كاظم الساهر من فوق كرسي الاعتراف: الجمهور ما زال يعشق كلمات نزار قباني.. أما أنا فلا أحب الغناء الحماسي

الزميل عاصم الشيدي خلال حواره مع الفنان كاظم الساهر

زمن الألبومات انتهى ودورها توثيق حضور الفنان –
نزار قباني أراد غزو الوطن العربي بغناء «زيديني عشقا» –

في مشهد قديم يعود إلى نهاية ثمانينات القرن الماضي أو مطلع تسعيناته كنت أجلس وبعض أخوتي الصغار نشرب شاي الصباح في «حوش» بيتنا بولاية صحم، وكان فوق النافذة الصغيرة «مسجل» صغير بحجم شريط الكاسيت، وعبره كان ينساب صوت الفنان كاظم الساهر الذي بدأنا نعرفه في ذلك الوقت وهو يغني «عــــــبرت الشط على مودك وخليتك على راسي» وكانت الأغنية قد أخذت في الانتشار بين أصدقائي من الذين بدأوا في تلك المرحلة العبور باتجاه سن المراهقة.. ســينتشر كاظم الساهر لاحقا ويصبح أيقونة من أيقونات المراهقة عند الكثير من شباب جيلي عبر تغنيه بقصائــــد نزار قـــــــباني.. تلك القصائد التي كثيرا ما كانت هي الأخرى تبات مخبأة تحت مخدات المراهقين والمراهقات.

ما زال ذلك المشهد مرتسما في ذاكرتي، وأنا «أغمّس» الخبز في الشاي وأدندن على وقع «عبرت الشط»، وأذكر في تلك المرحلة أنني سمعت كاظم الساهر يغني في الكويت قبيل الغزو العراقي ويقول لجمهوره «عبرت الشط وجئتكم» وهذه العبارة ستبقى هي الأخرى راسخة في ذهني ربما عبر ارتباطها بما حدث بين العراق والكويت بعد وقت قصيرة منها. ستمضي قرابة ثلاثة عقود على ذلك المشهد الصباحي جرت خلاله الكثير من المياه تحت الجسور وإلى جوارها، وسيكون كاظم الساهر «قيصر» الأغنية العربية، وأحد كبار المغنين في العالم، والفنان العالمي الثاني بعد مدونا الذي يحمل في جيبه مفتاح مدينة سيدني بأكملها.. سيمضي الزمن وسألتقي بالقيصر قبيل بدء حفلته الثانية في دار الأوبرا السلطانية مساء الخميس الماضي، وسنستعيد الحديث عن «عبرت الشط» التي غناها وكان ما زال طالبا في معهد الدراسات الموسيقية في بغداد، وكاد يطرد من المعهد بسببها. كان أساتذته يدرسونه المقامات العراقية بكل ما تحمله من فخامة فيما يختار هو لحنا شعبيا لأغنيته؛ ما أثار حفيظة أساتذته «الملتزمين» الذين تداعوا لفصله من الكلية لولا أن وجد منقذه في قصيدة للشاعر نزار قباني.
لم يكن حينها كاظم الساهر قد التقى بنزار قباني وجها لوجه، ولكنه وجد قصيدته «إني خيرتك فاختاري» فلحنها سريعا وقدمها في حفل الطلبة في المعهد، الأمر الذي جعل أساتذته الذين كانوا يتداعون لفصله يقفون احتراما وإعجابا بالأغنية التي قدمها. سيتذكر كاظم ما قاله صحفي عراقي ساخرا منه عندما دخل لحفلة الطلبة في المعهد «جاء عبّار الشطوط»، لكن عبّار الشطوط لم ينكسر وبقي يعبر من ضفة إلى أخرى إلى أن صار نجما من نجوم الغناء ليس في العالم العربي فقط ولكن في العالم شرقه وغربه، حتى أن أغانيه تدرس في جامعة هارفرد الأمريكية، وأغنيته «أنا وليلى» حصدت المركز السادس عالميا في استفتاء أجرته هيئة الإذاعة البريطاني «بي بي سي»، وفي عام 2004 شارك بأغنية «نريد السلام» في أولمبياد أثينا وكان الفنان العربي الأول الذي يشارك في محفل بحجم هذا المحفل !!
قال كاظم الساهر وهو يجلس لنبدأ الحوار «ها أنا أجلس على كرسي الاعتراف»، قلت له وسنستحضر الشاعر الكبير نزار قباني فكان رده: رحمة الله عليه، كان أستاذا وشاعرا كبيرا.
