2018 ..الصحافة في مواجهة أسئلة العصر.. تطلعات كثيرة وأجوبة قليلة

تقرير : عاصم الشيدي –

لم تبق إلا ساعات بسيطة ويلفظ العام الجاري أنفاسه الأخيرة ونضع أولى خطواتنا في العام الجديد الذي سنتمنى أن يكون مختلفا عن الأعوام التي سبقته وأن يأتي بجديد على كل المستويات. كان عام 2018 مليئا بالأحداث السياسية والاقتصادية محليا وخليجيا وعربيا وعالميا وملتهبا على كل الأصعدة إلا أن البعض يرى أن المشهد الثقافي في السلطنة لم يستطع أن يواكب الأحداث قراءة وتحليلا واستشرافا وبقيت أغلب الفعاليات الثقافية هامشية لا يربطها رباط المشروع الثقافي الذي يعرف إلى أين يعبر وفي أي اتجاه يسير، ولا تنطلق الكثير من تلك الفعاليات من متطلبات المرحلة التي تكثر أسئلتها وتتعقد دون أي إجابات تلوح في الأفق.
وبذلك لا يمكن الحديث عن مشروع ثقافي تنويري برز خلال العام الذي يوشك على الانصراف أو أن يكون قد أسس لخيوط يمكن البناء عليها خلال العام الذي تستعد عتباته البروز مع إشراقة شمس يوم غد الثلاثاء.. وهذا أمر ليس محليا، مع الأسف الشديد، ولكن كل البلاد العربية تخلو من مشروع ثقافي تنويري يمكن أن يضيف لمحة صفاء على عموم المشهد العربي المكفهر. وكأن الوضع السياسي الذي تمر به الأمة قد أثر على الجوانب الثقافية. رغم أن عُمان وكما يرى الكثيرون هي أفضل حالا من الكثير من البلاد العربية نظرا لحالة الاستقرار التي تعيشها وحالة الوعي المتشكلة لدى نخبها الثقافية. ولذلك يمكن النظر إلى الفعاليات الثقافية التي شهدها عام 2018 بشيء من الرضى خاصة في سياقها الفردي بعيدا عن ربطها بإطار يمكن أن يؤسس لفكرة المشروع.

معرض الكتاب

يبقى معرض مسقط الدولي للكتاب أحد أهم الفعاليات الثقافية كل عام وهو الفعالية التي يمكن النظر إليها من زاوية المشاريع الثقافية التنويرية. وشهدت النسخة الأخيرة من المعرض تزايدا كبيرا في أعداد دور النشر المشاركة وفي العناوين المعروضة حيث بلغت 500 ألف عنوان قدمتها 783 دار نشر من 28 دولة من دول العالم، وكرس المعرض خلال دوراته الأخيرة فكرة تحوله إلى حالة معرفية إنسانية إضافة إلى كونه حالة اقتصادية.
لكن معرض الكتاب لم يبقَ فعالية لبيع الكتب ولكن تحول إلى منتدى ثقافي، حيث شهدت أيامه العشر أكثر من 200 فعالية في مختلف مجالات الثقافة بدءا بتوقيع الكتب وليس انتهاء بالندوات الفكرية والمعرفية والعروض المسرحية.
وشهد معرض مسقط الدولي للكتاب في دورته الأخيرة تدشين أكثر من 200 عنوان لكتاب عمانيين غلب عليها الكتب الأدبية، وإنْ كانت الكتب العلمية والفكرية بدأت تأخذ نصيبا كبيرا بين الإصدارات العمانية في السنوات الأخيرة.
وشهدت الدورة الأخيرة من معرض مسقط الدولي للكتاب نقاشا كبيرا حول جدوى مصادرة الكتب في زمن الفضاءات المفتوحة والكتاب الإلكتروني الذي ينتقل للعالم أجمع بضغطة زر. ورغم الجدل الكبير الذي عادة ما يصاحب معارض الكتب إلا أن هذا الموضوع ما زال يضع معارض الكتب في العالم العربي وفي السلطنة أمام محك الحرية وفكرة الترويج المجانية للكتب المصادرة.

