هل اقتربت نهاية الحروب الأهلية العربية؟

د. عبد العاطى محمد –

في الحالات الثلاث حدث تغير على المستوى الداخلي في اتجاه السلام بالاقتناع بأن استعادة الدولة الوطنية من مستنقع الحرب والفوضى ضرورة للحفاظ على الوجود القومي ذاته ومنح الحياة للأجيال الحالية والمستقبلية.

انتهى عام 2018 بتطورات تشير إلى أن عام 2019 يمكن أن يشهد بداية النهاية للحروب الأهلية العربية. فمن العراق إلى اليمن مرورا بسوريا تحققت وقائع تؤكد استعادة الدولة العربية لعافيتها بعد 8 سنوات من الصراع الداخلي المسلح اتخذ طابع الحروب الأهلية. تبقى ليبيا متأرجحة بين التفاؤل والتشاؤم. ولا تعني البداية أن أزمات هذه الدول ستنتهي تماما وسريعا، وإنما تعني أن منطق الحرب أو الحل العسكري لم يعد مجديا وأن مؤسسات الدولة العربية الشرعية تستعيد دورها وأن المجتمع الدولي لا يبارك فقط هذا التوجه وإنما يشارك في تعزيزه.
ليس ذلك إفراطا في التفاؤل، فما أصعبها الأزمات التي تعيشها هذه الدول بحثا عن العودة للاستقرار وبناء ما هدمته الحروب الأهلية والحفاظ على البقية الباقية من الإنسانية لشعوبها، ولكنه رصد لمعطيات موجودة على الأرض تؤكد أن تغييرا جوهريا قد حدث في مسار هذه الأزمات، ربما لم يكن هناك من يتوقعه في ضوء الصور المأساوية التي لن تخلو منها أنباء هذه الدول على مدى السنوات الماضية.
وقد حدث هذا التغير بفضل تطورات داخلية غيرت مسار المشاهد هنا وهناك قبل أن يكون بفضل عوامل خارجية وإن كان لا بد من وضع هذه العوامل الخارجية في الحسبان؛ إقليمية كان أم دولية.
استطاع العراقيون أن يجروا انتخابات برلمانية جديدة بسلام وأن يشكلوا حكومة جديدة وسط توافق واضح بعيد هذه المرة عن الصراع الطائفي. صحيح أن الوضع الطائفي سمة للواقع السياسي العراقي ولا يمكن تجاوزه في أي تحليل موضوعي بحكم التركيبة المجتمعية ولكن ما تم رصده في هذا المشهد هو اهتمام الكل بعودة الدولة العراقية والاحتكام للمؤسسات ومعايير الكفاءة مع التوافق على توزيع الحصص في وزارات الدولة. ورغم المشكلات التي واجهت هذا التوجه الجديد للنخبة السياسية العراقية ولا تزال، إلا أن روح التوافق كانت لها الغلبة، لأن الهدف تركز في إقامة دولة مؤسسات قادرة على توفير الأمن للجميع ووحدة الأراضي وفرض السيادة الوطنية والشروع في إعادة البناء. وتلك صورة مغايرة لما كان عليه الحال في السنوات السابقة حيث استشرى الفساد وانعدم الأمن وضاع نحو 40% من أراضي العراق بعد أن سيطر عليه تنظيم «داعش» الإرهابى.
من يعود إلى مشهد السنوات الأولى بعد سقوط نظام صدام حسين ويقارنه بمشهد عام 2018 يجد فارقا كبيرا هو الفرق بين الدمار والحرب الطائفية الشرسة والفوضى وغياب الدولة، وبين الاستقرار السياسي ولو كان نسبيا وتراجع لغة هذه الحرب والعمل بروح التوافق والحوار وعودة الدولة.
كذلك حدث تحول في المسار السورى مع التوصل إلى اتفاق بين روسيا وتركيا لوقف التصعيد المسلح في إدلب بالفصل بين بقايا الجماعات المعارضة المسلحة وقوات الحكومة وإقامة منطقة منزوعة السلاح حماية لأرواح ملايين المدنيين هناك، وذلك في أعقاب الوصول إلى نتيجة مشابهة في الجنوب جعلته خاليا من الصراع المسلح مما أدى إلى استعادة التواصل بين سوريا والأردن، هذا فضلا عن الترتيبات التي لعبت فيها روسيا دورا رئيسا في تهدئة الوضع عند الجولان، مع تجاوب إيران في كل هذه التحركات، وانحسرت مظاهر الحرب في شرق الفرات والشمال السوري المواجه للحدود التركية.
وفي كل ذلك تمثل التطور الجديد في انحسار دور المعارضة المسلحة واستعادة النظام السورى لعافيته مدعوما بقوة من كل من روسيا وإيران، ووضح ذلك من عودة الحياة الطبيعية للمناطق التي باتت تخضع تماما للقوات السورية، واتجاه بعض الدول العربية إلى الاستعداد لإعادة فتح سفاراتها في دمشق (الإمارات إعادة فتح السفارة يوم الخميس الماضي)، بل وإقدام دولة مثل السودان إلى عقد لقاء على مستوى القمة في زيارة لافتة ومفاجئة قام بها الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق في سابقة هى الأولى من نوعها منذ بداية الأزمة السورية قبل 8 سنوات، وكذلك تواتر أنباء عن رغبة بعض الدول العربية في العمل على أن تستعيد سوريا – الأسد مقعدها في الجامعة العربية.
