رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الدولة لـ عمان: رفع كفاءة الإنفاق يتطلب مراجعة شاملة ودقيقة للأنظمة واللوائح المالية

أكد المكرم الشيخ محمد بن عبدالله الحارثي رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الدولة أن رفع كفاءة الإنفاق العام وزيادة فعالية إدارة الموارد يتطلب إجراء مراجعة شاملة ودقيقة للأنظمة واللوائح المالية للتحول من التركيز على سلامة الإجراءات إلى مفهوم فاعلية الصرف وارتباطه بتحقيق أهداف محددة يمكن قياس فاعليتها بما يحفظ استدامة الموارد والأصول والموجودات.
وأشاد بالجهود التي تبذلها وزارة المالية، مشيرا إلى أن مشروع الموازنة العامة للدولة يضمن تحقيق أهداف مهمة في هذا الإطار، من خلال مؤشرات أداء البرامج والمشروعات التي تسعى الوزارة إلى تحقيقها من خلال موازنة البرامج والأداء المعنية لرفع كفاءة الإنفاق.

وقال في حوار لـ«عمان»: إن استخدام عائدات النفط في تمويل استثمارات متنوعة لإحداث دفعة قوية في التنمية الصناعية يحافظ على الاستقرار الاقتصادي، وقد بذلت السلطنة جهودًا لتطوير مقومات البنية الأساسية في القطاع اللوجستي، والشحن، والنقل، والمناطق الحرة بأنواعها المختلفة وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى نمو قطاعات الإنتاج والتصنيع المختلفة، وبناء على ذلك ينبغي الاستفادة من هذه البنية الأساسية، وتوجيه حصة مقدرة من الموارد إلى القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية، وأن يرافق ذلك إعادة تأهيل القوى البشرية بالتركيز على التأهيل التقني، للاستفادة من نمو الباحثين عن عمل وإعادة تنظيم مسارات التعليم العام والجامعي، لتوائم متطلبات الثورة الصناعية الرابعة ووظائفها المحتملة، وتعزيز مقدراتنا في الاستثمارات المشتركة، بحيث تكون استثمارات حقيقية إنتاجية في القطاعات الواعدة وفقا لخطط التنمية.
ولفت إلى إنه جارٍ العمل من قبل الحكومة على إعداد قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كما أن هنالك جهودا مقدرة في إطار تحسين مؤشرات التنافسية وسهولة ممارسة الأعمال. ومشروع الموازنة العامة للدولة يتضمن أهدافا تتعلق بتوسيع مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ وإدارة بعض المشروعات والمرافق والأعمال، وما تسعى إليه الحكومة بإسناد عدد من الخدمات والأعمال إلى القطاع الخاص هو أمر جيد ومطلوب، والتي سيؤدي استكمال إسنادها إلى خفض المصروفات الحكومية الجارية.
وأوضح أن تفعيل خيار تنويع مصادر الدخل يستلزم التغلب على التحديات التي تعيـــق تحقيق التنوع وتعزيز هيكل الصادرات العمانية ليتسق مع التجارة العالمية، وتهيئة فرص النجاح، والابتكار فـــي وضـــع المســـتهدفات، وسن السياسات الملائمة، وترجمـــة المبـــادرات إلى برامج تنفيذيـــة تفصيلية، وإعداد دراسات الجدوى الاقتصادية الأولية، ورفـــع كفـــاءة الإنفاق والعمـــل المشـــترك بين القطاعين الخاص والعام نحو تحقيق الأهداف الوطنية للتنويع الاقتصادي.. إليكم تفاصيل الحوار..

■ واجه الاقتصاد الوطني العديد من التحديات خلال الأعوام التي شهدت تراجعا كبيرا في أسعار النفط.. كيف ترون كانت استجابته لهذه التحديات؟