الشعر الشعبي على قارعة الأسئلة

وفيما كان العام 2018 يوشك على الرحيل أعلن أسماء الفائزين بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب والتي فاز بها كل من الباحث حمد بن عبدالله السكيتي عن كتابه «السنة النجمية العمانية لمحافظة الظاهرة» وذلك عن فرع الثقافة مجال دراسات التراث غير المادي، فيما فاز عن فرع الفنون مجال الأفلام القصيرة المخرج عيسى الصبحي عن فيلمه القصير «الأسود لا يليق بكِ» فيما حجبت جائزة فرع الآداب والذي كان قد خصص لمجال الشعر الشعبي نظرا لعدم استيفاء الأعمال المشاركة لشروط لجنة التحكيم. الأمر الذي أثار الكثير من الأسئلة حيث كان الخطاب السائد أن الشعر الشعبي في عمان يشهد تطورا كبيرا وتكاد نصوصه توازي الشعر الحديث من حيث بناء الصورة الشعرية.

مهرجان الشعر
ونظمت وزارة التراث والثقافة النسخة الحادية عشرة من مهرجان الشعر العماني والتي أقيمت في محافظة مسندم على مقربة من مضيق هرمز في محاولة لإسماع صدى النزاعات الدولية على فكرة إغلاق المضيق وما يمكن أن ينتج عن ذلك من صراعات عسكرية صوت الشعر وهمسه وهو يحلق بالنفس الإنسانية بعيدا عن كل التفاصيل الدونية إلى سماوات الفكرة وعذوبتها. إلا أن مهرجان الشعر هو الآخر لقي الكثير من النقد لعدم قدرته على النمو والتحول إلى مهرجان شعري جماهيري له تقاليده الصارمة التي لا تتهاون في اختيار الضيوف وفي اختيار الأسماء المكرمة.
وبعد نجاح جهود وزارة التراث والثقافة في إعداد ملف متكامل عن مدينة قلهات احتفلت السلطنة خلال العام الجاري باختيار المدينة التاريخية لتكون ضمن مواقع التراث الإنساني، فيما بقيت هناك عدة ملفات قيد الإعداد والبحث لدخول مواقع تراثية عمانية أخرى ضمن مواقع التراث العالمي.

مؤسسات المجتمع المدني

في سياق آخر كان عام 2018 عام أحداث ارتبطت بمؤسسات المجتمع المدني. وإذا كان العام قد بدأ بانتخابات شهدتها جمعيتا الكتاب والأدباء والصحافة فإن العام قد شهد وهو في طريقه للأفول صدور قرار بدمج جمعية المسرح مع جمعية السينمائيين، وهو القرار الذي لقي الكثير من الاستغراب، ليس لأن جمعية المسرح منفصلة في كل العالم عن جمعية السينما ولكن لأن القرار اتخذته وزارة التنمية الاجتماعية دون الرجوع إلى إدارتي الجمعيتين ودون موافقة الجمعية العمومية في كلا الجمعيتين أيضا. ويرى البعض أن هذا القرار ستكون له تداعيات خلال العام القادم نظرا لوجود استحقاق انتخابي في جمعية السينما التي صارت إدارتها هي إدارة الجمعية الجديدة التي حملت اسم «الجمعية العمانية للسينما والمسرح».
وليس بعيدا عن جمعيات المجتمع المدني فقد وصلت إدارة جديدة لجمعية الصحفيين برئاسة الدكتور محمد بن مبارك العريمي وإن بقيت وجوه عديدة من الإدارة القديمة إلا أن الكثير من الصحفيين ينظرون إلى الأمر باعتباره تغييرا حقيقيا، حيث بدأت الجمعية في صناعة حراك ثقافي مواز لبقية مؤسسات الثقافة في السلطنة، وأعلنت الجمعية عن إنشاء منتدى صحفي عماني أوروبي ودشنت نسخته الأولى في مدينة باريس وعقدت ضمنه ندوة موسعة في منظمة اليونسكو.
واستمرت فعاليات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء متواصلة خلال العام باعتبارها مؤسسة المجتمع المدني الأكثر اشتغلا في الجانب الثقافي من غيرها، ونشطت الجمعية في حركة الإصدارات حيث أصدرت الجمعية خلال العام 2018 حوالي 31 عنوانا تنوعت بين الروايات والدواوين الشعرية والكتب الفكرية وبقية صنوف المعرفة.
وشهد شهر مارس من عام 2018 تنظيم النسخة العاشرة من مهرجان مسقط السينمائي الذي تنظمه الجمعية العمانية للسينما «قبل أن تتحول إلى الجمعية العمانية للسينما والمسرح». وسجلت النسخة العاشرة من المهرجان نجاحا جيدا
وشارك في المهرجان مجموعة من الأفلام من مختلف دول العالم منها 16 فيلما طويلا و7 أفلام وثائقية و23 فيلما قصيرا.
كما نظم المهرجان ندوة حول السينما وحرية التعبير، وورشة أخرى حول كيفية صناعة الفيلم بالهاتف المحمول. ورغم النجاح الذي حققه المهرجان والمشهد الذي أضافه في الساحة الثقافية العمانية إلا أنه أعاد طرح سؤال قديم حول صناعة السينما في السلطنة ومتى تلقى الجهات التي تدعمها في ظل وجود كواد إخراجية عمانية.

