الانسحـاب مـن ســوريا

عن قرار ترامب –

ماجد كيالي –

majedkayali@gmail.com –

ثمة أسئلة عديدة باتت اليوم تشغل كثيرا من المهتمين في المنطقة وفي الولايات المتحدة وفي العالم، من مثل: هل ستنفذ الإدارة الأمريكية حقاً قرار الرئيس دونالد ترامب بالخروج من سوريا أم لا؟

ثم: ماذا بعد هذا القرار؟ أو ما هي استراتيجية الولايات المتحدة إذاً في سوريا؟
قبل الإجابة عن كل تلك التساؤلات يجدر التذكير هنا بثلاث مسائل، الأولى: وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية، منذ بداية الصراع السوري، ظلت تنأى بنفسها عن التدخّل العسكري المباشر في هذه الصراع، وإن كانت من الناحية السياسية وقفت في جبهة المعارضة، بل وشجعت، من خلال إيحاءات رئيسها السابق باراك أوباما وأركان إدارته، على تصعيد ذلك الصراع للإطاحة بنظام الأسد، من خلال الحديث عن انتهاء شرعيته وان عليه أن يرحل.
بيد أننا يجدر أن ننتبه أن هذه التشجيعات وتلك الإيحاءات لم تصل إلى حد الدعم الإيراني ولاحقا الروسي لنظام الأسد، ولم تتجاوب مع المطالب الخاصة بفرض منطقة حظر جوي، أو منطقة آمنة، في أي منطقة في سوريا، لوقف قصف النظام للمناطق المتمردة، كما أنها سكتت عن التدخل العسكري الإيراني ثم الروسي في الصراع السوري.
وعلى الصعيد السياسي فإن الولايات المتحدة (في عهد أوباما) تساوقت أو تساهلت مع التفسير الروسي الخاص بتعويم بيان جنيف 1 (2012)، بحيث تم إفراغه من مضمونه، بخاصة تلك الفقرة المتعلقة بإيجاد هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، بل إنها قبلت ببقاء الأسد لمرحلة مقبلة، ثم قبلت التحولات التي فرضها دي مستورا، المبعوث الدولي إلى سوريا، بخصوص التركيز على “السلال“ الأربع (الدستور والانتخابات والحكم ومكافحة الإرهاب) والتي اختصرت فيما بعد إلى سلة واحدة هي لجنة صوغ الدستور، التي لم تتحقق كما تبين أخيرا، هذا فضلا عن تجاوبها مع مسار أستانة ثم مؤتمر سوتشي.
أما المسالة الثانية، التي يفترض التذكير بها، وهي أن سياسة الولايات المتحدة قامت على أساس استراتيجية مفادها، الحفاظ على ديمومة هذا الصراع، من خلال، أولا، عدم السماح لأي طرف في الصراع السوري الانتصار على الطرف الآخر، لا الحكومة ولا المعارضة.
وثانيا، استدراج الأطراف الأخرى، أو تشجعيها على الانخراط في هذا الصراع، وهذا يشمل إيران وروسيا وتركيا، لاستنزافها وإرهاقها ووضعها في مواجهة بعضها، من دون إتاحة المجال لأي طرف التمدد على حساب الطرف الآخر.
تبقى المسألة الثالثة، وهي المتعلقة بإدارة الصراع السوري وفقا لمتطلبات أمن إسرائيل، بحيث، كما شهدنا، تم تقويض، أو فكفكة، البنى الدولتية بل والمجتمعية في سوريا، وسابقا في العراق، بل ووضع مكونات تلك المجتمعات في مواجهة بعضها، بحيث اختفى ما يسمى “الجبهة الشرقية”، التي تحمل تهديدا ولو مستقبليا، أو نظريا، ضد إسرائيل، ليس باختفاء الجيشين السوري والعراقي فحسب وإنما بحكم الخراب والتفكك والاستنزاف الذي تحقق في هذين البلدين نتيجة استمرار الصراع.
على ذلك يمكن القول أن القرار الذي أصدره ترامب ليس جديدا، وانه يشكل استمرارا للسياسة التي انتهجها سلفه باراك أوباما، وهو يأتي ضمن الفكرة التي طرحها أوباما بشأن أن على العرب أن يتدبروا أمورهم بأنفسهم وأن عليهم هم أن يدفعوا الأثمان لتغيير أو لتحسين أوضاعهم، وليس انتظار الولايات المتحدة أن تفعل ذلك عنهم، وإن كان ترامب يختلف في كلماته، عن الرئيس السابق، بحكم الفارق الشخصي والثقافي بين الرئيسين المذكورين.
في غضون ذلك يفترض الانتباه إلى عديد من المسائل، ضمنها، أولاً، أن قرار ترامب بالخروج من سوريا، أتت بعد إعطاء الكونجرس الإشارة لتمرير صفقة “الباتريوت” (3.5 بليون دولار) مع تركيا، وبعد الحديث الهاتفي بين الرئيسين الأمريكي والتركي، ما يثير شبهة تلزيم أو توكيل تركيا بالدور الأمريكي في سوريا، وهذا يحتمل وجهتي نظر، أولاها، أنه بات ثمة توافق أمريكي- روسي على كيفية العمل في سوريا.
وثانيتها، أن الولايات المتحدة في هذا الإجراء تتحدى أو تهدد تركيا بإخلائها الساحة لها بعد التجاذب الحاصل بشأن اعتزام تركيا الدخول إلى منطقة شرقي الفرات، وهو الأمر الذي ينسجم مع الاستراتيجية الأمريكية بخصوص ترك القوى الخارجية للتصارع فيما بينها على الصراع السوري (روسيا وتركيا وإيران).
ثانيا، إن خروج الولايات المتحدة من سوريا لا يعني الخروج من المنطقة، بل إنه لا يعني الخروج من سوريا حقا، إذ ان هذا الوجود لا يتحدد فقط بمئات من الجنود، ولا بألف أو ألفين، ذلك أن ثقل الولايات المتحدة السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والعسكري يظل قائمان كما يظل قائما بوجودها وثقلها على مختلف الأطراف بما فيها روسيا ذاتها.
ثالثا، إن موقف ترامب لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن موقفها السابق بخصوص إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة، فهذه المسالة ستظل على رأس السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، على الأرجح.
في كل الأحوال يفترض أن ننتظر مدى جدية الإدارة الأمريكية على تنفيذ قرارها المذكور، وما إذا كان طرح لمجرد الابتزاز والتهديد والمناورة، سيما مع معرفتنا أن تركيا أرجأت قرارها بشن حملة عسكرية على شرقي الفرات.