«قومة» الصبح

آن بنت سعيد الكندية –
Twitter: @Annalkindi –

طوال عمري وأنا أجاهد نفسي لأتخلص من قدسية نومة الصبح بل وأتساءل لما جعل الله صلاة الفجر، وهل يعقل أن يصحوا الإنسان لأداء الصلاة ويرجع للنوم إذا ما الهدف؟. كنت مؤخرا في مدرسة بناتي من الصباح الباكر فسألتني الموظفة : أختي العزيزة هل تداومين ؟ فقلت لها لا، فقالت إذا ما سر نشاطك من «الغبشة» ؟! فكان جوابي لها: الدوام هو من يثقل الإنسان.
مررت بأطراف القصص وأنا أحاول التهرب من قومة الصبح أثناء المدرسة والجامعة ثم العمل. جربت كافة أنظمة النوم: نوم متأخر، ونومة العصر إلى أن توصلت وبعد جهد جهيد في ثقافة بنيت في الأصل على نظام نوم دقيق وعلى حكمة نم مبكرا واستيقظ مبكرا فذلك يضيف الشيء الكثير للاتزان النفسي والعقلي. لم أبحث عن بحوث علمية تثبت صحة كلامي ولن أبحث عنها فالتجربة خير برهان.
اكتشفت بعدها أن الناجحين في حياتهم -من الذين اعتمدوا على أنفسهم- لديهم عادة مشتركة منها تنظيم الوقت وعلى رأسه النوم حتى غير المسلمين فليس للدين علاقة بالموضوع سواء أننا كمسلمين محظوظون بوجود تلقائي لهذه العادة الحميدة الأساسية. ستكتشف أن كبرى المنصات العالمية مثل Business Insider والمنتدى الاقتصاد العالمي يحاول الحديث عن هذه العادة الحميدة فهم يعيدون تغليف رواسخ حضارات الشرق العريقة بغلاف تنمية الذات. كل الأسس موجودة فقط أعد اكتشاف هذا الإرث العميق بعين فاحصة. عندما تصل الساعة الثامنة صباحا تكون قضيت ما لا يقل من ثلاث إلى أربع ساعات قبلها للصلاة والرياضة والتحضير لفطور صحي وبعدها تشرب قهوتك بتلذذ وكأنك تملك كل سعادة الحياة.
لعلي أكون مخطئة في التعميم بعادات الناس الناجحين لكني لم أرَ في حياتي من هو مجد ويصحو متأخرا من نومه كعادة متأصلة. الحضارات القديمة جميعها على ما أعرف تقدس الأبكار، ولم أسمع بحضارات تبنى بشعوب تنام الصبح. ولنا في النظام العسكري عضة الانضباط، فحين يهم عامة الناس للخروج من منزلهم متجهين للدوام يكون العسكري قد شرب قهوته في مكتبه وربما باشر أول اجتماعاته إن لم يكن اتخذ أول قرارته.
أتساءل وأنا أرى الناس في الصباح الباكر متجهين إلى عملهم كم منهم ذاهب بروح متقدة للعمل وبحب للعطاء؟ كنت أرى الجواب في ملامح وجوههم. العمل فرصة للعطاء أعمل بحب أو أبحث عن مكان آخر تصقل فيه مهاراتك وتريح نفسك وغيرك من سوء نفسيتك. ليتك تجرب سحر ساعة السحر فلم يذكر الله الثلث الأخير من الليل إلا ليختص بها أرواحا تواقه.
تخيل أن تبدأ يومك بعد ذكر الله بالرياضة أليست جملة كافية لرسم الابتسامة على وجهك. الرياضة ليست لتخفيف الوزن واللياقة بل قبل ذلك هي تنفيس لضغوطات العمل والحياة….ابدأ عامك الجديد بتغير جميل وازرع التفاؤل في نفسك أصحو مبكرا، أغبش كما غبش آباؤك وأجدادك الأولون، فالغبشة في اللغة آخر ظلمة الليل، وأول بزوغ الفجر. فنحن شعب نشاط وهمة كنا نأكل مما نزرع لا تدع ريع النفط يخنق أنفاسك فليس لأنفاس الفجر سحر يضاهيها.