وعلى الجانب الآخر تبدل حال المعارضة السورية السياسية بعد أن توارى تشكيلها الذي ظهرت به على مدى السنوات الماضية وحل محله تشكيل جديد يتقبل النظرة الروسية للحل السياسي أو العمل بمسار سوتشي وليس مسار جنيف بكل ما بينهما من فارق كبير، حيث يقضي الأول ببقاء نظام الأسد مع مشاركة من المعارضة ينظمها دستور جديد للبلاد، بينما يقضي الثاني بحكم انتقالي لا دور فيه للأسد يمهد لنظام سياسي جديد مختلف تماما عن نظام البعث.
والمعنى هنا مثله مثل ما حدث للعراق وهو الانتصار للدولة السورية مع بعض الإصلاحات الجوهرية. وبعد أن كان الخلاف الذي تحول إلى صراع مسلح هو بين استمرار نظام الحكم بقيادة الأسد وبين تغييره بالكامل، أصبح متركزا في وضع دستور جديد وإجراء انتخابات عامة على ضوئه مما يحتمل أيضا بقاء نفس النظام وربما نفس الرئيس!
وقد عكست كلمة دي ميستورا المبعوث الأممي وهو يقدم احاطته لمجلس الأمن قبل أن ينهي مهمته إلى أي حد شددت الحكومة بمواقفها وبأن تكون لها الكلمة الفصل في تحديد الشخصيات التي تضع الدستور، الأمر الذي جعل دي ميستورا يقر بفشله في مهمته بعد عدة سنوات من العمل الدبلوماسي الشاق. حدث ذلك بينما لم تستطع الدول الكبرى (غير روسيا بالطبع) أن تفعل شيئا لتليين موقف الأسد. هنا أيضا كانت مراهنة الحكومة على أهمية استعادة الدولة حتى لو لم تتمكن من استعادة كل الأرض السورية وغابت عنها بعض مظاهر السيادة. وجاءت المعطيات على الأرض لتقول أنه كسب الرهان على الأقل في المدى المنظور.
وأما في اليمن فقد حدث اختراق سياسي غير مسبوق فيما يتعلق بعدم جدوى الحل العسكري ولصالح الانتصار للحل السياسي وذلك بعد أن تمكن مارتن جريفيث المبعوث الأممي الجديد من جمع الفريقين المتصارعين على مدى أكثر من ثلاث سنوات وهما الحكومة الشرعية وجماعة أنصار الله على مائدة مفوضات وجها لوجه، وتكلل لقاء استكهولم الذي جمع الفريقين باتفاق الحديدة الذي قضى بوقف العمليات العسكرية من الجانبين في المدينة الإستراتيجية وانسحاب قواتهما هناك مع ترتيبات لإعادة الانتشار وقيام الأمم المتحدة بمراقبة تنفيذ الاتفاق الذي دخل فعلا حيز التنفيذ وخصوصا فيما يتعلق بإدارة الميناء وفروعه وحمايتهم، وكذلك فتح ممرات آمنة إلى تعز واحدة من أهم المناطق الصناعية في اليمن، وكذلك تحويل موارد الميناء إلى البنك المركزى.
ومع أن مفوضات السويد لم تحل كل الخلافات إلا أن اتفاق الحديدة اعتبره الجميع يمنيا وإقليميا ودوليا بداية جادة لإنهاء المأساة اليمنية خاصة وأنها بلغت ذروتها على الصعيد الإنساني. وكانت الحديدة هي الباب الذي عادت فيه الأزمة اليمنية إلى الحل السلمي. ومن الصحيح أن جدار عدم الثقة بين الجانبين يقف حجر عثرة في تنفيذ الاتفاق، وليس من المستغرب أن يتم خرق وقف إطلاق النار أو استمرار الحملات الإعلامية العدائية المتبادلة، فذلك أمر معتاد في مثل هذه الأزمات، ولكن المهم هو وجود مؤشرات على تلاقي إرادات الطرفين المتصارعين والأطراف الإقليمية المعنية وكذلك المجتمع الدولي على وضع نهاية للحرب، وذلك باستعادة مؤسسات الدولة وتفعيل دورها على كل الأصعدة. والملفت هنا عبارتان احدهما جاءت على لسان وزيرة الخارجية النمساوية عندما قالت: «علينا ألا ننظر للحرب في اليمن على أنها حرب منسية» والثانية وردت في تغريدة خالد اليمانى وزير الخارجية اليمني كشف فيها ما قاله عندما طلب منه انطونيو جوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة أن يصافح أمام الكاميرات محمد عبد السلام رئيس وفد أنصار الله، حيث قال له اليماني «هذا أخي برغم ما حدث من انقلاب على الشرعية». والعبارتان تؤكدان أن هناك إرادة من الجميع لإنهاء الحرب واستعادة الدولة اليمنية.
في الحالات الثلاث حدث تغير على المستوى الداخلي في اتجاه السلام بالاقتناع بأن استعادة الدولة الوطنية من مستنقع الحرب والفوضى ضرورة للحفاظ على الوجود القومي ذاته ومنح الحياة للأجيال الحالية والمستقبلية. وبالمثل حدث تغير بنفس المنطق على المستويين الإقليمي والدولي اللذين تفهما حقائق الوضع على الأرض وفشل المراهنة على الحل العسكري، ذلك الحل الذي لا يعطى فرصة إلا للإرهاب وتنظيماته وفي مقدمتها «داعش».
إلى هنا يمكن القول أن الجميع وضع أقدامه على بداية الطريق الصحيح لإنهاء الحروب الأهلية في الدول الثلاث واستعادة دور الدولة، ولكن استكمال الطريق يتوقف على مصداقية مواقف الأطراف الوطنية والإقليمية والدولية التي تبرهن على التعاون المشترك .