وجهة السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط في 2019

د.صلاح أبو نار –

فيما يتعلق بهدف مكافحة الإرهاب في معرض تبريره لقرار الانسحاب، كان اول ما طرحه ترامب أن هدف الوجود الأمريكي كان القضاء على داعش، وبما أنه تحقق ليست هناك ضرورة للبقاء وإهدار الأموال والأرواح.

مع بداية العام الجديد 2019، اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارين يتعلقان ببعض المسارات الأساسية للسياسة الامريكية في الشرق الاوسط. اختص الأول بالأزمة السورية، وضمنيا بالأزمة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران، واتصل الثاني بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بمكانته المركزية في السياسات العربية.
في قراره الأول أعلن ترامب إنهاء عمل القوات العسكرية الامريكية في سوريا، وفي الثاني أنهى عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (يوسايد) في الضفة الغربية وغزة. ويمنحنا القراران وتوقيتهما نموذجا لمشكلات مسيرة السياسة الامريكية في المنطقة، ومدخلا لمناقشه احتمالات تطورها خلال العام الجديد عبر بعض أهم مساراتها.
انطلقت السياسة الأمريكية في المنطقة بعد تولي ترامب، مركزه جهدها على تحقيق ثلاثة أهداف.
الأول يواصل مهمة القضاء على تنظيم داعش التي اطلقها اوباما، والثاني يدخل في تناقض حاد مع سياسة اوباما الإيرانية عبر عودة مفرطة الحدة إلى سياسة محاصرة إيران وإجهادها واحتوائها، والثالث يسعى لتسوية نهائية للصراع العربي – الإسرائيلي، عبر تصور للتسوية يكان ان يكون معدا من ألفه إلى يائه في دهاليز اليمين الديني الاسرائيلي الحاكم.
وفي توجهاتها الثلاثة تناقضت وجهة ترامب مع وجهه اوباما. قرر اوباما الانسحاب من الشرق الاوسط وإهماله، واطلق سياسة الاتجاه صوب شرق آسيا. وحسب قناعه ادارته فإن الشرق الأوسط منطقة ازمات مستعصية، والتدخل فيها عالي التكلفة وبلا عائد يسوغ تكلفته. وهكذا كفت عن المحاولة، تاركه الشرق الأوسط لأهل الشرق الأوسط، وعندما أدركت وجود فرصة مواتية لنجاح أمريكي جوهري، تمكنت من إنجاز اتفاقها التاريخي مع إيران بمشاركة اوروبية مكثفة. ولكن ادارة ترامب جاءت برؤية أخرى نقيضه نسبيا، تقوم على إطلاق دور نشط يتجاوز في بعض القضايا سياسة حل الأزمات إلى سياسة خلق الأزمات. ويعيدنا ما سبق الى سؤالنا الأصلي: ماهي الدلالات التي يمنحنا لها القراران السابقان بشأن طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة عامة، وتحولاتها المحتملة على مستوى الأهداف الثلاثة؟
المؤكد انه سيكون المفيد أن نلقي نظره حول نسق العوامل، المرشحة للتأثير على التوجهات الثلاثة الاساسية المذكورة أعلاه. يمكننا التمييز بين مستويين.
