نوافذ :«دار به الزمن..»

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

عندما نسمع مثل هذه الجملة – وهي هنا مثل يتداول – نستحضر عبر المخيلة، كأن هذا الذي يتحدث عنه، ذهب إلى مكان ما؛ وغيبه الزمن؛ وها هو اليوم يعود، مع أن العودة دائما لن تكون على الصورة التي ذهب بها من هو عائد اليوم، فالزمن تأثير مباشر؛ مادي؛ وتأثير غير مباشر؛ معنوي؛ ومن خلال التأثيرين، يقينا؛ لن تكون الصورة هي الصورة، ولن يكون الحال هو الحال، فثمة تغييرات جوهرية تستقصي كل صغيرة وكبيرة فينا، ولذلك عندما نلتقي بفلان من الناس، لم نلتقه منذ سنين عديدة؛ على سبيل المثال؛ أول ما يتبادر في الحديث بيننا عبارة: «فلان تغيرت» والتغير هنا: إما في الشكل، حيث يكتسي البياض معظم شعر الوجه والرأس، أو زيادة في الوزن؛ أو العكس، وإما التغير في التفكير والنضج، والرؤية تجاه تقييم المواقف، وقراءات الأحداث، أو المراجعة لكل ما هو سائد للصور النمطية التي يتعامل بها الناس، أو يقرونها كأسلوب حياة تنظم مجمل علاقاتهم.
فالدائرة الزمنية التي تبدأ من نقطة وتنتهي عند نقطة، لتبدأ دائرة أخرى، هي صيرورة زمنية لا مفر منها، ونحن جميعنا نعيشها؛ وإن كنا لا نشعر- في زحمة مشاغلنا اليومية – بتكرارها، فالعام الهجري او الميلادي؛ على سبيل المثال؛ صيرورة زمنية كبرى، ننتبه لهما عند البداية؛ أو عند النهاية؛ حيث يرافقهما مجموعة من الممارسات الاحتفالية: أعياد، مناسبات، محاضرات، توعيات معرفية، إجازات، دعوات، سفر، رحلات، وقد نؤرخ للحظات مناسباتية؛ زواج؛ ميلاد طفل؛ زيارة بلد؛ شهدتها إحدى البدايات لهذا العام أو ذاك، أو شهدتها إحدى النهايات كذلك، وما بين البدايات والنهايات ثمة مفارقة زمنية طويلة، ولكننا لا نحس بها، وعندما ننتبه تكون المفارقة كبيرة، وهذا الكبر يحدده مستوى الخسارة التي نعيشها دائما من ذهاب الزمن الذي هو العمر، فلا الزمن يعود، ولا العمر يعود، ونعود لنردد كلمة التمني «يا ليت كنا كذا، او فعلنا كذا» وهذه الـ «يا ليت» كثيرا ما تؤذينا نفسيا، تسبب لنا حرقة قد تدمع على أثرها الأعين، حيث لا عودة لما ذهب.
«دار به الزمن..» أو يدور بنا الزمن، حالتان: مادية ومعنوية؛ نشهدهما؛ تغيران فينا الكثير، ويكفي أكبر تغيير يحدث عندما نفارق من نحب، حيث الرحيل إلى لا عودة، فكم منا من فقد من يعز، ما بين بداية العام ونهايته، وكم خسرنا من علاقات، وكم خسرنا من مناصب؛ للذين يتوقون إلى المناصب، وكم خسرنا من مكاسب وجاهية، وكم خسرنا من صداقات؛ ارتبطت بمصلحة ما، لأن الصداقات التي تتحرر من عقدة المصالح؛ في تقديري؛ يمكن أن تستمر إلى أجل ما أكبر، من سابقتها، ولكي تظل العلاقة التوازنية؛ كما هو الوجود؛ هناك في المقابل؛ مكاسب غير منكورة، وهي توازي مجمل الخسارات، ولكن لأن وقع الخسارة أكثر حدة من وقع المكاسب، فإننا نؤرخ للخسارات أكثر، والمقاربة الموضوعية التي يؤصلها أبو العلاء المعري – رحمه الله – خير دليل على ذلك، في قوله: «حزن في ساعة الموت: آلاف سرور في ساعة الميلاد».
«دار به الزمن..»: قصة حياة لأي كائن حي، يعي هذا الكائن؛ كالإنسان؛ أو لم يع: كالحيوان، أو النبات، فكل الكائنات لها دورة حياة زمنية تبدأ من نقطة زمنية (لحظة الميلاد) وتنتهي عند نقطة زمنية (لحظة الموت) وهذا ينطبق على كل الممارسات الإنسانية في حياته اليومية، وكما نردد دائما: «لكل بداية نهاية» وما بين البداية والنهاية، هناك زمن فاعل بقدرة الله عز وجل: يغير، يزيد، ينقص، حيث تبدأ حيوات، وتنتهي أخرى، ويبقى الجميل في كل ذلك هو قدرتنا – كبشر – أن نعي ما يدور حولنا بفعل الزمن، لنقلل من تأثير الخسارات المتوالية، ونعزز شيئا من المكاسب التي تزيد أعمارنا، ولا تنقصها، والزيادة هنا ليست «بيولوجية» فهذه ليست بأيدينا، وإنما نزيد من مكاسبنا المعنوية لتستمر الحياة.