بعد عام من الصراعات.. نظرة «متفائلة» لـلعام الجديد

مروى محمد إبراهيم –

أما على صعيد الحرب التجارية، فقد توصلت الولايات المتحدة والصين إلى تسوية متواضعة بشأن التجارة على هامش قمة مجموعة العشرين في ديسمبر.

حروب تجارية، عقوبات أمريكية تضرب روسيا والصين وإيران، تهديد بنظام اقتصادي عالمي مواز للالتفاف على العقوبات، وموجات من مظاهرات السترات الصفراء والحمراء والزرقاء هنا وهناك، شقاق وانهيارات في التحالفات العالمية، اشتعال الصراعات الإقليمية التي تأبى أن تنتهي، وتدهور الاقتصاد التركي. كان عام 2018 مفعما حقا بالأحداث السلبية والحروب والانعزالية، وربما يمكننا أن نقول أن روح «الكراهية» و«العداء» خيمت على شهوره. ولكن الطريف أنه انتهى على النقيض تماما من بدايته، فقد قررت الولايات المتحدة فجأة وبدون مقدمات الانسحاب من سوريا، بل إنها قررت قيادة حملة دولية لوقف الحرب في اليمن. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجأة الهدنة في حروبه التجارية التي أشعلها. ربما لم تنجح هذه الأحداث الإيجابية في تغيير النظرة السلبية لعام 2018، ولكنها يمكن وهذا مجرد احتمال أن تمهد لعام أقل عنفا وأكثر إيجابية وربما أكثر تفاؤلا في 2019.
من الصعب التنبؤ بما سيحدث في العام الجديد. ففي عصرنا الحالي، أصبح من الصعب توقع نوعية القيادات المقبلة في العالم وبالتالي فمن الصعب التنبؤ بقراراتهم. فجانب كبير من الاضطراب الذي شهده 2018 يرجع بالأساس إلى عقلية الرئيس الأمريكي التي يصعب التنبؤ بما يجول في خاطره، فالأمر ليس بهذه السهولة. فالغرابة والمفاجأة جزء لا يتجزأ من شخصيته، ناهيك عن عدم استسلامه للواقع.
لكن يبدو أن هذه النوعية من القيادة تحولت إلى نزعة عالمية، فالرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي أكثر غرابة ووحشية من ترامب. وحرص على إثارة الجدل خلال العام الماضي في أكثر من واقعة. وفي الوقت الذي يشهد فيه 2019 سلسلة من الانتخابات الأوروبية والعالمية، أصبح من الصعب توقع ما ستحمله الرياح الانتخابية إلى السلطة في مختلف دول العالم سواء إسرائيل أو تركيا أو البرلمان الأوروبي أو حتى الدول الأفريقية.
فقد شهد عام 2018 انزلاق المجر وبولندا أكثر وأكثر نحو اليمين والتطرف. وفاز يائير بولسونارو اليميني المتطرف بالرئاسة في البرازيل ليصبح ترامب البرازيلي. وربح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جولة إعادة انتخابه ومنح نفسه مجموعة من الصلاحيات غير المسبوقة.
ومن المرجح أن تكون النقاط الساخنة لعام 2019 مألوفة للجميع، فهي تتراوح بين التطورات في كوريا الشمالية، والصين، والشرق الأوسط والتي ستستمر في جذب الأنظار والاشتعال. وستتمكن سياسات الولايات المتحدة في إثارة الجدل في أجزاء واسعة من الكرة الأرضية، وستواصل الكثير من الديمقراطيات حول العالم الانصياع لسلطوية الولايات المتحدة.
وتوقع موقع «فوكس» الإخباري الأمريكي أن تسيطر عدة قضايا على اهتمام العالم في العام المقبل. بالطبع سيلعب الصراع الروسي- الأمريكي دور البطولة في الكثير منها، إلى جانب تطورات الحرب التجارية بين الصين وأمريكا، وخطة جاريد كوشنر مستشار وصهر الرئيس الأمريكي لإحلال السلام في الشرق الأوسط، إلى جانب عودة كوريا الشمالية إلى أحضان المجتمع الدولي، فهل ستعود فعلا وهل سيكون هناك قمة أمريكية- كورية جديدة؟
والأهم من ذلك كله، الأحداث الدرامية التي ستشهدها الولايات المتحدة في العام المقبل، فهل سيتمكن ترامب من الصمود في مواجهة سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب الأمريكي، ورغبتهم الجامحة في استجوابه والإطاحة به بالاستعانة بلجنة المحقق الخاص روبرت موللر.
سيكون العام المقبل بمثابة اختبار آخر للدول الديمقراطية. وستظل الأحزاب اليمينية المتطرفة تعمل على زعزعة استقرار أوروبا. سوف تواجه ديمقراطيتان رئيسيتان – الهند ونيجيريا – انتخابات مثيرة للنزاع، وربما تكونان تغيير المسار. قد تواجه الولايات المتحدة، المعروفة باسم زعيم العالم الحر، محاكمة تاريخية لسيادة القانون ومؤسساته في عام 2019، مع وجود الكونجرس المقسم والرئيس تحت ضغوط متزايدة من تحقيقات متعددة.
