وعود اقتصادية مؤجلة في كوريا الجنوبية

الإيكونومست ترجمة قاسم مكي –

بدا شو إيمهو، مدير المنشآت الصغيرة في كوريا الجنوبية، غاضبا. كان شو يتحدث عن السياسة الاقتصادية لحكومة بلده وهو مستلق على كرسي ضخم من الجلد الأسود ويطوح بيديه في يأس. يضمر الرجل سخطا خاصا للزيادة الأخيرة في الأجور التي رفعت الحد الأدنى إلى 7.530 وون أو 6.65 دولارا في الساعة.
هذه القفزة في الأجور بما يزيد عن 16% مقارنة بالعام الماضي تمثل «واسطة عقد» خطة الحكومة لإحياء الاقتصاد من خلال تعزيز دخول الفقراء. كما تخطط لزيادات أخرى. يزعم شو أن شركات عديدة يمثلها تفكر في التوقف عن العمل وأن شركات أخرى قلصت من حجم عمالتها. يقول» هذا جنون! كارثة!» شو، يميني معتز بيمينيته. فهو ينتمي إلى حزب ديغو أحد معاقل المحافظين في كوريا الجنوبية. وربما أن نفوره من سياسات الرئيس مون جاي إن، صاحب الميول اليسارية، لايثير العجب.
لكن في الشهور الأخيرة أثارت موجة من البيانات المحبطة عن التوظيف والاحتجاجات الصاخبة من جانب مؤسسات الأعمال قلقا داخل الحكومة. فموقف وزير المالية بدا ملتبسا بشأن الزيادات. ومن ناحيته، إلتزم مون بالتمسك باستراتيجيته المعروفة باسم (النمو الذي يقوده الدخل) والتي لاتزال تحظى بالشعبية وسط الناخبين.
لكنه الآن يقول أن الحد الأدنى للأجور لن يرتفع بالسرعة المخطط لها في الأصل. وأبعد المستشار هونغ جانغ بيو، أحد مهندسي هذه السياسة. كما يعتقد بعض المراقبين أن جانغ ها سنغ، رئيس أركان هذه الإستراتيجية والمدافع الرئيسي الآخر عنها قد يكون المغادر التالي. (أقيل الرجل هذا الشهر – المترجم).
يقول شون سونج إن الأستاذ بجامعة هونجيك في سؤول « توجد توترات بين الإصلاحيين الملتزمين وبين المتوجسين من رد الفعل السياسي. والمتوجسون هم الفائزون في الوقت الحالي.» لا عجب في ذلك. فحسب وكالة الإحصاءات في كوريا الجنوبية، هبط دخل الـ 20% الأقل أجورا من بين كاسبي الأجور بحوالى 3.7% في الربع الثاني من هذا العام مقارنة بنفس الفترة في العام الماضي (أما أفراد النسبة الأعلى أجورا فقد زاد دخلهم بحوالي 12.4%).
يؤشر ذلك إلى أن الخسائر في الوظائف فاقت الزيادات في الأجور وسط أولئك الذين كانت تستهدفهم الإستراتيجية. يقينا لايوجد انفجار في معدل النمو الذي لا يزال يراوح حول نسبة 3%. لكن ليس واضحا أن الزيادة في الحد الأدنى من الأجور هي المسؤولة عن البيانات المخيبة للآمال. توجد أسباب أخرى محتملة مثل البلبلة الناتجة عن الحرب التجارية بين أمريكا والصين والمخاوف التي نشأت في وقت مبكر هذا العام بشأن اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة والتباطؤ في أعمال البناء نتيجة للتشدد في شروط الإقراض مقابل الرهونات.