■ قلت له كيف تنظر لعلاقتك به بعد كل هذه السنوات وبعد عقدين على رحيله؟ كيف تقيمها اليوم؟
وبدون تفكير قال كاظم: كانت علاقة عظيمة، وثمرتها ما نراه اليوم من محبة الناس ومن فرحة في عيونهم وهم يستمعون إلى أشعاره تغنى.. أرى فرحة كبيرة في عيون الجمهور وأنا أغني قصائد الاستاذ «كان لا ينطق اسمه دون أن يسبقه بلفظ الأستاذ»، وعندما أسمع آراءهم وهم يتحدثون بعد كل حفلة أشعر بالسعادة، يقولون «أنت تحلّق بنا فوق السحاب وتأخذنا إلى أماكن لم نرها من قبل في حياتنا فيما نحن نجلس فوق كراسينا مغمضي العيون».
يتوقف كاظم قليلا عن الكلام قبل أن يعود وكأنه تذكر شيئا مهما فيكمل: ولكن أيضا لا ننسى الشاعر كريم العراقي، ندعو له بالصحة فهو يمر بظروف صحية، وكريم عملت معه كثيرا وغنيت من أشعاره أكثر من 50 أغنية.
وعندما سألته إن كانت معرفته بنزار قباني قد غيرت مسار فنه إلى ما نرى اليوم قال دون تفكير:
قد تنصدم عندما تعرف أنني لحنت قصيدة «زيديني عشقا» وعمري 16 عاما فقط، منذ طفولتي كنت أحب وأحفظ أشعار نزار قباني، في ذلك الوقت لحنت المذهب وتركتها، وعندما التقيت بالأستاذ نزار قباني قال لي: عندي أغنية سنغزو بها الوطن العربي، وعندما أخبرني بها قلت له: لحنتها وعمري 16 عاما، انبهر بما سمع وطلب مني أن أكملها. كنت مغرما بأشعاره، وكنت أحفظها وأسمعها لحبيبتي في ذلك الوقت، ولذلك عرفت شعره قبل أن أعرفه حقيقة، وبدأت ألحن قصائده، كنا جميعا في تلك المرحلة من العمر مغرمين بقصائد قباني ونحفظها ونسمعها لحبيباتنا.
كان معروفا أن نزار قباني معتد بنفسه وبشعره، وكاظم الساهر صعب جدا خلال اختياره وانتقائه للقصائد التي يريد غنائها، يدقق فيها ويراجعها كثيرا ويبدل ما يعتقد أنه لا يسير مع رتم الجملة الموسيقية..
■ فقلت له: إلى أي مدى كان نزار قباني يرضخ لمزاجك في اختيار القصائد، ورغبتك في تغيير بعض الكلمات والمقترحات التي تقدمها للشاعر؟
فكر كاظم قليلا قبل أن يقول: أذكر جيدا عندما كنا نقرأ النصوص واسكت عند سطر من سطور القصيدة، كان نزار يفهم أن هناك ما لم يعجبني.. كان يعرف خجلي وعدم قدرتي على القول المباشر. لكنه كان يعرف أن بعض الجمل لا يسير مع رتم الجملة الموسيقية ولذلك لا يتأخر، كثيرا، على الموافقة والتغيير.
يكمل كاظم حديثه بالقول: هناك الكثير من القصائد جميلة عندما تلقى، ولكن يواجه الملحن معها صعوبة كبيرة، وشعر نزار من هذا النوع. وأنا أبحث فيه عن السهل الممتنع من أجل توصيله للناس.. كما أن شعر نزار صعب جدا، جملته الشعرية تحمل روحا عالية ولذلك تكمن الصعوبة في كيفية قدرة الجملة الموسيقية على مواكبة ذلك الرقي لتكون معها بنفس الروح ونفس التحليق.
يعود كاظم للصمت قليلا قبل أن يقول: لذلك هناك من غنى قصائد نزار ولكنه لم يوصلها بروح لامست المستمعين.. وأنا أتعب «والحديث لكاظم» كثيرا من أجل أن أجعل اللحن يواكب الكلمات الساحرة، والجمهور يستحق كل هذا فأنا أعتبره عائلتي، وهو أول ما يدافع عني في المحن التي أمر أو تمر بي وعلى ذلك يستحق التعب ويتحقق مثل هذا الجمال.
لم أرد الخروج من سياق الفكرة، سألته من كان يرضخ للآخر ويقدم تنازلات أكثر أنت أم هو؟
كان الأستاذ يؤمن بي، وكان كثيرا ما يقول: أنت يا كاظم شاعر أيضا وأنا أحترم وجهة نظرك، واحترم رؤياك الموسيقية مع الشعر.
