للباحث سلطان الشيباني – معجم «ألف باء المخطوطات العمانية» يجمع 555 لفظا تمثل مفتاحا لعالم المخطوطات مع تفسيرها

مكتب نزوى – محمد بن سليمان الحضرمي:-

معجم «ألف باء المخطوطات العمانية» للباحث سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني، صدر مع مطلع عام 2018م عن مركز ذاكرة عمان، وهو كتاب متميز في موضوعه، حيث يقدم تفسيرا وشرحا للألفاظ المتعلقة بعلم المخطوطات، قدمها الباحث في صورة قاموس وسطي يجمع بين الصنعة المعجمية الجامدة، وكتب المصورات السهلة الميسرة، كما يصرح الباحث بذلك في مقدمته للكتاب.
ومن العنوان نستشف تأكيد الباحث على أن هذه الألفاظ متعلقة ومستخرجة من المخطوطات العمانية، وفي كل لفظ منها يأتي الباحث بأمثلة مما ورد في المخطوطات، ومع أن الكتاب يحوي عنوان (ألف باء)، إلا أنه يقدم حصراً لكل الألفاظ المتعلقة «بحرفة الوراقة وصنعة المخطوط، والتي مارسها الأسلاف على نطاق واسع»، ويقصد بالأسلاف؛ المؤلفون المشتغلون بالكتابة والنساخ، يبدأ هذا الحرص من حرف الألف المهموز، وينتهي بالياء، وبهذه الطريقة تحصَّل الباحث على 555 لفظا تتعلق بعلم المخطوطات، وهي مصطلحات تقدم للقارئ في علم المخطوطات توضيحا وفهما حيث يصورها الباحث بهذا الوصف أنها (كالأعلام في المفازة الواسعة، ترفع الجهالة عنه في ذهن محصلها ومستوعبها).
ولم يقتصر الباحث على تتبعه لهذه الألفاظ المتعلقة بعلم المخطوطات، بل قام بضرب أمثلة عليها مما ورد في المخطوطات العمانية، مع تضمينه لنماذج مصورة منها، بلغت (أربعمائة صورة، مستمدة من مخطوطات متفرقة في الخزائن العمانية، مع قلة قليلة من الخزائن الأخرى).
يقول الباحث سلطان الشيباني في وصف عمله الدؤوب أثناء جمعه لمادة كتابه ألف باء المخطوطات العمانية: (لم يكن إعداد الكتاب على النحو الذي أردته أمرا سهلا، فإني وجدت أصحاب الدراسات السابقة في الموضوع على فريقين: فريق بحث في تقاليد المخطوط العربي الإسلامي، فرصد فيه ظواهر ومعالم وسمات وعلامات، فذهب يصطنع لها اصطلاحات تناسبها، ويقتبس من اللغات الأخرى ألفاظا مترجمة تصلح لإسقاطها عليها. وفريق فتش في خبايا تراثنا الزاخر، فوجد في الزوايا إشارات إلى اصطلاحات تداولها الأقدمون، وألفاظ تخص هذا الفن، تعارفوا عليها فيما بينهم وأعاد استعمالها في البحث المعاصر إحياء لما أثره الأولون).
ويؤكد الباحث الشيباني ميله إلى صنيع الفريق الثاني، لأن عبارات الأسلاف (لا تخلو من اصطلاحات في هذا الشأن)، ما يعني أن معجمه الفريد مستمد ومستنبط مما ورد من شوارد في المخطوطات خالجت أذهان المؤلفين والنساخ، وبتتبعه الدقيق استطاع أن يستخرج 555 مصطلحا، تعامل معها المؤلفون الأوائل وأتقنها النساخ، ونظرا لغموضها فإنه في هذا المعجم يقربها إلى أذهان القراء بتقديم تعريف سهل وميسر، مع التوضيح على كل تعريف بالأمثلة والصور الملونة من صفحات المخطوطات العمانية.
