المشهد السياسي عام 2019

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

اليوم بدأ العام الجديد 2019 وبدأ الحديث عن التحولات المحتملة لعدد من الأزمات الإقليمية وفي إطار العلاقات الدولية الخاصة بين القوى الدولية الكبرى، والتي تلعب الدور الأهم في مسار تلك الأزمات سلبا أم إيجابا، كما أن مشهد العام الجديد سوف يأخذ مسارات تعتمد على الوضع الاقتصادي العالمي والجدل المتواصل حول الطاقة وبالتحديد حول أسعار النفط والتي تعد المؤشر الأهم على موازنات عدد من الدول في الإقليم وفي العالم.
هناك عدد من المستجدات الإقليمية في ظل متغيرات أساسية لعل في مقدمتها انحسار الأزمة السورية وعودة العلاقات الطبيعية بين دمشق وعدد من الدول العربية، كما أن موضوع الأزمة الخليجية واستمرارها في العام الجديد سوف يشكل نقطة تحول في مسيرة مجلس التعاون الخليجي وتهدد مستقبل هذا الكيان والذي يواجه التحدي الأهم منذ قيامه في مايو 1981 علاوة على مسار الأزمة اليمنية والتي شهدت خلال الأسابيع الأخيرة من العام الماضي انفراجا نسبيا على صعيد حل الأشكال الإنساني بعد مشاورات إيجابية بين الفرقاء اليمنيين في السويد.
ولعل موضوع العلاقات بين القوى الكبرى خاصة بين واشنطن وموسكو في العام الجديد سوف يحدد مسار عدد من الصراعات والحروب في المنطقة، ولعل النموذج السوري واليمني واضح في كيفية الضغط السياسي علي الفرقاء لإيجاد حلول توفيقية.

مؤشرات أولية

لعل من المؤشرات الأولية هو انحسار بعض الأزمات الاقليمية وليس حسمها، صحيح ان الوضع في سوريا تحديدا شهد تحسنا على ضوء السيطرة الحكومية على معظم المناطق في البلاد وقرار الانسحاب الامريكي، وهذا ساعد مرحليا على إيجاد اجواء إيجابية إلا ان المواجهة المحتملة بين قوات سوريا الديمقراطية الكردية المدعومة من امريكا مع القوات التركية، قد يعقد المشهد السوري ومع ذلك فان الجانب الروسي ومن خلال التواصل والتشاور مع انقرة قد يفضي الى حل ملائم من خلال انسحاب القوات الكردية من شرق الفرات وتسليم تلك المنطقة في شمال سوريا الى القوات الحكومية وبالتالي لن تكون هناك حجه لتركيا وهواجسها حول امنها الوطني على حدودها الجنوبية مع سوريا وهذا هو المسار الأكثر ترجيحا خلال هذا العام وهذا يوحي بأن الأزمة السورية قد دخلت مرحله الحسم السياسي النهائي.
المؤشر الآخر حول الازمة الخليجية والتي تدخل عامها الثاني ورغم عقد القمة الخليجية الاخيرة في ديسمبر الماضي في الرياض الا ان الأزمه لا تزال تراوح مكانها رغم الجهود المقدرة، التي تبذلها دولة الكويت الشقيقة ويبدو ان الحملات الاعلامية المتبادلة بين الاطراف المعنية ساهمت وبشكل كبير في تعميق الخلافات، ومن هنا فان السؤال يتحدث عن مسار هذه الازمة خلال العام الجديد وهل تكون قمة واشنطن بين الرئيس الامريكي ترامب وقادة دول مجلس التعاون هي آخر فصول الازمة ام ان الأزمة تتواصل في ظل تمسك كل طرف برؤيته السياسية، ومن هنا فان هذه الازمة كانت لها تداعيات اقتصادية واجتماعية وكبيرة ولا بد من حسمها هذا العام ومن خلال جهود سياسية ومن خلال الحوار بين الفرقاء.
وفي ظل المؤشرات الحالية فان الحل السياسي قد يكون مرحليا من خلال عودة العلاقات الدبلوماسية بين قطر من ناحية وبين السعودية والامارات والبحرين ومصر من ناحية اخرى لأن ذلك مقدمة حيوية لاستعادة التضامن العربي وان يبدأ مجلس التعاون الخليجي في استعادة مكانته التي اهتزت كثيرا خلال العامين الاخيرين، كما ان عودة العلاقات العربية مع سوريا يعطي مؤشرات إيجابية بعودة التلاحم العربي والتفرغ للقضية المركزية وهي القضية الفلسطينية والتي سوف تواجه تحديات مصيرية في العام الجديد من خلال الإعلان عن صفقة القرن، كما اشار الى ذلك مستشار الرئيس الامريكي كوشنر.