  • بالرغم من المحاولات الجادة لتنويع الاقتصاد عن طريق البرنامج الوطني للتنويع الاقتصادي «تنفيذ»، ومحاولات التركيز على زيادة حصة الإيرادات غير النفطية إلا أنه النفط ما زال المؤثر الرئيسي على الأداء الاقتصادي، كما أن السائد أنه عندما يتعلق بتراجع أسعار النفط، يتم التركيز بشكل كبير على الآثار المترتبة على المدى القصير، مثل العجز بالموازنة العامة للدولة، أو تأثر الاحتياطيات من النقد الأجنبي، أو اللجوء إلى الاقتراض من الخارج، ولكن التناول الذي ينبغي التركيز عليه هو إلى أي مدى سنظل نتعامل مع طفرات أسعار النفط، أو تدنيها، بالمنهجية نفسها، دون الاستفادة من التحديات المتكررة التي تواجه الاقتصاد الوطني بسبب ذلك.
    وعليه، فإن الوضع الاقتصادي السليم في حالة وجود أزمة متوقعة ومتكررة، أن تكون لدينا خطط عدة وبديلة للاعتماد على النفط، بحيث يستفيد من الفوائض في أوقات ارتفاع أسعار النفط، لبناء وتوسعة القاعدة الاقتصادية الإنتاجية على أساس متنوع، لمواجه تقلبات أسعار النفط بالسوق الدولية، وتضمن الاستقرار الاقتصادي، أما معالجة الأمر من خلال المدخل النقدي، مثل ارتفاع معدلات احتياطيات النقد الأجنبي، أو صناديق الفائض لمعالجات الاحتياجات المالية، أو حتى تلك الاستثمارات التي تدور في فلك أسواق الأوراق المالية، لا يبني اقتصاديات قوية، ولا يضمن استدامة الاقتصاد، ولكن الذي يمكن أن يحافظ على الاستقرار الاقتصادي استخدام عائدات النفط في تمويل استثمارات متنوعة لإحداث ما يعرف في الاقتصاد بالدفعة القوية «Big Push» في التنمية الصناعية، فقد بذلت السلطنة جهودًا لتطوير مقومات البنية الأساسية في القطاع اللوجستي، والشحن، والنقل، والمناطق الحرة بأنواعها المختلفة وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى نماء قطاعات الإنتاج والتصنيع المختلفة، وعليه المطلوب الاستفادة من هذه البنية الأساسية التي تم صرف أموال كبيرة لتطويرها، وتوجيه حصة مقدره من الموارد إلى القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية، وأن يرافق ذلك إعادة تأهيل القوى البشرية بالتركيز على التأهيل التقني، للاستفادة من نمو الباحثين عن عمل وإعادة تنظيم مسارات التعليم العام والجامعي، لتوائم متطلبات الثورة الصناعية الرابعة ووظائفها المحتملة، وتعزيز مقدراتنا في الاستثمارات المشتركة، بحيث تكون استثمارات حقيقية إنتاجيه في القطاعات الواعدة وفقا لخطط التنمية.
    وفي هذا الإطار فإن التحدي الذي سيواجه رؤية عمان 2040 سيتمثل في الأخذ في الاعتبار التغيرات المتلاحقة التي ستواجه الاقتصاد الوطني خلال السنوات القادمة، وضرورات الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد مستدام معتمدا على قطاعات إنتاجية حقيقية ذات قيمة مضافة عالية تضمن استدامة التنمية والنمو الاقتصادي.

■ إذن الأمر يحتم تنويع مصادر الدخل وهو ما تسعى إليه السلطنة.. ولكن كيف يمكن تفعيله بشكل أكبر؟

-إن تفعيل خيار تنويع مصادر الدخل يستلزم التغلب على التحديات التـــي تعيـــق تحقيق التنوع وتعزيز هيكل الصادرات العمانية ليتسق مع التجارة العالمية، وتهيئ فرص النجاح، والابتكار فـــي وضـــع المســـتهدفات، وسن السياسات الملائمة، وترجمـــة المبـــادرات إلى برامج تنفيذيـــة تفصيلية، وإعداد دراسات الجدوى الاقتصادية الأولية، ورفـــع كفـــاءة الإنفاق والعمـــل المشـــترك بين القطاعين الخاص والعام نحو تحقيق الأهداف الوطنية للتنويع الاقتصادي والتي على رأسها توليد الوظائف المناسبة للباحثين عن عمل وضرورة اتساق التوجه نحو هذه القطاعات الواعدة للتنويع بتوجيه التشغيل في اتجاهها، وتطوير القدرات التنافسية، وتعزيز الاستثمارات ورؤوس الأموال.

■ من بين الإجراءات التي تبنتها الحكومة للتكيف مع أزمة النفط ترشيد الإنفاق ورفع كفاءته والبدء في تطبيق موازنة البرامج والأداء في بعض الجهات الحكومية …. إلى أي مدى ينعكس ذلك على أداء الموازنة؟

  • كما هو معلوم يتطلب رفع كفاءة الإنفاق العام وتحقيق الكفاءة في استخدام الموارد والحد من الهدر، إجراء مراجعة شاملة ودقيقة للأنظمة واللوائح المالية في جميع الأجهزة الحكومية للتحول من التركيز على سلامة الإجراءات فحسب إلى مفهوم فاعلية الصرف وارتباطه بتحقيق أهداف محددة يمكن قياس فاعليتها بما يحفظ استدامة الموارد والأصول والموجودات، وإلى نشر ثقافة كفاءة الإنفاق بين مختلف المستويات الإدارية في الجهات الحكومية ابتداءً من المسؤول الأول لكل جهة، ووضع مسارات تدريب متخصصة في هذا المجال لتطوير أداء الموظفين ذوي العلاقة، وتحسين الأداء في الإدارات المالية وإدارات المراجعة الداخلية.
    وزارة المالية تبذل جهودا مقدرة في هذا الاتجاه، كما يتضمن مشروع الموازنة العامة للدولة تحقيق أهداف في هذا الإطار عن طريق مؤشرات أداء البرامج والمشروعات التي تسعى وزارة المالية إلى تحقيقها من خلال موازنة البرامج والأداء المعنية بالبرامج والمشروعات، حيث إن مؤشرات موازنة البرامج والأداء تعنى بكفاءة الإنفاق.