يقسم الباحث الشيباني معجمه بحسب تسلسل الحروف الهجائية، بدءا بحرف الألف المهموز، وانتهاء بحرف الياء، مضمنا كل كلمة بحسب موقعها بتسلسل حرفها، ومن تتبع فهرسة الكتاب يمكن ملاحظة أن حرف الألف يتألف من 44 لفظا معجميا، يبدأ بلفظ: ابتداء النسخ، ويعرفه الشيباني أنه قيد يكتبه الناسخ أول المخطوط غالبا ليؤرخ فيه زمان ابتدائه كتابة المخطوط، وتفيد معرفة بيانات النسخ للمخطوطات المنقطة من الآخر.
ثم يضرب مثلا على ذلك، من بينها نسخة لمصحف شريف في مكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي منقطع الآخر، وتم التوصل إلى بيانات نسخه من تقييد للناسخ في أوله، وهو هلال بن سعيد بن ثاني بن عرابة الأوسي، يوم الجمعة 16 ربيع الأول 1260هـ، كما يشير إلى مخطوط الإخلاص بنور العلم؛ للشيخ ناصر بن جاعد الخروصي (ت 1262هـ)، في مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، سقطت ورقته الأخيرة، لكن الناسخ قيد ابتداء نسخه سنة 1267هـ.
كما يفيد قيد ابتداء النسخ في معرفة المدة الزمنية التي يستغرقها النساخ قديما للكتابة، فقد لا تتجاوز أياما معدودة، وقد تصل إلى سنوات، ويضرب الباحث أمثلة على هذا، من بينها مخطوط «الدراية وكنز الغناية ومنتهى العناية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمئة آية وفيه رد أبي الحواري»، قيد الناسخ ابتداءه في كتابته نهار السبت 21 شعبان 1033هـ، وفرغ منه نهار الأربعاء 22 صفر 1034هـ، بقلم: مسعود بن مبارك بن فارس الربخي، ثم يورد الباحث أمثلة كثيرة من مخطوطات تقاربت وتباعدت أزمنة نسخها.
وفي سياق تعريفه لا يفوت الباحث أن يحيل القارئ إلى كل ما يرد ذكره في الكتاب، إذ أحال في تعريفه هذا إلى مصطلحي «القيود»، ولفظ «المنقطعة»، حيث يرد لها تعريف تفصيلي في هذا المعجم، الميسر والمفصل في آن، مع تسقيط صور من صفحات المخطوطات العمانية فيما يرد له ذكر.
ويتواصل تعريف الألفاظ التي تبتدأ بحرف الألف، لتشمل 44 لفظا، من بينها: الإبطال، والآثار، والأثر، والإجازة، وأجرة الناسخ، والاختصار، والإخراج، والأديم والأرجوزة .. ألخ.
ونظرة إلى قائمة حرف الباء ثمانية ألفاظ فقط، تبدأ بلفظ الباب، ويعرف الباحث بأن أصله المدخل للشيء، ومنه يقال في كتب العلم: باب كذا، وبوَّب الكتاب تبويبا: جعله أبوابا متميزة، ثم لفظ البخشة، وهو اصطلاح عماني يعني لفافة من قماش، تستعمل لحفظ المخطوط، ويأتي بصورة للبخشة من خزانة ساعد بن سعيد بن سعيد الريامي، ويحيل في تعريفه إلى ألفاظ أخرى يرد له تعريف في المعجم، من بينها: (الإضبارة والإضمامة والضمامة)، أما بقية الألفاظ التي تدخل في حرف الباء فهي: البروة، وبري القلم، والبطانة، وبطن الكتاب، والبياض، وبيان.
وفي قائمة حرف التاء 87 لفظا، تبتدأ بلفظ : تاريخ النسخ بالشِّعر: يعرفها الباحث الشيباني بأنه تقييد فراغ الناسخ من كتابة المخطوط في قالب شعري، وهو شائع عند العمانيين، وقد يتولى النظم شاعر آخر غير الناسخ، مع ما يناسبه من أمثلة وصور يوظفها الباحث بتتابع رشيق، يعطي للمعجم نشوة بصرية وكأنه يتصفح خزانة من المخطوطات القديمة.