يتعلق الأول بالسياق الداخلي الأمريكي، وهنا سنرصد عدة عوامل سيكون لها تأثيرها علي توجهات الإدارة الأمريكية. اولها فقدان الرئيس للقواعد الداعمة لسياساته داخل الكونجرس. وهو ما يتضح في فقدان الحزب الجمهوري لأغلبية مجلس النواب، ومجيء أغلبية ديمقراطية تعارض بشدة بعض سياسات ترامب الخارجية. ولكن الأخطر تحولات الجمهوريين داخل مجلس الشيوخ. حافظ الجمهوريون على أغلبيتهم فيه، لكنهم أظهروا مؤخرا خلال التصويت على قضايا تمس السياسات الأمريكية تجاه اليمن، تحولا لافتا ومنذرا بتبلور معارضة جمهورية داخل الشيوخ تجاه بعض القضايا الخارجية. وثانيها ان الرئيس الأمريكي الآن أضحى محاطا بحصار سياسي – قانوني. فتحقيقات موللر تقترب من نهايتها، وتظهر مؤشراتها الاخيرة اقترابها من الرئيس نفسه، وربما بشكل جوهري أي غير هامشي ويتخطى الحدود الإجرائية. ومن جهة أخرى هناك سلسلة من التحقيقات، تحيط الآن بالرئيس وأعوانه وبعض أسرته فيما لا يقل عن اربع ولايات، ووصل بعضها لمرحلة الإدانة. وثالثها حاله التفكك المتصاعد التي تعاني منها إدارة الرئيس. انطلقت موجه التفكك الاخيرة في شهر مارس 2018، بإقالة الجنرال ماكمستر مستشار الأمن القومي وركس تاليرسون وزير الخارجية. ومن اكتوبر توالت الاستقالات. نيكي هايلي سفير امريكا في الامم المتحدة في اكتوبر، وجوردان كريمر مدير عمليات المكتب البيضاوي وكريستين فونتينيرو في نوفمبر، وجون كيلي كبير موظفي البيت الابيض وجيمس ماتيس وزير الدفاع في ديسمبر. ويمكن القول ان العوامل السابقة، من شأنها أن تحد من خيارات الرئيس في السياسة الخارجية، وتضع ضوابط على قدرته على حشد الموارد لدعمها، بصورة مؤكدة وغير هامشية.
ويتعلق المستوى الثاني بالسياق الاقليمي للمنطقة. يمكننا رصد عدة سمات تطورت في الشهور الاخيرة سيكون لها تأثيرها.
اولها دخول بعض القوى الاقليمية في أزمات طارئة، ضيقت كثيرا من نطاق خياراتها القديم، كما اتضح في المواقف الجديدة من الأزمتين اليمنية والقطرية. وثانيها ان التطورات الاخيرة في السودان، التي واكبت التطورات الفرنسية، خلقت موجة توجس من بدايات تيار احتجاجات قاعدية اقليمية واسعة. وثالثها ان الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني يدخلا الآن في حالة سيولة سياسية، فاليمين الإسرائيلي الحاكم تفكك وبات يحكم بأغلبية صوت واحد، وهو الآن في طريقه لانتخابات مبكرة لا يضمن نتائجها. والمؤسسات الفلسطينية التي هرمت وتكلست، تحاول الهروب من استحقاقات التجديد بمزيج من الحيل القانونية والانتخابية في الضفة والمواجهات اليائسة في غزة. ومن شأن العوامل السابقة ان تولد تيار يميل للتحفظ، ومسرف في تخوفاته، واقل قدرة على دعم الخيارات الامريكية والتجاوب معها.
ما الذي تخبرنا به القرارات الأخيرة؟
فيما يتعلق بسياسات احتواء إيران، سوف تنجح عملية فرض العقوبات في التأثير على الاقتصاد الإيراني، وتقليل الموارد الضرورية لدور سياسي اقليمي نشط. ولكن مشكلة آلية عمل العقوبات الخارجية في مثل هذه الحالة، انها لا تترجم نفسها الي مستهدفاتها السياسية الا في حدود بسيطة، بل وكثيرا ما تدفع صوب التشدد، وتبعث الحياة في القواعد المساندة. ويأتي قرار الانسحاب من سوريا ضد المنطق الحقيقي لسياسة الاحتواء. فعليا وبعيدا عن منصات الدعاية السياسية، لا تستهدف سياسة الاحتواء توقي خطر نووي إيراني ما. كان هذا الخطر قبيل الاتفاقية مجرد احتمال، وجاءت الاتفاقية لكي تصادر هذا الاحتمال تماما، وبشكل لم يتعرض للتشكيك من أي جهة سياسية او علمية محايدة. والواقع ان الهدف الحقيقي لسياسة الاحتواء، هو حصر الدور الإيراني الاقليمي داخل تصور امريكي معين للنظام الاقليمي، يحدد قواه الاساسية وادوارها الاقليمية وأنماط تحالفاته. ومن شأن قرار الانسحاب ان يولد نتائج تناقض هذا الهدف. كتب محللون امريكيون كثيرون يؤيدون هذا وعلى رأسهم انتوني كوردسمان. وخلاصه ما قالوه ان الانسحاب بقدر ما يعني التسليم بانتصار السياسة الروسية في الأزمة، يعني الشيء نفسه تجاه السياسة الإيرانية، وبالتالي يخلخل سياسة الاحتواء ويسير في اتجاه يناقضها.