سؤال التاريخ

وشهد عام 2018 حديثا طويلا وحادا حول مفردات التاريخ العماني وشخصياته التي لم تنل الكثير من الدراسة والبحث حتى جاء من يدعيها لتاريخه ويحرف سياقها التاريخي. ورغم أن علاج مثل هذه القضايا بقي دون المأمول إلا أن القضية أكدت على شراسة العمانيين عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن تاريخهم وتراثهم. وفي هذا السياق نظمت جامعة نزوى ندوة موسعة عن القائد العماني المهلب بن أبي صفرة الذي ذاع صيته في التاريخ العربي حتى صار من سياق الفخر أن ينسبه كل قوم لتاريخهم.

كأس العالم

وفي مجال التصوير الضوئي فقد حافظ أعضاء الجمعية العمانية للتصوير الضوئي على كأس العالم للدورة الثالثة على التوالي في المسابقة العالمية التي ينظمها اتحاد الفياب للتصوير الضوئي. وعكس الفوز التطور الكبير الذي شهده قطاع التصوير في السلطنة نتيجة الاهتمام الذي يوليه القائمون على الجمعية ونتيجة وجود جيل من المصورين المحترفين أو الساعين للاحتراف.

حضور عربي

وإذا كان من وقفة يمكن أن يقفها المتتبع لحصاد المشهد الثقافي العماني قبل أفول العام فإن الوقفة الأهم هي مع حضور المثقف العماني كاتبا وشاعرا وروائيا وفنانا تشكيلا ومفكرا في المحافل العربية والعالمية. فلم تعد تلك المنابر اليوم حكرا على مثقفي دول المركز بل أصبحت الأطراف اليوم أكثر فعالية، ولذلك كان للمثقف العماني حضور فاعل في الفعاليات الثقافية خليجيا وعربيا وإقليميا وفي الكثير من المناسبات عالمية. ووازى الحضور الفردي حضور للكتاب العماني الذي صار يتنقل من معرض كتاب إلى آخر وصار هناك من يسأل ويبحث عن الكتاب العمانيين وإصداراتهم الأدبية والفكرية، وهذا بحد ذاته مؤشر جيد، ومساعد لبناء أي مشروع ثقافي تنويري.

الصحافة في المحك

وفي المجال الصحفي فإن عام 2018 واصلت فيه الصحافة الورقية تحدياتها أمام الصحافة الإلكترونية وأمام وسائل التواصل الاجتماعي التي حجمت من دور الصحافة وانتشارها. وتعاني الصحف الكثير من التراجع في حصتها من الإعلانات نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها المنطقة الأمر الذي راكم مشكلة الصحافة وفتح باب السؤال أمام آليات الانتقال من الورقي إلى الإلكترونية.