لكن رغما عن ذلك ربما أن الزيادة الفجائية أخلَّت بالميزان. إن الهدف الأساسي من إصلاحات مون التي تسعى إلى تعزيز الابتكار والإنتاجية في الشركات الصغيرة وجيه عموما. فقد عانت سوق العمل من الاستقطاب الحاد بين مجموعات الشركات الكبرى المعروفة باسم شايبول ومعظم المخدِّمِين الآخرين. (حسب قاموس اكسفورد شيبول مجموعة شركات عائلية ضخمة في كوريا الجنوبية مثل سامسونج وإل جي وتعني حرفيا عصبة المال. تقابلها في اليابان زايباتسو ومعناها عصبة الثروة- المترجم.) فالشايبول تعرض الوظائف الأكثر جاذبية لكن معظم الكوريين الجنوبيين يعملون في الشركات الصغيرة. وإنتاجية هذه الشركات التي تتركز في قطاع الخدمات أدنى كثيرا من انتاجية الشايبول. من هنا جاءت الفجوة الضخمة (التفاوت) في الأجور. فأجور من يشكلون الـ 10% الأدنى من فئة كاسبي الأجور بالكاد ارتفعت خلال العقدين الماضيين. وتتضمن موازنة العام القادم زيادة بنسبة 10% في إجمالي الإنفاق مع تخصيص أكثر من ثلث الأموال الإضافية للنفقات الاجتماعية. فالراتب الأساسي للتقاعد سيزيد وسيكون هنالك المزيد من التمويل لرعاية الأطفال وستحصل الشركات الصغيرة التي توظف الشباب على دعم مالي. جاء في تقرير صدر مؤخرا عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهو نادٍ تتشكل عضويته في معظمها من البلدان الغنية، أن تطبيق هذه الإجراءات ممكن. فالدَّين العام لكوريا الجنوبية والذي يشكل نسبة 45% من الناتج المحلي الإجمالي أقل من نصف متوسطه في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (110%). كما يقل إنفاق كوريا الجنوبية على الخدمات الاجتماعية كثيرا عن انفاق معظم بلدان المنظمة. لكن بعض هذه الإصلاحات قد يأتي بنتيجة عكسية. فالمصفوفة المعقدة من أشكال الدعم التي قُصِدَ بها مساعدة المنشآت الصغيرة على تطبيق الحد الأدنى للأجور ودفعها لتشغيل المزيد من العمال مثلا قد تعين على تعزيز القوة الشرائية للكوريين الجنوبيين الأكثر فقرا. لكنها أيضا ربما تدعم شركات شبه ميتة ولاتكاد تحقق أرباحا تذكر وتحبس العمال في وظائف هامشية مما يقوض الجهود التي ترمي إلى زيادة الإنتاجية. إلتزم الرئيس مون أيضا بإشاعة الديمقراطية في الاقتصاد. وهو يعني بذلك التقليل من هيمنة الشيبول. لكن على الرغم من كثرة الكلام في الحكومات السابقة حول هذا الموضوع إلا أن أصول أكبر خمس مجموعات شيبول زادت من حوالي 41% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2001 إلى 60% في العام الماضي، حسب بارك سانغين الباحث بجامعة سيؤول الوطنية. بكلمات أخرى إنها تنمو بوتيرة أسرع كثيرا من نمو الاقتصاد ككل. رغما عن ذلك خفف كيم سانغ جو الذي عينه مون لرئاسة لجنة التجارة النزيهة لمكافحة الإحتكار من جعجعته. ويبدو أنه يعتمد على تعاون شيبول أكثر من اعتماده على اللوائح الإجرائية أو الدعاوى القضائية لتفكيك هياكل ملكيتها المعقدة والمبهمة. وفي رحلة ودية له إلى كوريا الشمالية في سبتمبر، أخذ مون معه زعماء شيبول للترويج لفرص الاستثمار في حال تخلت بيونج يانج عن أسلحتها النووية. وكان من بينهم عديدون سبق لهم أن سجنوا في قضايا فساد. يقول استاذ جامعة هونجيك « كل حكوماتنا انتهى بها المطاف إلى وضع سياسات تخدم شيبول. ويبدو أن مون لن يكون مختلفا عمن سبقوه.» كما تحقق مجموعة ثالثة من إصلاحات مون أيضا نتائجا هي مزيج من الفشل والنجاح. تستهدف هذه الإصلاحات الإضعاف التدريجي لثقافة العمل لساعات طويلة إلى حد العبث والحث على قضاء المزيد من الوقت في الترويح عن النفس. فهناك توجيه رئاسي جديد يقلص الحد الأعلى لساعات العمل المسموح بها في الأسبوع من 68 ساعة إلى 52 ساعة. وتشير دراسة أجرتها شركة الاتصالات (كي تي) أن الإنفاق على الأنشطة الترفيهية ارتفع في المناطق السكنية بعد تطبيق التوجيه. وبالمقابل، تقلص الوقت الذي يقضيه الناس في مكان العمل أو بالقرب منه بحوالي 55 دقيقة في اليوم. يشير ذلك إلى أن هذه السياسة تحقق مقصدها لكن مع تحفظٍ واحدٍ هام. فقد رصدت شركة كي تي هذا التحول وسط سيؤول فقط حيث توجد معظم الوزارات والشركات الكبرى. أما في المناطق التي يطغى فيها وجود الشركات الناشئة والصغيرة فلا يكاد يوجد تقليص في ساعات العمل. كما يمكن أيضا رصد الجانب السلبي للتوجيه. فالمشارب والمطاعم في وسط سيؤول أبلغت عن خسائر في عملها. لقد اتضح أن إعادة تشكيل الإقتصاد الكوري الجنوبي لمصلحة الفرد العادي (المواطن البسيط) يمثل تحديا كبيرا.