وفيما يتعلق بهدف مكافحة الارهاب في معرض تبريره لقرار الانسحاب، كان اول ماطرحه ترامب ان هدف الوجود الامريكي كان القضاء على داعش، وبما أنه تحقق ليست هناك ضرورة للبقاء واهدار الأموال والأرواح. ولكن كالعهد به سرعان ما ناقض نفسه. في تغريدة تالية بنفس التاريخ، اورد اسباب اخرى مثل على الآخرين ان يخوضوا حروبهم وألا ينتظروا ان نحارب بدلا منهم، وامريكا لن تلعب دور الشرطي في المنطقة.
وفي هذه التويتات «التغريدات» التالية اقر بجلاء أن داعش لا تزال هناك في سوريا والعراق. وتعرضت تلك الحجة لنقد مكثف وعام داخل امريكا، ومضمونه ان الانسحاب يضعف جوهريا هدف مكافحة الارهاب. فما انتهى من داعش هو وجودها ككيان سياسي، يحتل منطقة جغرافية معينة، ويدير مؤسسات دولة. وهذا بالتأكيد إنجاز هائل، لكنه نصف إنجاز. وربما قام بترشيد وجودها اكثر مما أضرها، لأن إعلان الدولة اصلا كان قرار مفرط الحماقة، وكشف كل جسد داعش امام ضربات خصومها، وها هي الآن تعود لحالتها الاولى. جماعات مسلحة منتشرة بين اهال ساخطة، ودولة غائبة ولن تعود سريعا، وحدود مفتوحة وسلاح وفير. ويقدر المراقبون ان هناك حوالي أربعين ألف مقاتل لها في سوريا والعراق، سينشطون مجددا تحت اسم داعش او اي اسم آخر. ها هي الدولة السورية يعاد تأسيسها، غير أن المجتمع السوري لكي يعاد بناؤه في حاجة الى موارد وفيرة واجماع وطني وسلطة رشيدة، ومدى زمني. والمالكون للموارد رافضون لنتائج الحرب السياسية، بينما السعداء بها لا يملكون الموارد. وفي وسط هذا التناقض ستجد داعش بيئة مواتية للانبعاث القوي. ويلاحظ هؤلاء ان القاعدة انطلقت من حطام افغانستان، وداعش انطلقت من حطام العراق، وستنطلق الاصولية المسلحة مرة اخرى قوية من حطام سوريا. ولكن ترامب لا يريد فقط الانسحاب العسكري، بل يريد ايضا وأساسا الانسحاب من معركة إعمار سوريا.
ماذا بشأن الهدف الثالث؟ ولد القرار الامريكي من قلب سياسة امريكية جديدة تتسم بالتخبط. فهي من جهه تريد ما تدعوه حلا نهائيا للأزمة، غير أنها تريد حلا لا يتسم بالحد الادنى من التوازن الكفيل بجعله نهائيا. حل بلا دولة فلسطينية ذات سيادة، وبلا عاصمة للدولة في القدس الشرقية، وبلا اي معالجة لمشكلة اللاجئين. والخلاصة حل لا يمكن قبوله فلسطينيا. ولكي تواجه الرفض الفلسطيني، تلجأ الى سياسة الضغط المتصاعد على الفلسطينيين، مدعومة بمحاولة بناء تحالفات اقليمية ضاغطة، وقرار (اليوسايد) جزء من هذا المسلسل. والمشكلة ان هذا الضغط لكي ينجح في حاجة الى سياق داعم، بينما كل التفاعلات الاقليمية لا تساعد على ذلك، ولا احد يحاول السيطرة عليها وتوجيهها هذه الوجه. بل ما يحدث العكس. كيف يمكن توقع الحصول على دعم حلفاء اقليميين في هذا الصدد، اذا كان الانسحاب من سوريا جرى بدون اي تشاور معهم وعرفوا بالخبر من وكالات الأنباء؟ وكيف يمكن بعد ذلك الثقة في أي ضمانات أمريكية، من جانب الفلسطينيين المطالبين بتلك التنازلات الهائلة؟