يتذكر كاظم قليلا قبل أن يعود ليكمل حديثه: آخر أغنية كتبها قباني لي كانت:
«أحبك جدا»
أحبك جدا
وأعرف أن الطريق إلى المستحيل طويـل
وأعرف أنك ست النساء
وليس لدي بديل
وأعرف أن زمان الحنين انتهى
ومات الكلام الجميل»

هذه القصيدة كان يكتبها وهو على فراش المرض، وكان وضعه الصحي سيء جدا، وكانت ابنته هدباء تقول له: «يكفي يا أبي أنت متعب» فكان يرد عليها لا يا هدباء، أغنية كاظم لا بد أن تكتمل. هذا احترام كبير منه وهو قامة كبيرة.. كان شاعرا عظيما لكنه في الوقت نفسه كان إنسانا بسيطا وراقيا جدا. ولا أفضل استخدام كلمة «يرضخ» ولكنه كان يتفهم كثيرا وجهة نظري ويؤمن بها.
■ سألت كاظم إن كان جمهور التسعينات وبداية الألفية الذي استقبل أغانيه المأخوذة عن قصائد نزار قباني وكأنها الفتح الغنائي الكبير، هل ما زالت تلك الروح موجودة اليوم في الجمهور أم أن التغيرات الكثيرة التي شهدها الفن في العالم العربي قد أثرت على الأمر؟
جاء رد كاظم سريعا. بالعكس، ما زالت تلك الروح حاضرة حتى اليوم، آخر أغنية غنيتها من أشعار نزار كانت «عيد العشاق» وهي التي نفتتح بها أغلب الأمسيات والحفلات الآن، وإذا لم أغنها يزعل الجمهور، وما زالت «مدرسة الحب» من أكثر الأغاني التي يطلبها جمهوري، وكذلك «زيديني عشقا»، وهذا دليل أن الجمهور الحقيقي لم تتغير ذائقته.
■ هل تعتقد أن النص الشعري يفقد بعضا من جماله بعد أن يتم التدخل في بعض كلماته لصالح الجملة الموسيقية؟
لا أعتقد ذلك أبدا. وسأخبرك بقصة، عندما انتهيت من تسجيل أغنية «زيديني عشقا» اتصل بي الأستاذ نزار، وقال لي: لدي إضافة جديدة على القصيدة! تفاجأت وأخبرته أنني أنهيت التسجيل، فقال لي: يا كاظم نزار له حق حتى لو أنهيت التسجيل. ضحكت وقلت له لك كل الحق. وأضاف سطرين هما «يا أحلى امرأة بين نساء الكون أحبيني، يا من أحببتك حتى احترق الحب أحبيني» ألم تعطي هذه الإضافة جمالا للقصيدة والأغنية؟ ثم هناك الكثير من نصوصه عندما تعود إلى الدواوين القديمة لا تجد فيها عبارات كثيرة، وجمل شعرية عدة ولكن تجدها في الأغنية وقد لاقت الكثير من النجاح والكثير من حب الجمهور. كنت أسافر له في لندن لنجلس ونقرأ ونختار ما يمكن أن نغنيه، ونتناقش في التغيرات التي نحذفها أو نضيفها هنا أو هناك، ونزار بحر كبير ولديه القدرة على التغيير بما يخدم النص ولا ينقص منه أو يضعفه أبدا.
تجاوزنا الشاعر نزار قباني رغم أنه حاضر الروح في الغرفة، ورغم أنه سيعود بعد لحظات في الأمسية الغنائية الجميلة التي سيطر على الكثير منها، وذهبتُ إلى اتجاه آخر في الأسئلة.
■ قلت لكاظم الساهر: رغم أنك غنيت لأطفال العراق خلال الحرب وخلال الحصار الذي فرضته الدول الإمبريالية على العراق إلا أنك لم تغنِ أغانٍ سياسية، لا أعني بالغناء السياسي غناء المنشورات السياسية أو حتى الشعارات ولكن أقصد ما يمكن أن تدافع به عن لحظة تاريخية يمر بها العراق؟
مباشرة قال كاظم: أنا لا أحب الغناء الحماسي أبدا. منذ طفولتنا ونحن نسمع الغناء الحماسي، رغم ذلك منذ تلك الطفولة ونحن نرى المأساة التي دفع الشباب ثمنها، كنت أتساءل لماذا لا أحفزّهم على العلم والسلام والمحبة، كنت أعتقد أنه من الأفضل أن نبدأ في بناء بلدنا من خلال نشر قيم الحب، والدعوة للاستثمار في الشباب والأطفال، وكنت أقول في كل جلسة إذا أردنا مستقبلا مشرقا ووطنا رائعا فلا بد أن نهيئ للأطفال المساحة التي يحتاجونها للتعليم والإبداع، أما الغناء السياسي فيعيدنا لنفس المربع.
