير النفطية والتي لم تسجل نموا يؤهلها لتكون قادرة على تعويض الانخفاض في الإيرادات النفطية. وعليه، لا تزال الإيرادات غير النفطية تشكل دعما متواضعا لتقليص الاعتماد على العائدات النفطية، وتشير هذه المعطيات إلى ضرورة تكاثف الجهود في مجال تنويع مصادر الإيرادات، وعلى رأسها الإيرادات غير النفطية والتي تشمل الضرائب والرسوم على وجه الخصوص. وعلى الرغم من حساسية هذا الموضوع، إلا أنه يجب أن يتم النظر إليه كأحد الإصلاحات الضرورية لتحقيق الاستدامة المالية وضمان استمرار عجلة النمو الاقتصادي للأجيال الحالية والقادمة، كما يتطلب الأمر دعم قطاع الأعمال لسياسة الدولة الرامية إلى تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية والتي تؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد المحلي عند هبوط الأسعار والتي تنعكس آثارها السلبية على قطاع الأعمال والشركات، نظرا لارتباط نموها بحجم الإنفاق العام. وتشير البيانات إلى تراجع متسارع في معدلات النمو الاقتصادي بالتزامن مع تراجع الإيرادات النفطية وحجم الإنفاق العام.
وهنا يتطلب الأمر التأكيد على أن الدعوة لتنويع قاعدة الإيرادات الحكومية، تأتي لمواجهة مخاطر التقلبات المستمرة في أسعار النفط والتي تؤثر بشكل كبير على التخطيط المالي متوسط المدى. واستجابة لهذه المخاطر، اتخذت وزارة المالية العديد من الإجراءات والتدابير الهادفة إلى ضبط موازنات الوحدات الحكومية، وعدم التوسع فيها، وترشيد النفقات، وتحديد الأولويات ضمن الموارد المالية المتاحة. إضافة إلى استمرار التوسع في تطبيق الموازنات الموجهة بالنتائج، وتحسين كفاءة الإنفاق مع مراعاة الاستمرار في جودة الخدمات الاجتماعية المقدمة للمواطنين. وتهدف هذه الإجراءات إلى ضبط عجز الموازنة العامة، والسيطرة على مستويات الدين العام ضمن الحدود الآمنة.
إضافة إلى ذلك، يجب التأكيد على التناغم بين السياسة المالية، من جهة، والسياسة النقدية من جهة أخرى، بحيث توظف السياسة النقدية أهم أدواتها الرئيسية والمتمثلة بسعر الفائدة في خفض كلفة الاقتراض، وتوفير السيولة لتحفيز النشاط الاقتصادي، في تلك الأوقات التي تأخذ السياسة المالية طابعا انكماشيا.
كما أن هناك حاجة لتحسين آليات جمع الضرائب ورفع كفاءة وقدرات هذا الجهاز والاستفادة من الأساليب العلمية الحديثة وتوسيع الوعاء الضريبي بزيادة عدد المنضمين إلى دفع الضرائب وليس بزيادة الضغط على الشركات. فالإطار المالي هو جملة السياسات والتشريعات والتدابير المتعلقة بتوظيف الإنفاق الحكومي والضرائب لتوجيه الأنشطة الاقتصادية في البلاد. أما المالية العامة فهي جملة السياسات والتشريعات والتدابير المتعلقة بتعزيز الدخل القومي وتمويل أنشطة الحكومة.
ويمكن للتحفظ في تحديد سعر النفط المقدر في الموازنة وبالتالي مستويات الإيرادات الحكومية، أن ينعكس إيجابيا على أداء الموازنة العامة، من خلال ضبط الإنفاق العام بحسب الإيرادات المقدرة، وتمثل هذه السياسة أحد الأدوات الاحترازية للتحوط من تقلبات أسعار النفط والطاقة. وعلى الرغم أهمية هذه التدابير والإجراءات الفنية، يجب أن يرافقها بعض السياسات والإجراءات الهادفة إلى توسيع مشاركة القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار، والعمل على جذب الاستثمار الأجنبي من أجل ضمان استدامة النمو الاقتصادي اللازم لدفع عجلة التنمية.
وعلى جانب السياسات، من المهم الإسراع في إصدار قانون الشراكة وضع التشريعات اللازمة للسير قدما في مشاريع الطاقة المتجددة، وهو ما يعتبر أمرًا حيويًا لضمان الاستدامة المالية طويلة الأجل، في ضوء الاعتماد حاليا بشكل كامل على الغاز في توليد الطاقة الكهربائية، حيث يمكن أن يتم توجيه عائدات الغاز التي تستخدم حاليا في توليد الطاقة الكهربائية، إلى سداد الدين العام، أو للمشاريع التنموية العملاقة التي ستضمن معدلات نمو مرتفعة على المدى الطويل.

