مستقبل القوات الألمانية في «الهندكوش»

سمير عواد –

منذ سنوات تضع الحكومة الألمانية تقريرا سنويا حول الوضع الأمني في أفغانستان ومنذ سنوات تتصدره عناوين متشائمة.
منذ عام 2001 لم يختلف الوضع مع قرب عام 2019، أما الآن، وبعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خفض عدد جنود بلاده في أفغانستان إلى النصف، يخشى الألمان على أرواح جنودهم في الهندكوش.
منذ سبعة عشر عاما يشارك الألمان في مهمة الهندكوش وكان المستشار الألماني جرهارد شرودر قد واجه الصحافة بعد ساعات على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وقال بصوت مهزوز: إن ألمانيا تعلن تضامنها اللامحدود مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد أيام كانت طلائع الوحدة العسكرية الألمانية الخاصة KSK تنضم إلى الوحدات العسكرية الأمريكية الخاصة التي بدأت حينها تطارد فلول طالبان وتنظيم (القاعدة).
وبعد أشهر تبعت الإطاحة بنظام طالبان ودحر (القاعدة) من هناك، أرسلت ألمانيا قوات عملت بداية في مشروعات بناء مدارس وشبكات المياه، ثم اضطرت إلى حمل السلاح مع جنود تحالف دولي وصل عددهم في بداية المهمة إلى 130 ألف جندي، وسقط ما يزيد عن 50 جنديا ألمانيا خلال السنوات الماضية، أما الآن فإن برلين تخشى أن يؤدي خفض عدد الجنود الأمريكيين إلى تشجيع طالبان على شن المزيد من الهجمات مثلما حصل عشية عيد الميلاد.
وبينما تحاول الحكومة الأفغانية الإيحاء بأنها قادرة على تحمل عواقب قرار الولايات المتحدة الأمريكية بالانسحاب من أفغانستان، على الأقل في العلن، يدور جدل في برلين حول سلبيات قرار ترامب.
وقال ناطق باسم الرئيس الأفغاني أشرف غاني: إنه إذا استجاب الأمريكيون إلى قرار ترامب، وقاموا بسحب نصف عدد جنودهم في أفغانستان البالغ حاليا أربعة عشر ألف جندي، سوف لن يكون لذلك عواقب على الوضع الأمني في أفغانستان. وأضاف: منذ سنوات أصبح الجنود وعناصر الشرطة المحليون يتحملون مسؤولية تحقيق الأمن والاستقرار في أفغانستان، لكن هذا نصف الحقيقة كما يقول دبلوماسيون ألمان.
من جهة يمكن القول إن الناطق الأفغاني على حق، لولا حقيقة أن طالبان تسعى في الفترة الحالية وأكثر من أي وقت سبق، إلى توسيع نفوذها داخل أفغانستان والتوغل في المزيد من المناطق. وبحسب بعض المراقبين المستقلين، فإنهم يعتقدون أن حكومة كابول فقدت سيطرتها على نصف مساحة أفغانستان. كما يتبنى خبراء في الشؤون الأفغانية مواقف متشائمة ومقلقة مثل مسؤول أفغاني كبير سابق رفض أن يتم نشر اسمه الذي أبلغ صحيفة (زود دويتشه) الألمانية أن قرار الأمريكيين بخفض عدد جنودهم في أفغانستان إلى النصف يتم في وقت غير مناسب.
وأضاف: إن هذه الخطوة سوف ترفع معنويات طالبان التي سوف تنتظر انسحاب جميع القوات من أفغانستان حتى تعلن عن رفضها الشروط التي وضعتها الحكومة الأفغانية من أجل السلام.
وتجدر الإشارة إلى أن وسائل إعلام أمريكية أكدت أخيرًا أن الرئيس ترامب أمر بخفض عدد الفرقة العسكرية الأمريكية في أفغانستان إلى النصف. واتخذ ترامب هذا القرار دون التشاور مُسبقا مع حلفاء الولايات المتحدة في أفغانستان، مثل قراره بشأن سحب القوات الأمريكية في سوريا الذي فاجأ حلفاءه هناك.
وأوضحت صحيفة (زود دويتشه) أن قرار خفض عدد الجيش الأمريكي في أفغانستان يأتي في مرحلة جلس فيها قادة طالبان أمام مائدة المفاوضات مع دبلوماسيين أمريكيين كبار وذلك لأول مرة منذ سبع عشرة سنة، لغرض الحديث عن فرص السلام.
في هذا الإطار، التقى زلماي خليل زاد، المبعوث الأمريكي الخاص لأفغانستان وهو من أصل أفغاني، مع ممثلين عن طالبان، غير أن خبراء في واشنطن يعتبرون اتخاذ ترامب هذا القرار يأتي في وقت خطأ.
وصرح جيسون كامبل الذي كان حتى وقت قصير مسؤولا عن ملف أفغانستان بوزارة الدفاع الأمريكية لوكالة الأنباء البريطانية (رويترز): إننا نقدم إليهم نصف ما يرغبون به.
وسوف يكون لقرار خفض عدد الجنود الأمريكيين في أفغانستان انعكاسات على مهمة الجيش الألماني هناك.
ويبلغ عدد الجنود الألمان العاملين في مهمة أفغانستان التي لا تحظى بشعبية لدى الرأي العام الألماني، حوالي ألف جندي، ويعتمدون كثيرا على تعاونهم مع الجنود الأمريكيين الذين يُشكلون حتى الآن أكبر قوة عسكرية أجنبية في أفغانستان.
وقد أثار قرار ترامب سخط السياسيين الألمان فبينما تتحفظ الحكومة الألمانية انتقد كريستيان ليندنر رئيس الحزب الليبرالي المعارض قرار ترامب الانسحاب من سوريا وخفض عدد الجنود الأمريكيين في أفغانستان إلى النصف وحذر السياسي الألماني من أن ذلك سوف يُهدد الاستقرار في كل من البلدين.
وقال ليندنر لوكالة الأنباء الألمانية: ترامب يجازف بزعزعة الاستقرار في هاتين المنطقتين فقط من أجل الحصول في آخر النهار على تصفيق من مؤيديه.
وأكد ليندنر أن ترامب سيخلف وراءه في أفغانستان فراغا أمنيا سوف يضر بمواقف القوى الديمقراطية في أفغانستان بحيث يُضعف جهود السلام ويوفر فرصة لطالبان طالما انتظرتها.
ويتذكر الألمان عبارة بيتر شتروك وزير الدفاع الألماني الراحل الذي قال مبررًا مهمة أفغانستان لإقناع الرأي العام الألماني بها: تدافع ألمانيا عن أمنها في منطقة الهندكوش.
اليوم لم يعد أحد يؤيد هذا الموقف ولا يكرره، لكن أورسولا فون دير لاين، وزيرة الدفاع الألمانية الحالية، زارت أفغانستان قبل عيد الميلاد واطلعت على الوضع الأمني المتدهور هناك وقالت: إن أفغانستان تحتاج إلى كثير من الصبر، أما الآن فإن الوزيرة تشعر بقلق أكثر من الماضي، لأن الجنرالات الألمان يخشون على أرواح جنودهم أكثر بكثير من السابق ومع كل جندي قتيل يعود في صندوق خشبي إلى بلاده، سوف يزداد عدد الأصوات التي تطالب بالانسحاب من مهمة لا جدوى من استمرارها برأي غالبية الألمان.