أمريكا إلى أين في العام الجديد؟

إميل أمين – كاتب مصري –

emileamen@gmail.com –

أحد الأسئلة العميقة المطروحة على أي محلل سياسي في نهايات عام وبدايات آخر هو ذاك المتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية وإلى أين تمضي في العام الجديد؟ ولعل أهمية السؤال تتأتى من كون واشنطن حتى الساعة تبقى مالئة العالم وشاغلة الناس، ويكفي أن نتطلع إلى الارتدادات المثيرة التي ولدتها دعوة الرئيس دونالد ترامب لسحب القوات الأمريكية من سوريا، رغم أن عددها لا يتجاوز الألفي جندي، وتاليا استمعنا عن خطط أمريكية لسحب نحو خمسة آلاف جندي من أفغانستان،

فقد ثارت التساؤلات العميقة ولا يزال البحث عن الإجابات قائم عن السر وراء قرارات الرئيس ترامب، وهل الرجل يهيئ المسرح الداخلي الأمريكي لانتخابات الرئاسة 2020، من خلال الإيفاء بوعده السابق، أي سحب كافة القوات الأمريكية الموجودة على الجبهات الخارجية، وعدم التبرع بالدماء الأمريكية من أجل الآخرين، الأمر الذي عبر عنه منذ أيام بقوله: “أمريكا ليست شرطي العالم”.
لتكن بداية المشهد الأمريكي من عند الرئيس ترامب، الذي أضحى حجر عثرة عند كثير من الأمريكيين في الداخل والسؤال متعلق بمستقبل الرجل السياسي لاسيما في ظل إشكالية روسيا – غيت، التي تطارده بقوة، ويمكن أن تؤثر على حظوظه في رئاسة ثانية بشكل سلبي أو إيجابي يمضي المحقق مولر في مطاردة الرئيس ترامب في طريق مشابه لما كانت تقوم به محاكم التفتيش في أوروبا القرون الوسطى بالنسبة للساحرات، فقد تحرك بسرعة كبيرة، وحصل على الكثير من اتفاقات التعاون والتهم، وقام بعمل غير عادي من خلال هدم القرصنة الروسية للانتخابات بحسب الاتهامات الرسمية من قبل الديمقراطيين.
المؤكد أن هناك عقبات عديدة ينبغي لترامب القفز عليها حتى ينجو من الفخاخ المنصوبة في طريقه، والخوف الكبير من أن يكون رجالاته هم من سوف ينقلبون عليه، وفي المقدمة من هؤلاء الجنرال “مايك فلين”، الرجل الذي اختاره ترامب ليضحى مستشارا للأمن القومي في إدارته قبل أن يعزله، بسبب علاقته بتركيا وروسيا، ويبدو أن “فلين” توصل إلى صفقة بعينها مع مولر، صفقة تغسل يديه من الاتهامات وتحيل بل وتكيل كافة الاتهامات للرئيس.
لن يكون العام 2019 عاماً يسيراً بالنسبة للرئيس الأمريكي بلا شك سيما إذا أحكم مولر ولجنته الخناق حول مصير الرئيس، لكن من جهة أخرى فإن مسألة عزل ترامب ليست أمراً هيناً أو سهلاً، فقد حدد الدستور الأمريكي الأطر العامة لإجراءات عزل الرئيس، وذلك في المادة الأولى التي تتعرض للكونجرس وصلاحياته، وفي المادة الثانية التي تتناول الرئيس وصلاحياته، كما أن الرأي العام الأمريكي يلعب دوراً مهماً في الضغط عادةً لجهة العزل من عدمه، وغير خافٍ عن الأعين أن جهات عديدة من الأعلام الأمريكي ليست صديقة للرئيس، ما ولد تحركاً شعبياً في الداخل حمل اسم Need to Impeach، لتعبئة المواطنين الأمريكيين للضغط على ممثليهم في الكونجرس، لبدء إجراءات عزل الرئيس، وقد وضعت الحركة عريضة على موقعها الإلكتروني للمطالبة بعزل ترامب، ووقع عليها حتى الآن أكثر من ستة ملايين أمريكي.
وإذا تركنا الرئيس وانتقلنا إلى النظام السياسي الأمريكي فإننا سنجد اتهامات من جديد الأيام الماضية من قبل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية لروسيا بنوع خاص، والجديد أنها لا تتحدث عما جرت به المقادير في انتخابات الرئاسة الأمريكية 2016، بل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر الماضي، وما يلقيه هذا الاتهام من ظلال على انتخابات الرئاسة 2020 من جهة، وعلى العلاقات الروسية الأمريكية من ناحية أخرى.

