تواصل: نضجكم الذي لن تصلوه !

تونس المحروقية –
hlaa202020 @ –

مشهد أول :
تقدم نفسها في حسابها في منصات التواصل الاجتماعي كنسوية أو ناشطة في المطالبة بحقوق المرأة وكشف الظلم الواقع عليها في بلد يعرف نفسه كبلد ملتزم ببنود الاتفاقيات الدولية في مجال تمكين المرأة ، تبالغ في سرد حالة المرأة المزرية بحسب وصفها في بلدها وتظهر المرأة وكأنها مضطهدة طوال الوقت ولم تحصل أبداً على أي حق من حقوقها، تمعن في تقزيم الجهود المبذولة لتمكين المرأة والحفاظ على مكانتها، تتعرض للكثير من التعليقات من النساء قبل الرجال متهمات إياها بالمبالغة في وصف وضع المرأة ، لكنها تواصل وتتفاخر في كل مرة في كونها «نسوية « كما يحلو لها أن تسمي نفسها وأن الأغلب يحاربونها لأنها قوية وتعرف حقوقها وهذا يخيفهم منها كما لا تتورع في وصف النساء اللاتي يهاجمنها بأنهن خانعات وراضخات وتابعات للثقافة الذكورية السائدة !
مشهد ثانٍ :
يقدم نفسه كناشط في وسائل التواصل الاجتماعي رغم أن الأغلب لا يفهم نوعية النشاط الذي يتبناه في تلك المنصات ومن أي الخلفيات المعرفية ينطلق؟ يبدأ في ملاحظة أنه ينتقد كل شيء في الحياة ليس فقط سياسة الحكومة والتقصير في المؤسسات الرسمية بل كل شيء يصادفه بما في ذلك العادات الدينية والمجتمعية والثقافة السائدة، لا تعرف ماذا يريد بالضبط ؟ وإلى أين يرغب في الوصول ؟ كلما هاجمه أحد قال : أنتم لم تصلوا بعد لمرحلة النضج التي أعيشها أنا ، لذا من الطبيعي أن لا تقدروا قيمة أطروحاتي ، امشوا مع القطيع لأنكم لا تستحقون الاستقلالية في التفكير «، يواصل المتابعون مهاجمته ويواصل التفنن في انتقاداته وفلسفته بأسلوب فوقي متعال يقلل به من شأن عقليات من يناقشونه والتي لا تسمح لهم بفهم عقليته المثقفة والكاملة النضج !
مشهد ثالث :
يقول له صديقه بتعجب: أنت تفاجئني في كل مرة اقرأ فيها آراءك التي تشارك بها في كل وسم يتصدر التداول في تويتر، فأنا أعرفك منذ سنوات طويلة وأعرف ما تتبناه من مواقف تجاه مختلف القضايا ، لذا أعرف أن ما تكتبه هناك عكس ما تؤمن به تماماً ، فهل لي أن أعرف لماذا تفعل ذلك؟ يضحك كثيراً قبل أن يرد عليه بالقول : تويتر عالم افتراضي وينبغي أن تكون ذكياً فيما تكتبه هناك ، فأنا مثلاً أساير الموجة السائدة وأستفيد منها بقدر استطاعتي ، أكتب ما يستفز قناعاتهم وأتركهم يفرحون بشتمهم لي وسبي، وأشارك في نقاش قضايا لا تعنيني ولا يشغلني أن تجد طريقها للاهتمام وأخالف قصداً الآراء التي يجتمع عليها الأغلب ، فيعتبرونني من الحمقى الذين يستحقون الإساءة لهم لكنهم في المقابل يقومون بسذاجة منهم بإعادة نشر ما أقوله ، فيتبادلون منشوراتي ليس حباً فيها بل كي يستهزئون بي أكثر، لكن لا تنس ما لهذا الانتشار من دور في زيادة عدد المتابعين واعتباري في وقت لاحق من المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي حتى لو كان ذلك بشكل سلبي !!
إن منصات التواصل الاجتماعي تضم العديد من الحسابات التي يقدم أصحابها أنفسهم كمتبني أفكار أو موضوعات أو قضايا يرون أنه لا يوجد من يتصدر للحديث عنها في المجتمع كأن يتبنى أحدهم قضايا حقوق المرأة أو النقد لبعض الممارسات المؤسسية أو الجوانب السياسية وهذا جيد في حد ذاته إن كان الطرح متزنا ويراعي الإنصاف في تقييم حجم ما يقدم في هذا المجال من ناحية الإيجابيات والسلبيات ، إلا أنه من السهولة ملاحظة أن بعض من تتبنى حساباتهم هذه التوجهات يذهبون إلى الغلو المطلق في إظهار الجوانب السلبية ونواحي التقصير المقدم في المجال الذي يتبنونه إذ لا يشيرون للجوانب الإيجابية نهائياً وكأنه لا يوجد أية جهود مبذولة في ذلك المجال وإن ذكروها قزموها لدرجة تظهرها سلبية، كما يرفضون أية مناقشات في أطروحاتهم بل قد يذهبون لاتهام من يناقشهم باختلاف مع ما يطرحونه بأنه لا يفهم ومسيطر على تفكيره من قبل قناعات مجتمعية بالية بحسبهم وكأنه لا يوجد أحد غيرهم من ناضجي العقل والمتابعون هم مجرد حمقى وسذج لا يدركون قيمة وجودهم كمنقذين لهم من أفكارهم البالية !!
إن الغلو في النقد والتطرف في التقليل من الجهود المبذولة في مجال ما والمعارضة المستمرة غير المستندة على حقائق وركوب الموجة واستفزاز المجتمعات فيما تؤمن به من معتقدات بطريقة فجة واتهام من لديه اختلاف في وجهة النظر بأنه ساذج قد لا يكون دائماً من باب القناعة بما يطرحونه بل قد يكون سببه الرغبة في سطوع نجم الشخص وحصوله على الشهرة فقط لأن باختصار من يقول إنه يتبنى قضيتهم ويتحدث باسمهم قد يكونون أول من يهاجم فكره وتطرفه لكنه مع ذلك يواصل بل قد يصل به إلى أن يهاجمهم.
من الجيد الاقتناع أو الإيمان بموضوع أو قضية ما والدفاع عنها ووضعها في مكانها الحقيقي لكن هذا لن يتحقق مع التعامل بفوقية مع المتابعين وإشعارهم أن من يتبنى الحديث عن موضوع معين هو فقط الواعي وأن من يختلفون معه مخدعون ومستوى نضجهم لم يصل للمستوى الذي وصله ذلك الشخص لأنه الوحيد من يفهم وفهمه الخارق قاده للشعور بأن الاختلاف معه يعكس أن جهوده التي يبذلها ليست مقدرة من الذين يتبنى قضيتهم وكأن الواحد منهم يقول للمختلفين معه: أنا نضجكم الذي لن تصلوا إليه يوما!