د. الصلابي: الأمة الإسلامية تمر بمرحلة مخاض لميلاد وشهود حضاري قادم

أكّد أن المستقبل للإسلام الحضاري الذي يحمل القيم الإنسانية –

المدرسة الإباضية تصدت على مر العصور للفكر الخارجي بالمناظرات والعلم والمعرفة –

حاوره: سالم بن حمدان الحسيني –

يرى المؤرخ والفقيه والمفكر السياسي الليبي د. علي محمد الصلابي أن المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية اليوم هي مرحلة مخاض لميلاد وشهود حضاري قادم، وأن المستقبل هو للقرآن الكريم وللإسلام الحضاري الذي يحمل القيم الإنسانية التي هي في أشد الحاجة إليها. مشيرا إلى أن المدرسة الإباضية منذ تأسيسها تصدت للفكر الخارجي بالمناظرات وبالعلم والمعرفة، وقد تعرضت للظلم ووصفت بالخوارج ظلما وزورا، وهم أكثر الناس حرصا على دماء وأموال وأعراض أهل القبلة.
ووصف الصلابي كتابه «الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج».. بأنه إضافة حقيقية للمكتبة الإسلامية لمن أراد أن يعرف حقيقة الإباضية، وأشار إلى أن آخر إصداراته كتاب «الجمهورية الطرابلسية» الذي يتحدث عن فترة تاريخية في ليبيا منذ قيام الجمهورية الطرابلسية عام 1918 حتى 1922 ، ويعكف حاليا على تأليف موسوعة تتعلق بأولي العزم من الرسل، وقد بدأ بسيرة سيدنا عيسى عليه السلام…
والدكتور الصلابي هو من ليبيا من مواليد بنغازي وحاصل على شهادة الليسانس من كلية أصول الدين من المدينة المنورة، والماجستير عن الوسطية في القرآن الكريم، والدكتوراة في النصر والتمكين في القرآن الكريم من جامعة أم درمان بالسودان، وهو مهتم بالتاريخ الإسلامي، وله دراسات موسعة في السيرة النبوية وعهد الخلافة الراشدة وفترة الحروب الصليبية ودولة المرابطين والموحدين والعثمانيين وغيرها من الدول. ومن أهم مؤلفات التي تربو على 30 مؤلفا: «عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين» و«وسطية القرآن الكريم في العقائد» و«صفحات مشرقة من التاريخ الإسلامي» و«تبصير المؤمنين بفقه النصر والتمكين في القرآن الكريم»، و«السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث».

أعرب د. الصلابي في مستهل هذا اللقاء الذي خص به «عمان» عن انطباعه الممتاز عن السلطنة وأهلها في هذه الزيارة وهي الأولى له، مشيرا إلى أنها عرفته على المجتمع العماني وتاريخه وحضارته وسماحته وتواضعه، وبساطته واصفا هذه الزيارة بأنها جولة علمية فكرية ثقافية أخوية دسمة.. فعن استقرائه لواقع الأمة العربية والإسلامية اليوم يرى أن المرحلة التي تمر بها الأمة هي مرحلة مخاض لميلاد وشهود حضاري لهذه الأمة، مبينا أن سنن الله في الحضارات يأخذ زمنا ويأخذ وقتا وأحيانا حتى يستغرق جيلا كاملا، مضيفا: أن المستقبل إن شاء الله للقرآن لكريم ولتعاليم النبي الكريم وللإسلام الحضاري الذي يحمل القيم الإنسانية التي هي في أشد الحاجة إليها، وأن هناك شهودا حضاريا قادما بإذن الله.
وعن أهم قضايا الشباب في نظر الدكتور الصلابي أوضح قائلا: هناك حملات من الشبهات منظمة من قبل بعض الدول فيما يتعلق بمحاولة التشكيك في القرآن الكريم وفي عقيدتنا وفي تاريخنا وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي الآن يجب أن يتصدى العلماء وطلاب العلم وينفتحوا على الفضاءات المتعلقة بالشباب فيما يتعلق بقضايا الإلحاد وفيما يتعلق بقضايا الشبهات، وهناك أيضا هجمات الشهوات التي تستهدف بناتنا وأولادنا وهنا يأتي دور المناهج التربوية العميقة في صلة العباد بالله الخالق العظيم، وهذا موجود في القرآن الكريم.