الصراع مع موسكو

يوماً تلو الآخر يتعقد المشهد من واشنطن إلى موسكو، وربما آخر تلك الإشكاليات الانسحاب الأمريكي المتوقع من اتفاقية الصواريخ النووية الباليستية متوسطة المدى، والردود التي سيشهدها العالم من موسكو على الفعل الأمريكي حال حدوثه بالفعل، ذلك أن بوتين ومؤسسته العسكرية قد صرحوا أكثر من مرة بأنهم سيجدوا أياديهم حرة في العودة إلى إنتاج صواريخ من ذات النوعية، والمتابع لصراع التسلح الجاري والضاري بين موسكو وواشنطن يدرك بالفعل أن القادم لن يكون طيبا بحال من الأحوال.
والثابت كذلك أن المواجهة بين القوتين الكبريين، بها من الصراع السياسي ما هو ليس أقل من نظيره العسكري، ولنا في أحاديث الانسحاب من سوريا وأفغانستان مثال للتحليل والشرح.
فبداية ومهما رحب بوتين بالانسحاب الأمريكي من سوريا، فإن في الأمر ما يشبه الفخ بالنسبة للروس، إذ ستكون المسئولية ملقاة على عاتقهم بالمرة سياسياً وعسكرياً بل ربما يكون هناك في الداخل الأمريكي من يحاول أن يكرر سيناريو إغراق روسيا في الوحل الأفغاني قبل ثلاثة عقود، وبهذا تتسع الجبهات التي تجد روسيا نفسها مطالبة بأن تبلي فيها بلاء حسنا، ما يعيق النمو القادم بقوة لروسيا، والتي باتت تتحرك حول العالم في سياقات بعيدة كل البعد عن الإيديولوجيات وأقرب ما تكون إلى زمن البراجماتيات.
الأمر ذاته يتصل بالعلاقة الأمريكية مع أفغانستان، ذلك أنه حال انسحبت واشنطن بالمرة من هناك، فإنها بذلك لا تتيح فقط المجال لطالبان لتعود مرة جديدة إلى الساحة الأفغانية ولتمارس ما قد قامت بممارسته بالفعل من أنشطة إرهابية، بل إن هناك كارثة كبرى خلف الأبواب، تتصل باستهداف داعش لأفغانستان، لتكون موطئ قدم لها، والسؤال الذي لا يخلو من مسحة من مكر التاريخ، ولا نقول نظرية المؤامرة: “هل الأمر مقصود من قبل واشنطن، وحتى تجد روسيا ذاتها من جديد في مواجهة جبهة إرهابية أخرى، فبعد أن ذهب بوتين إلى سوريا لملاقاة الدواعش وقطع الطريق عليهم، هل سيجد نفسه مضطراً مرة أخرى للدخول إلى أفغانستان في جولة عسكرية جديدة تستنزف طاقاته الجديدة التي يوجهها لجهة صحوة روسيا؟ 

3 سيناريوهات للحرب

لا تقتصر مواجهات واشنطن – موسكو على ما تقدم، ففي رؤية استشرافية مثيرة للجدل، كتب “ديمتري موسلوف” نائب مدير مركز الدراسات الأوربية والدولية في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو عن ثلاثة سيناريوهات يمكن أن تؤدي إلى اشتعال الحرب بين روسيا وأمريكا... ماذا عن ذلك.؟ 
أولا: الخطر الأول يتمثل في إمكانية تحول الحرب الباردة إلى ساخنة بالتهديدات السيبرانية، وهناك رؤية محتملة لأن يظن أحد الطرفين أن الهجوم السيبراني بداية لهجوم عسكري واسع النطاق، مع الأخذ بعين الاعتبار هنا احتمال قيام جماعات إرهابية بدور خداعي لإقناع الطرفين بأن هناك هجوما فعليا، أي نصب شباك الحرب بين الجانبين، وهو سيناريو كنا نظن إلى وقت قريب أنه نموذج هوليوودي فقط، إلى أن تأكد الجميع من احتمالات حدوثه بالفعل.
أما الإشكالية الثانية فتتصل بسباق التسلح غير المنضبط الناجم عن انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدة.
وأخيراً يمكن أن يرتبط السيناريو الثالث، ارتباطاً مباشراً بسوريا أو منطقة البحر الأسود، حيث تنشط موسكو وواشنطن في ساحة عمليات واحدة، أو يحتمل نشاطهما إذا استمرت الولايات المتحدة في دعم استفزازات أوكرانيا بحسب رؤية الروس لها.