بين واشنطن وموسكو

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يعقد قمة هامة في العام الجديد مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول مجمل المشكلات الثنائية والاقليمية والدولية، لأن الدولتين لهما الدور المؤثر في القضايا الدولية سواء من مجلس الامن الدولي او تأثيرهما السياسي والاقتصادي والعسكري على مجمل مسارات تلك الأزمات فروسيا هي اللاعب الأهم في الازمة السورية والولايات المتحدة لها تأثيرها التقليدي على الاوضاع في الشرق الاوسط منذ حرب السويس عام 1956 وبعد ذلك مسار الصراع العربي- الاسرائيلي وتحديدا القضية الفلسطينية.
هناك خلافات بين واشنطن وموسكو والرئيس ترامب يواجه مشكلات جادة في الولايات المتحدة من خلال تواصل تحقيقات موللر حول التدخل المحتمل لروسيا في مسار الانتخابات الرئاسية الامريكية عام 2016 والتي انتهت بفوز الرئيس ترامب كما ان هناك الموضوع الاوكراني والعقوبات الامريكية المفروضة علي روسيا الاتحادية وكذلك الامن في اوروبا.
ومن خلال العام الجديد فان تحديد ملامح تلك العلاقات بين البلدين سلبا او إيجابا سوف يكون مؤشرا على مسار تلك الازمات السياسية والاقتصادية، خاصة وان موضوع النفط هو متغير سيو-استراتيجي مهم للاقتصاد العالمي ومؤشرات النمو.
ولعل إلغاء الاجتماع الرسمي بين بوتين وترامب خلال قمة العشرين الأخيرة في الارجنتين كانت لها تداعيات سلبية، ومع ذلك فان المصالح الكبيرة بين البلدين تقتضي عودة العلاقات الى وضعها الطبيعي في ظل دور البلدين في مسارات سياسية عديده سواء فيما يخص الوضع في كوريا الشمالية او حتى الحرب التجارية بين واشنطن وبكين والتي تشهد هدنة سوف تنتهي ، وعلى ضوء التطورات السياسية الدولية فان العام الجديد قد يشهد قمه روسية-امريكية تعيد مسار العلاقات الى وضعها الصحيح ومن خلالها يتم إنهاء تلك الأزمات لأن استمرارها يضر مصالح العالم خاصة الاقتصادية ويهدد الأمن والاستقرار.
الرئيس ترامب له مصلحه في تحسين العلاقات مع روسيا تحديدا حتى يتم تخفيف الضغط عليه داخليا علاوة على ان حل الوضع في اوكرانيا هو مصلحة غربية بشكل عام، كما ان موضوع معاهدة الصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى يحتاج الى نقاش واسع بين البلدين لأن الانسحاب الأمريكي سوف يسبب مشكلة تدخل بالبلدين والعالم في سباق تسلح كبير.

اوروبا والأمن الموحد

دول الاتحاد الأوروبي تشهد ازمة حقيقية اولا بسبب الانسحاب البريطاني وتداعياته والتي لاتزال متواصلة والتي قد تطيح برئيسة الوزراء تيريزا ماي، او من خلال التحديات الامنية التي خلقها الخلاف مع واشنطن والتي دعت الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون الى الحديث عن اهمية إنشاء الجيش الأوروبي لمواجهة المخاطر على اوروبا من قبل روسيا والصين وحتى الولايات المتحدة ومن هنا فان اوروبا القوية المستقلة امنيا وعسكريا عن واشنطن ولو بدرجة محددة سوف يكون احد الحوارات الكبيرة خلال العام الجديد.
كما ان الاتحاد الاوروبي يواجه مشكلات عديدة في ظل ظاهرة أصحاب السترات الصفراء في فرنسا وعدد من دول الاتحاد والمشاكل الاقتصادية التي تعصف بها وايضا في ظل مواجهة تجارية مع واشنطن، ومن هنا فان الموضوع الأوروبي يعد من الموضوعات التي سوف تتصدر المشهد السياسي في القارة العجوز خلال العام الجديد.
هناك تتنامى نغمة الانفصال لبعض الدول وهذا سوف يشكل خطورة وجودية للاتحاد الأوروبي، ومن هنا كانت الخطوات القاسية مع خروج بريطاني مؤشر للأعضاء الآخرين بأن الانسحاب من عضوية الاتحاد تعد باهظة ومكلفة اقتصاديا وسياسيا وحتى أمنيا، ومن هنا فان العام الجديد سوف يفرز وضع اوروبا الجديدة إن صحت التسمية في ظل جدل كبير حول مستقبل الاتحاد بعد خروج احد أعمدته الاساسية وهي المملكة المتحدة.

مسارات العام الجديد

عدد من الأزمات الاقليمية بدأت في الانحسار كما يحدث الآن في سوريا واليمن ومع ذلك فان الموضوع الليبي يعد من الملفات الشائكة، كما ان الحرب المنسية في افغانستان سوف تتواصل في التعقيدات القبلية وإصرار حركة طالبان على سحب كل القوات الغربية، كما ان الموضوع الكوري الشمالي قد يأخذ بعض الوقت وان كانت القمة الكورية الشمالية-الامريكية قد تساعد في حلحلة الازمة ولكن يبدو لي ان تخلص بيونج يانج من أسلحتها النووية سوف يأخذ بعض الوقت وقد لايحدث في الادارة الامريكية الحالية، اما فيما يخص الصراع العربي-الاسرائيلي وخاصة القضية الفلسطينية ورغم التحديات الكبيرة التي سوف تواجهها خلال العام الجديد إلا انها سوف تظل حية في ضمير الشعوب العربية ولن تأتي صفقة القرن بأي حل في ظل تمسك العرب بمبادرتهم التي تم إقرارها في قمة بيروت العربية عام 2002 وفي ظل تواصل النضال والكفاح للشعب الفلسطيني صاحب هذه القضية وهو الذي سوف يحدد مسارها.
الجميع يتطلع الى انتهاء الأزمات الإقليمية وحسم الصراعات حتى يتم التفرغ للتنمية والاستقرار والسلام فهل يتحقق حتى جزئيا خلال العام الجديد الذي اطل على المشهد السياسي، اليوم كل محبي السلام يتمنون ذلك.