■ هل المتغيرات الحالية في زيادة الإيرادات غير النفطية تمثل دعما ملموسا لتقليص الاعتماد على عائدات النفط والغاز؟

  • ليس من الواضح تماما، مدى انعكاس زيادة الإيرادات غير النفطية، فهنالك علاقة عكسية بين تراجع أسعار النفط وبين حصة الإيرادات غير النفطية، فعندما تنخفض أسعار النفط وتتراجع الإيرادات النفطية، تظهر المؤشرات كأنما هنالك في ارتفاع حصة الإيرادات غير النفطية إلى إجمالي الإيرادات العامة، إلا أن ذلك نتاج تراجع حصة الإيرادات النفطية إلى إجمالي الإيرادات العامة، لهذا ينبغي العمل على أن تحقق الإيرادات غير النفطية مستوى مناسب يساوي على المدى القريب الانخفاض في الإيرادات النفطية، ويتطلب ذلك المضي في تهيئة الاقتصاد لمزيد من الاستثمارات وتعزيز القدرات التنافسية وغيرها من المتطلبات التي تعزز جانب الإيرادات غير النفطية.
    ومن جانب آخر، وللوصول لنموذج نمو اقتصادي مستدام، لا بد من بناء قطاعات تتضمن سلعا وخدمات قابلة للتصدير، فإن تنوع وتطور الصادرات في السلطنة متدن حاليا، ولم يتحسن منذ سنوات عديدة.
    وقد قدمت الدراسات المختلفة عددا كبيرا من التوصيات في هذا الجانب، والتي تقع من ضمنها وجود جهة مختصة بعملية وضع السياسات التنموية، والذي أصبح مطلبا ضروريا ومهما في ظل انقضاء رؤية 2020، ومع البدء في وضع رؤية 2040 يتطلب إجراء تصحيح هيكلي في منظومة التخطيط التنموي باستحداث وحدة مختصة بهذا الجانب، مع ضرورة استقلالية جهة تقييم الخطط التنموية المختلفة، وتحديد مدى تحقيق المستهدفات عن طريق مؤشرات قياس للأداء يتم تصميمها ومراقبتها بصورة دقيقة.

■ كيف تقيمون مساهمة استثمارات القطاع الخاص وتشجيع الشراكة الاستثمارية بين القطاعين في دعم النمو الاقتصادي وتخفيف أعباء الموازنة دون تأثير على النمو؟

  • العمل جارٍ من قبل الحكومة على إعداد قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كما أن هنالك جهودا مقدرة في إطار تحسين مؤشرات التنافسية وسهولة ممارسة الأعمال، ويتضمن مشروع الموازنة العامة السنوية للدولة أهدافا تتعلق بتوسيع مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ وإدارة بعض المشروعات والمرافق والأعمال، وتسعى الحكومة خلال المرحلة القادمة إلى إسناد عدد من الخدمات والأعمال التي تقوم حاليا بها الجهات الحكومية إلى القطاع الخاص وهو أمر جيد ومطلوب، والتي سيؤدي استكمال إسنادها إلى خفض المصروفات الحكومية الجارية.
    إن تطوير مكانة وأداء القطاع الخاص يعتبر قضية جوهرية ترتكز عليها السياسات الاقتصادية من خلال تبني استراتيجية مثلى لتطوير القطاع الخاص تعكس الفهم الصحيح والتصور الواضح لآليات وسبل تفعيل دوره في النشاط الاقتصادي، لذا لا بد أن يكون للحكومة دور أبرز في وضع السياسات والإجراءات المناسبة لتحفيز وتعزيز القطاع في المرحلة الراهنة، حيث سيسهم زيادة مساهمة القطاع الخاص في عملية الإنتاج وكفاءة استعمال الموارد الاقتصادية إلى جانب تفعيل التكامل والتشابكات القطاعية التي ستعمل على تحفيز الكثير من القطاعات الإنتاجية محدودة المساهمة في الاقتصاد الوطني كالقطاع الزراعي والسمكي والتجاري والخدمي وغيرها من القطاعات الاقتصادية.