الوضع مع الصين

ماذا عن وضع الولايات المتحدة والصين في العام القادم وهل سيكون عام سلام ووئام أم كراهية وخصام، يمكن من جرائهما الانزلاق في الفخ الذي أطلق عليه فخ “ثوسيديدس” نسبةً إلى الفيلسوف والمؤرخ الإغريقي الذي تحدث عن تاريخ الحرب “البيلوبوبنسيه”، وكان أول المؤرخين الذي أعطوا للعوامل الاقتصادية الاجتماعية أهمية خاصة، والفكرة هنا هي أن الصعود القوي للغاية اقتصاديا وعسكريا للصين، في مواجهة أمريكا الماضية قدماً وراء استراتيجية الهيمنة على العالم طوال القرن العشرين، سيجعل الصدام بين القوتين أمرا لا مفر فيه في المدى المنظور.
تتصارع واشنطن مع بكين حول قضايا اقتصادية عديدة، والمتابع لسير العلاقات بين الجانبين يرى أنه منذ أن كان ترامب مرشحا رئاسيا وهو لا يحمل خيراً كثيراً أو قليلاً للصين، بل يراها العدو الأكبر والأول اقتصادياً على الأقل، ولهذا كانت هناك وطوال العام الماضي إرهاصات لحرب اقتصادية بين البلدين، قبل أن يتوصلا معاً إلى ما يشبه الهدنة طوال ثلاثة أشهر.
لكن الجانب الاقتصادي ليس هو الإشكالية الكبرى، فهناك قصة بحر الصين الجنوبي والذي تصر واشنطن على أنه لا يتبع الصين وأنه مياه دولية، فيما الصين تدعي ملكيتها للجزء الأكبر فيه، ومؤخراً أعلن نائب وزير الخارجية الصيني “تشينج تشيجوان”، أن بلاده تملك كل الحق في الدفاع عن سيادتها ومياهها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، وقال: عملياً الولايات المتحدة ليست طرفاً في النزاع”.
السؤال الحساس بدوره هل يمكن لسبب أو لآخر أن تشهد نوعا من الصراع العسكري بين البلدين؟ 
تبقى كل الاحتمالات واردة وبقوة، فالصين صنعت جيلاً جديداً من الصواريخ العابرة للقارات، ونشرت نحو ألف صاروخ متوسط المدى، وعززت أسطولها الحربي، أما الولايات المتحدة، فهي تعزز منظومة الدرع الصاروخية الموجهة ضد الصين رداً على ذلك، إضافة إلى ذلك فإن واشنطن تعمل بسرعة كبرى على إنشاء درعها الفضائي ليكون بمثابة الشبكة الفضائية التي تحمي سماوات واشنطن من أي اختراقات صاروخية صينية أو روسية في المستقبل، والجانب الآخر لبرنامج القوة الفضائية الصينية موصول ولا شك بأسلحة الليزر الفضائية الأمريكية لملاقاة الخصوم.
العلاقة مع أوروبا

الجزئية الأخرى في علاقات أمريكا بالعالم الخارجي تتصل بالقارة الأوربية، والتطورات التي بلغت حد التدهور بين جانبي الأطلسي، وقد تعرضنا في مقالات سابقة لما يجري في أوروبا بمفردها، فيما البعد الأمريكي – الأوربي، يبقى مثار بحث وتساؤلات عميقة، لاسيما فيما يخص التحالف الإستراتيجي منذ نهاية، الحرب العالمية الثاني، ونشوء وارتقاء حلف الناتو.
أنصرم العام 2018 مخلفاً وراءه خلافاً عميقاً بين الجانبين، فترامب لا يزال يتعاطى بعقلية صانع العقارات وبائعها، لا بعقلية السياسي الذي يتوجب عليه الحفاظ على الرابط الوثيق مع الحلفاء، ولهذا يكثر من ضغوطاته على الأوروبيين لزيادة مساهماتهم المالية في نفقات الناتو.
هذا المشهد لم يعد الأوروبيون يقبلونه، ولهذا استمعنا إلى صيحات ماكرون المطالبة بجيش أوروبي موحد، وبعدم استيراد أسلحة من أمريكا، وقد أيدته ألمانيا في الطرح عينه، ما جعل عمودي الخيمة الأوربية في سجال مستقر ومستمر مع الأمريكيين.
فيما الإشكالية الأكبر المنطلقة في الأفق تلك المتصلة بما أطلق عليه البعض “فجر أوراسيا” أي التحالف الجديد الذي يمكن أن ينشأ بين أوروبا وروسيا، وهو أمر كفيل بأن يصيب الهيمنة الأمريكية حول العالم أصابة جسيمة.... 

إلى أين ستتوجه أمريكا 
في العالم الجديد؟ 

يلاحظ القارئ أننا لم نقترب في الرؤية والتحليل من الشرق الأوسط والخليج العربي، ولنا عودة إن شاء الله في مقالات قادمة، فيما الجواب يبقى حائرا، وصراع أمريكا بين القوتين الناعمة والخشنة محتدم إلى أجل بعيد، وفي كل الأحوال لا يمكن لواشنطن أن تنعزل عن العالم، ذلك لأنها لو فعلت دفعة واحدة، لأصيب النظام العالمي بعطب شديد في زمن العولمة التي جعلت الكرة الأرضية قرية صغيرة، ولو تعاطت بالقوة العسكرية وحدها كما يزعم روبرت كاجان أحد مفكري المحافظين الجدد، لتحول العالم إلى ساحة وغي، سيما وأنه يعتبر أن القوة الأمريكية وحدها هي التي حافظت على السلام العالمي وكبحت جماح قوى الشر.
وفي كل الأحوال سيكون 2019 عاماً مثيراً في الداخل الأمريكي... دعونا ننتظر وننظر.