وينتهي المعجم بحروف الهاء والواو والياء، جمعها كل في قائمة واحدة لقلة عدد ألفاظها، يتضمن حرف الهاء لفظا واحدا فقط وهو لفظ الهامش، ويعرفه بأنه البياض المتبقي من ورقة المخطوط بعد كتابة النص الأصل، ويتخذ لكتابة التعليقات والحواشي عليه، ويكون البياض غالبا على جانب الورقة، وأحيانا بين السطور، خاصة في الكتب الموقوفة على المتعلمين.
ثم حرف الواو ويتضمن 13 لفظا، تبدأ بلفظ: الواسطة، وهو الوسيط بين الناسخ والمنسوخ له، ويرتبط هذا اللفظ بلفظ القائم بالنسخ الذي يشير إليه الباحث في تعريفه، ثم تأتي بقية الألفاظ المندرجة في قائمة حرف الواو وهي: الواقف، والوثيقة والوراق، والوراقة (صنعة الوراقة)، والورق المُبيَّض، والورق، وورقة التاريخ، ورقة الفلج، والورقة، والوشي، والوقر، والوقفية (المخطوطات الوقفية).
ويختتم المعجم بحرف الياء وليس له إلا لفظ واحد وهو اليراع، وهو آخر لفظ ومصطلح يورده الباحث سلطان الشيباني في معجم الرائع، يحمل هذا اللفظ رقم 555، ويعرفه بأنه القلم المصنوع من القصب، وله طرق خاصة لصناعته وبري، تختلف باختلاف أنوع الخطوط من نسخ وثلث وفارسي وغيرها، ويورد الشيباني أنموذجا لما ورد للفظ اليراع من ذكر في النصوص، من بينها رثاء الشاعر العماني عبدالله بن ماجد الحضرمي (ت 1396هـ) في رثاء أخيه الناسخ سليمان بن ماجد الحضرمي (ت 1379هـ، قوله شعرا: (فإن لم أبك دمعا أبك درا .. بنحر الطرس من بحر الحجاء. كما يبكي أنامله يراع .. مشى في الطرس مشي الهندباء).
من جانب آخر حققت الألفاظ المندرجة تحت حرف الميم عددا بلغ 110 ألفاظ، ابتدأت بلفظ: المالك، وهو الشخص الذي يملك الكتاب، وينتهي بلفظ: المئبر، وهي آلة لخرق الأوراق عند انتظامها، حتى تشك وتضم إلى بعضها، وينطقها العمانيون بتسهيل الهمزة: الميبر، ثم يحيل إلى لفظ (آلات النساخة).
الرائع في هذا المعجم هو تلك الصور المنتقاة من خزائن العلم العمانية لأمهات المخطوطات، تكشف عن خطوط جميلة وتنسيق بين السطور، كما تكشف شكل الورق، واعتناء النساخ والمؤلفين بالكتب، لتخرج منسوخة بأيادي مهرة، تمرست في غمس الأقلام في دواة الأحبار، وقلما تجد نقط سقطت في أحد الحروف أو بين الكلمات، باعتناء بالغ يدل على شغفهم بنسخ الكتاب. إن معجم ألف باء المخطوطات العمانية يستحق أن تقام له ندوة ثقافية خاصة به، لما يتضمنه من مادة معجمية تمثل مفاتيح لعلم المخطوطات، ولما يحويه من صور ضوئية منتقاة من صفحات المخطوطات العمانية، وبما تتضمنه من زخارف نباتية وهندسية، تأخذ قارئ الكتاب في نزهة ثقافية إلى عالم نسخ الكتب في الأزمنة الماضية، وأنواع خطوط اليد وأشكالها الزخرفية، والأقلام والأحبار التي كتبت به، وكأنها حاضرة بيننا. جدير بالذكر أن للباحث سلطان بن مبارك الشيباني مجموعة من العناوين تتناول دراسات بحثية في علم التراث الفكري والثقافي العماني «المخطوطات» وتحقيقها، صدرت أكثرها عن مركز ذاكرة عمان.