تسارع التنويع يساعد في خروج سريع من الاعتماد على مصادر الدخل المتقلبة

لؤي بطاينة / الرئيس التنفيذي لشركة أوبار كابيتال

تحتل الجهود الحالية لتسريع المشاريع والمبادرات والخطط الاستراتيجية للتنويع الاقتصادي أهمية كبيرة فهي تساعد على الخروج سريعا من الاعتماد على مصادر دخل محددة ومتقلبة، وبالتالي استقرار الإيرادات وقدرة أفضل على التخطيط المالي والاقتصادي متوسط الأجل وخفض عجز الموازنة من خلال زيادة مشاركة القطاع الخاص في دعم الناتج المحلي الإجمالي، وتعطي الخطة الخمسية التاسعة أولوية مطلقة لتسريع جهود التنويع الاقتصادي، وبالتزامن مع الخطة جاءت مخرجات برنامج «تنفيذ» في توقيت ملائم يقدم دعمًا كبيرًا لتنفيذ الخطط والأهداف المدرجة في الخطة الخمسية، وهو ما ينبغي استغلاله بشكل أكبر والعمل على تنفيذ توصياته وبالسرعة الممكنة على أساس أن تلك التوصيات جاءت من رحم القطاع الخاص وبعد الاتفاق عليها مع الجهات والمؤسسات الحكومية ذات الصلة.
وبينما يساعد تطوير القطاعات المستهدفة والموزعة جغرافيا على رفع معدلات التنمية في مختلف المناطق وزيادة تنافسية الدولة على المستوى العالمي بسبب ازدياد الصناعات والخدمات القادرة على المنافسة، وصولا إلى زيادة التوظيف في القطاعات المستهدفة بعملية التنويع الاقتصادي، فإنه من جانب آخر تتزامن جهود التنويع الحالية مع بوادر جيدة لزيادة الاعتماد على الاقتصاد المبني على المعرفة، وسوف يؤدي هذا التوجه والمُعتمد على الاقتصاد المعرفي في الاقتصاد من قيامه على إنتاج السلع والخدمات المبنية على المادة والسلع والخدمات المبنية على المعرفة، وأيضا إلى التغير أيضا في عمليات الإنتاج والتسويق، إذ إن السلعة المعرفية تنتج مرة واحدة وتباع ملايين المرات بعكس السلع المادية التي يجب أن تنتج كل مرة، وهذا التغير يجعل أرباح الدول التي تنتج المعرفة أرباحا خيالية (مثال شركات البرمجيات الأمريكية)، وهذا ما بدأنا نراه من خلال دعم فرص ريادة وحاضنات الأعمال في العديد من مناطق السلطنة.
وبالنظر إلى المشهد الاقتصادي الحالي نرى العديد من التطورات المهمة التي تتعلق بتحسين بيئة الأعمال ورفع التنافسية الاقتصادية، وخلال الفترة الماضية أثبت تطبيق برنامج النافذة الواحدة لخدمات المستثمرين في عدة قطاعات فعاليته وبالتالي يجب تعميم التجربة، وهناك المزيد من الإجراءات الممكنة التي قد تسهم في جذب الاستثمارات من الخارج مثل إزالة الضرائب أو تقليلها على الاستثمارات الأجنبية والأرباح المتحصلة منها، وزيادة مساحة التملك للاستثمارات الأجنبية ومرونة أكبر في نظام تأشيرات الإقامة وجذب المهارات المطلوبة، والاستمرار في توسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإفساح المجال أمام مشاركة القطاع الخاص واجتذاب الاستثمارات الأجنبية لتوفير رؤوس أموال للمشاريع الاستراتيجية.
ورغم احتلال السلطنة مرتبة متقدمة بين الدول العربية في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال الصادر من البنك الدولي (المركز الثالث) إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لبذل مزيد من الجهد لتحسين الترتيب العالمي (المركز الثامن والسبعون) من بين 190 دولة في المؤشر خاصة في ظل تسارع دول المنطقة لتحسين تنافسية اقتصاداتهم، وأصبح من الضروري تسريع تعزيز بيئة ممارسة الأعمال الأجنبية لتشجيع جذب مزيد من الاستثمارات، وزيادة الثقة في مستقبل الاقتصاد وقوته الائتمانية واعتماد سياسات فاعلة للتنمية المتوازنة والمستدامة، ومتابعة العمل مع القطاع الخاص على بناء اقتصاد عصري يكون محوره الأساسي التشجيع على وجود قطاعات إنتاجية قادرة على التكيّف مع المتغيرات التكنولوجية والاقتصادية العالمية، وتكون قادرة على المنافسة المتكافئة.