■ ولكنك دخلت العسكرية وبقيت فيها 6 سنوات فكيف لا تحب الغناء الحماسي؟
كان لازم أدخل العسكرية، كان التجنيد إجباريا، ولكن كنت محظوظا لأنني حينها مدرسا، وكانوا يحتاجون للمدرسين في ذلك الوقت ولذلك لم أبق كثيرا في العسكرية.
■ هل ذهبت للجبهة وكانت العراق في حرب طاحنة مع إيران؟
لا أبدا لم أذهب، ولم أحمل سلاحا في حياتي. استفادوا مني في الموسيقى العسكرية، وكنت ملحنا!
■ كاظم. ماذا أضافت لك الموصل وأنت من مواليدها وهي المدينة المرتبطة كثيرا بتاريخ الغناء العربي؟
صمت قبل أن يرد بكثير من الحنين، وبصوت لم يخلُ من شجن: أضافت لي الكثير، الموصل شيء مختلف، ناسها مختلفون وفي قمة الروعة، وهي مدينة في قمة الأصالة، شوارعها القديمة التي كنا نسير فيها تعطيك شعورا مختلفا عن غيرها من المدن. وأنا أحب التاريخ كثيرا «عمل كاظم مدرسا للتاريخ في مرحلة من مراحل حياته قبل أن ينتقل لتدريس مادة الفن والموسيقى»، فكيف إذا كان ذلك التاريخ هو تاريخ مدينة بحجم الموصل.
■ وسط المتغيرات التي يشهدها العالم والإعلام نتيجة الطفرة التكنولوجية، هل ما زالت فكرة إصدار الألبومات الغنائية والركض وراءها يحمل نفس قيمة مرحلة الثمانينات والتسعينات، وهل يعود بعوائد للفنان كما كان في الأزمنة السابقة؟
لا لا. الأمر صعب الآن، الفنان يسجل اليوم على حسابه الخاص، أنا أسجل على حسابي الخاص وأقدم الأمر هدية للناس حتى تبقى الأعمال موجودة. الآن عندما ينزل الألبوم اليوم، غدا يجد من يضعه على شبكة المعلومات ويكون متاحا بالمجان للجميع. ذلك الزمن انتهى بالنسبة للفنان.
■ لو نتحدث قليلا عن تجربتك في برنامج مواهب الأطفال الذي عملت فيه لعدة مواسم.. ماذا أضاف لك؟
كانت تجربة رائعة جدا. هذه التجربة جعلتني أعود للمذاكرة من جديد.. زمان كنت أحب دراسة علم الصوت، وتدربت على تكنيك الصوت، وكيف أستخدم صوتي بطريقة صحيحة حتى لا أفقده عند سن معين. خلال تلك التجربة عدت لقراءة الكثير من تلك الدروس، وغيرها من البحوث التي كتبت بلغات أخرى في طريقة استخدام الصوت الصحيحة، وبحثت عن الكثير من الترجمات خاصة عن الألمانية.. وفي خلال ذلك استفدت كثيرا مما قرأت خاصة ما يتعلق بتاريخ الغناء.
كان الوقت المتاح لي يمر سريعا، والساعة توشك أن تكون السابعة تماما وهو موعد بدء الحفلة، لم ينظر كاظم في ساعته خلال الحوار، وهو درجة عالية من درجات احترامه لمحاوره، ومحاولة لمجاراته…
■ قلت له لنختم الحوار بسؤال حول شعورك وأنت تغني في دار الأوبرا السلطانية؟
قال بكثير من الثقة: سأكون صريحا معك كثيرا. أشعر وأنا أغني على مثل هذه المسارح الراقية بفرحة كبيرة، وهذه الفرحة تزداد كثيرا عندما يكون ذلك في دولة عربية. لقد غنيت على كبار المسارح في العالم وهذا يعطي الفنان دافعا معنويا كبيرا، وكما قلت لك هذا الدافع يزيد كثيرا عندما أغني في دولة عربية.
لا بد أن أقول لك أيضا أن ما يميز دار الأوبرا السلطانية في مسقط التزامها بمعايير تنظيمية راقية جدا ودقيقة، كما أن استقبال الناس هنا راقٍ جدا وإنساني كثيرا وهذا مما يفرحني في كل مرة أزور فيها عُمان.
ودعت كاظم الساهر وسبقته إلى مسرح دار الأوبرا السلطانية ليصله بعد عشر دقائق ويبدأ ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة غنى فيها للحب والجمال، وأدخل جمهوره قصور ملوك الجان، وأوقفهم على عتبة جحور العرّافات، وعاشوا معه حلم الزواج ببنت السلطان تلك العيناها أصفى من ماء الخلجان كما يقول نزار قباني. كانت ليلة استثنائية ورغم الوعكة الصحية التي كان يمر بها الساهر تلك الليلة إلا أنه تألق وتجلى حد أن تماهى معه جمهوره في صوت واحد.