وفي ظل المخاوف المتصاعدة من سيطرة اليمين المتطرف على سدة الحكم في أوروبا، يأتي الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي كأهم خبر من المنتظر أن يسيطر على إعلام القارة العجوز خلال 2019.
والمثير للقلق، أنه بالرغم من أن خروج بريطانيا من الكتلة الأوروبية سيهز أوروبا وبريطانيا على حد سواء إلا أنه قد يجر وراءه سلسلة من الدول الأوروبية التي طالما شعرت بالغربة بين القوى الكبرى داخل الاتحاد الأوروبي، على رأسها المجر وبولندا وربما إيطاليا وأسبانيا وغيرهم من الدول الأوروبية المارقة من وجهة نظر قيادات الاتحاد.
أما بريطانيا نفسها فستبدأ العام الجديد وسط أجواء من الغموض، فقد حددت تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية 14 يناير كموعد للتصويت على صفقة الخروج من الاتحاد الأوروبي، لكن مجلس العموم البريطاني لا يبدو أنه يميل إلى إبداء إعجابه بصفقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2019 أكثر مما فعل في عام 2018. الفرق الوحيد؟ أن التصويت هذه المرة في توقيت أقرب كثيرا من الموعد النهائي لإتمام الخروج في 29 مارس 2019.
إذا لم تصادق بريطانيا على اتفاقية الانسحاب بحلول ذلك التاريخ، فإنها ستخرج من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة، مما يؤدي إلى سيناريوهات تبدو وكأنها أجزاء من رواية «البؤساء»: أزمات في الغذاء والأدوية والرحلات الجوية، إلى جانب تصاعد التهديدات الأمنية، ناهيك عن التهديدات التجارية التي ستواجهها الشركات الأوروبية والبريطانية على حد السواء.
أما على صعيد الحرب التجارية، فقد توصلت الولايات المتحدة والصين إلى تسوية متواضعة بشأن التجارة على هامش قمة مجموعة العشرين في ديسمبر. ووافق ترامب على وقف الزيادة المقررة في الرسوم الجمركية على السلع الصينية بقيمة 200 مليار دولار في الأول من يناير، مما يتيح فرصة لمدة 90 يوما للتفاوض على صفقة تجارية مع الصين.
والمفترض أن المفاوضات المخطط لها في يناير، عبارة عن مرحلة صعبة لمعالجة قضايا مثل التعريفات الجمركية، ومواجهة العجز التجاري الأمريكي حيث تعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري ضخم مع الصين، ويرغب ترامب بشدة في تقليصها. وهي مجالات يقول الخبراء أن التقدم فيها ممكن.
ويرجع ذلك جزئياً إلى أن التعريفات الجمركية الأمريكية، التي تدفع ثمنها كل من الصين وأمريكا، حيث أضرت بحركة التجارة داخل الولايات المتحدة، في حين تسببت في تباطؤ اقتصادي في الصين. ولكن فيما يتعلق بقضايا أخرى، مثل حماية الملكية الفكرية، فإن الجانبين متباعدان إلى أقصى درجة.
الأكيد أن العالم على وشك أن يشهد الكثير من التغييرات على كافة الأصعدة، سواء السياسية أو التجارية. فالديمقراطية كما كان يعرفها العالم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ربما تلتقط أنفاسها الأخيرة في 2019. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن نرسم صورة قاتمة للعام الجديد. فهذا التحول ربما يحمل نظرة واقعية للأمور وللعصر، على النقيض من الأحلام بعيدة المنال التي عانى منها العالم على مدار عقود طويلة ودفع ثمنها الملايين. أما الحروب التجارية فسيضع العام الجديد حدا لها، وسيفتح الباب أمام توافقات إيجابية. وسيكون للطاقة النظيفة اليد العليا في العام الجديد مع بدء إنتاج السيارات الكهربائية على نطاق واسع، مما يعتبر نبأ سعيدا بالنسبة لتداعيات الاحتباس الحراري. ولا يمكن تجاهل السلام الذي وجد طريقه إلى القارة السمراء من خلال المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا، وهو ما يبشر بالمزيد من المصالحات في 2019. فهل يمكن أن تدفعنا هذه الأحداث للنظر للعام الجديد بنظرة أكثر تفاؤلا مما سبق؟