فوائد عديدة للتخصيص

وفي إطار زيادة دور القطاع الخاص تعمل السياسات الحالية على إشراك جميع القطاعات الاقتصادية في عملية النهوض والنمو الاقتصادي، وأعلنت الحكومة سعيها للاستمرار في برنامج تخصيص عدة أصول تابعة لها منها شركات عاملة في قطاع الكهرباء وقطاع النفط. ومن فوائد التخصيص استثمار حصيلة التخصيص والاكتتابات في مشاريع تنموية وتأسيس شركات جديدة، وتحقيق شراكة مع القطاع الخاص في إدارة هذه الشركات مما يرفع من كفاءتها، وتنشيط التداولات في السوق المالي وتعميق السوق مع طرح شركات ذات رؤوس أموال كبيرة, وتحقيق التنمية الاقتصادية بما يرتبط بها من أهداف اجتماعية وتخفيف عبء التوظيف من عاتق الدولة.
وهناك العديد من الجهود التي ينبغي أن تتم لتحفيز الشباب على الالتحاق بالقطاع الخاص، منها السعي نحو بلورة ثقافة مجتمعية لدى أوساط المواطنين بأهمية العمل في القطاع الخاص الذي يعتبر الخيار الأمثل والاستراتيجي لتوظيف المواطنين والمواطنات خصوصا في ظل وجود امتيازات جاذبة توفرها العديد من القطاعات الاقتصادية.
وعلى الوزارات والمؤسسات الحكومية المُساعدة بتقديم برامج وخدمات مبتكرة للشباب الباحثين عن عمل وتعتمد على دراسات وإحصائيات وأرقام من شأنها تنمية وتعزيز الوعي المجتمعي بِمُتطلبات التوظيف في القطاع الخاص واحتياجاته من الوظائف حاليا ومستقبلا وذلك في إطار حزمة السياسات والبرامج التي تطبقها الوزارات في إطار خطتها ورؤيتها الاستراتيجية الرامية إلى أن يكون سوق العمل ممكنا للمواطنين جاذبا للكفاءات، ويجب العمل على تطوير واستدامة الشراكة الاستراتيجية مع القطاعين الحكومي والخاص بما في ذلك مؤسسات التعليم مما يجسد مبدأ تكامل الأدوار والاضطلاع بالمسؤوليات المجتمعية من قبل جميع الجهات ذات العلاقة وبالشكل الذي يحقق الأثر المطلوب من حيث تشجيع المواطنين والمواطنات على الالتحاق بالعمل لدى القطاع الخاص.
وعند الحديث عن آفاق التوظيف ودعم التنويع هناك دور مهم يمكن ان تقوم به مشاريع ريادة الأعمال وهو ما يتطلب الارتقاء بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة خاصة ذات التوجه نحو الابتكار بحيث تتمكن من توليد فرص العمل وزيادة الصادرات غير النفطية، ويجب التأكيد على دور الصناعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها العامل الأكثر فعالية في تحريك القوى العاملة شبه الماهرة وغير الماهرة باتجاه عملية التصنيع والإنتاج، وهو ما يأتي تزامنا مع الاهتمام الذي يعطى عادة إلى مسألتي توفير فرص العمل للأفراد الذين يتسمون بمهارة عالية نسبيا وتوسيع نطاق التنمية الصناعية والزراعية في الاقتصاد ليشمل كافة المجالات، وسيتبع ذلك الكثير من التساؤلات بشأن كل من وضع الحدود الدقيقة للصناعات الصغيرة والمتوسطة لتميزها عن الصناعات الكبيرة وعلاقة حجم المؤسسة بالكثافة النسبية للعنصر الإنتاجي من جانب وبكفاءة استخدام المدخلات من جانب آخر، وكل هذا يقدم قاعدة بيانات متكاملة عن الصناعات الصغيرة التي تمثل أهمية كبيرة وبالأخص في مجال التنمية، وتكمن أهمية إقامة مثل هذه المشاريع في أنها تشكل نواة للمشروعات الكبيرة, وتوفر فرص عمل متنوعة وبتكاليف رأسمالية منخفضة، وهي عامل مهم لتنمية المناطق البعيدة عن المدن ، وتقليل الهجرة إلى المدن (الحضر)، بل إن المشاريع الصغيرة والمتوسطة إذا نجحت قد تساهم في تحقيق الهجرة العكسية، وهي تستخدم الموارد المحلية بدرجة كبيرة، وتتميز بالمرونة في مواجهة التقلبات الاقتصادية، وتدعم سياسات الاكتفاء الذاتي على الأقل في بعض السلع والخدمات والتقليل من الاستيراد وتحسين الصادرات والمساهمة الفعلية في دعم الناتج القومي.

تحسن المؤشرات المالية

على الجانب المالي، يتواصل التحسن في المؤشرات الخاصة بحجم الإيرادات والعجز المقدر والميزان التجاري ونمو الناتج المحلي وغير ذلك، وإذا ما نظرنا إلى أداء المالية العامة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي لوجدنا أن إيرادات النفط والغاز قد بلغت حوالي 91% من إجمالي إيرادات النفط والغاز المقدرة لعام 2018 وذلك بفضل بقاء أسعار النفط عند مستويات أعلى من المقدرة بنسبة 42% (سعر النفط المقدر في موازنة العام الحالي 50 دولارا/‏‏البرميل). وبلغت الإيرادات من غير النفط والغاز 1.6 مليار ريال أي بنسبة 59% من المقدرة لكافة العام.
هذا يعني أننا نتوقع أن تتحقق أرقام أفضل من المقدر لها للسنة المالية الجديدة 2019، لكن مع ضرورة التركيز على دعم الإيرادات غير النفطية. وفيما يتعلق بالإنفاق، فقد بلغ إجمالي الإنفاق للأشهر التسعة الأولى من العام الحالي 9.1 مليار ريال أي بنسبة 72.7% من إجمالي الإنفاق المقدر لعام 2018. وشكلت المصروفات الاستثمارية نسبة 21% من إجمالي الإنفاق وهو ما يتماشى مع المستويات التاريخية لها. بناء على ما سبق، بلغ العجز المالي 1.9 مليار دولار، وهو 64% من العجز المتوقع للعام. وقد لجأت الحكومة إلى التمويل الخارجي (بشكل أكبر) والداخلي لسد العجز ولم يتم التمويل من الاحتياطات (حسب توقعاتنا). وطبقا لذات البيانات فقد بلغت تكلفة الفوائد على القروض 375 مليون ريال بنسبة 78% من إجمالي الفوائد المقدرة لعام 2018 وشكلت نسبة 4% من إجمالي الإنفاق الفعلي لذات الفترة. والأرقام المُتاحة تُظهر بأن نسبة العجز المالي للنصف الأول من العام الحالي (2018) قد بلغت 9.6% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي للفترة ذاتها. وبلغ إجمالي قيمة إصدارات الحكومة العمانية من سندات التنمية الحكومية للعام الحالي 500 مليون ريال وبآجال مختلفة تراوحت بين خمسة وسبعة وعشر سنوات. وبشكل عام كان التجاوب قوي من قبل البنوك وصناديق التقاعد وكبار المُستثمرين وتم تغطية تلك الإصدارات بمتوسط 1.45 مرة مقارنة مع حجم الطرح. وبلغ متوسط العائد المقبول 5.3%.
وسجل الميزان التجاري فائضا خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي بمبلغ 3.5 مليار ر.ع. مقارنة مع 1.6 مليار ريال في نفس الفترة من عام 2017، أي بارتفاع نسبته 116%. النمو القوي جاء بسبب ارتفاع الصادرات السلعية بنسبة 32% مقارنة مع 7% للواردات السلعية المسجلة. وقد دعم هذا الارتفاع جميع فئات الصادرات خاصة النفط والغاز بسبب تحسن أسعار بيع النفط. وارتفعت كل من صادرات النفط والغاز والصادرات غير النفطية وإعادة التصدير بنسبة 38.5% و30.3% و 5.8% على التوالي بمبلغ إجمالي 2.25 مليار ريال، كما أظهرت البيانات الحديثة الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن الناتج الإجمالي بالأسعار الجارية للنصف الأول من العام الحالي قد سجل نموا بنسبة 15.1% وبدعم قوي من تحسُن الأنشطة النفطية على إثر ارتفاع متوسط سعر برميل النفط (ارتفع بنسبة 23.4% خلال ذات الفترة إلى 64 دولارا للبرميل) وزيادة إنتاج الغاز (دخول حقل خزان للعمليات التجارية). وقد سجلت مُساهمة الأنشطة النفطية في الناتج الإجمالي بالأسعار الجارية ما نسبته 36.9% مُقارنة مع 31% لذات الفترة من عام 2017. كذلك وجد النتائج المحلي دعما من نمو الأنشطة الخدمية بنسبة 5.1% إلى 9.8 مليار ريال. وطبقا للبيانات المتاحة، تم إسناد مناقصات بمبلغ 221.4 مليون ريال خلال عام 2018، بنسبة 6.5% أقل على أساس سنوي مقارنة مع عام 2017 وكان معظم هذه المناقصات من نصيب وزارة الصحة.