■ ألّف الدكتور الصلابي العديد من المؤلفات، منها كتاب: «الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج».. ما الذي دعاك لتأليف هذا الكتاب؟ وما الذي يحويه، وما الذي يدعو إليه؟

نحن في ليبيا لدينا المذهب الإباضي في جبل نفوسة كما تعرفون، وهناك بعض التيارات المتشددة أفتت بعدم جواز الصلاة خلف الإباضية، وقد أثارت بذلك ضجة كبيرة في أوساط الشعب الليبي لأنه كان هناك تجانسا بين الأخوة الإباضية مع المالكية في ليبيا، وهذا الصراع لم يكن أصلا موجودا من قبل في المجتمع الليبي، وقد انتقد سماحة المفتي الشيخ الصادق عبدالرحمن علي الغرياني مفتي المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا ذلك الأمر، وكان بعض الأخوة الأمازيغ طلبوا مني أن أتحدث عن هذا الموضوع وطلبت منهم إحضار المراجع الإباضية من الجزائر ومن ليبيا ومن السلطنة، وكنت في بداية الأمر ظننت بأني سوف اكتب في 20 أو 30 صفحة حول الموضوع، ولكن الله سبحانه وتعالى شرح صدري، ووجدت نفسي في بحر من المراجع والمصادر، ووجدت المدرسة الإباضية من زمن تأسيسها تعرضت للظلم ووصفت بالخوارج ظلما وزورا، وهم أكثر الناس حرصا على دماء المسلمين وعلى أموال وعلى أعراض أهل القبلة، وتصدوا هم على مر العصور للفكر الخارجي بالمناظرات وبالعلم والمعرفة، وكانت فرصة بالنسبة لي أن أقدم رؤية متكاملة حول الفكر السياسي الإباضي والعقائد الإباضية والمناهج التربوية وتاريخهم السياسي ومواقفهم من التاريخ الإسلامي، وبعد دراسة مفصلة كنت حريصا على أن أراقب الله فيها سبحانه وتعالى، وأن اكتب بقيمة العلم وبقيمة الإنصاف، فوصلت في المجلد الى أكثر من 950 صفحة مستعينا بأكثر من 300 مرجع من مراجع إباضية ومراجع سنية ووصلت الى أن هذه المدرسة إسلامية أصيلة لها علماؤها وعلى رأسهم الإمام جابر بن زيد الأزدي التابعي الجليل الذي أخذ علمه عن عبدالله بن عباس وعن عبدالله بن عمر والسيدة عائشة وأنس بن مالك وكثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وأن أصولهم كما قال العالم المغربي أحمد الريسوني القرآن والسنة والإجماع والقياس، ووجدت أن بعض المسائل التي خالفت مدرسة ابن تيمية وابن القيم والإمام أحمد رحمة الله عليهم هي في فروع العقائد وليس في أصولها ولهم من سبقهم من علماء السلف في مسائل الصفات الخبرية وفيما يتعلق بقضية رؤية الله في الآخرة، وفيما يتعلق بمرتكب الكبيرة وفيما يتعلق في مسائل هي في فروع العقائد وليس في أصولها، ويمتازون بمنهجية صارمة في التربية الأخلاقية، وخصوصا عند المغاربة بشمال إفريقيا فيما يتعلق بنظام العزّابة الذي أخرج الكثير من العلماء ومن الفقهاء بتلك البلاد.
وأضاف: أنا اعتبر هذا المؤلف إضافة حقيقية للمكتبة الإسلامية لمن أراد أن يعرف حقيقة الإباضية، ويعتبر أول دراسة موسعة من أحد العلماء المنتسبين لمدرسة أهل السنة والجماعة أن يعكف على مراجعهم، ولا يأخذ من أقوال الخصوم، وإنما يرجع الى المراجع والمصادر والعلماء المعروفين بذلك، مضيفا القول: إنني استفدت كثيرا من كتب سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة وكذلك مؤلفات الشيخ علي يحيى معمر وهو من علماء ليبيا ومن المناضلين والمجاهدين التي من أهمها: «الإباضية في موكب التاريخ، و«الإباضية بين الفرق الإسلامية»، وكذلك مؤلفات الدكتور عمرو خليفة النامي وهو من علماء ليبيا وقد مات في سجون القذافي نحسبه من الشهداء عند الله سبحانه وتعالى، كما استفدت أيضا من كتب الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد اطفيش وهو من علماء الجزائر وغيره من العلماء الجزائريين في هذا البحث.
وأوضح قائلا: درست المذهب الإباضي من أصوله ومصادره وتعرفت على علماء راسخين وفقهاء ربانيين وسياسيين محنكين وباحثين أثرَوا الحضارة الإسلامية في اجتهاداتهم السياسية والأصولية والفقهية والفكرية والاجتماعية قديمًا وحديثا، وقد أنتج فقهاء ومفكرو الإباضية نتاجًا حضاريًا في مجال التاريخ والسياسة والتشريع والفقه والأصول والاجتهاد كتبًا ومؤلفات كثيرة.
وأكد الصلابي: أن الإباضية مدرسة إسلامية لا علاقة لها بتيارات الخوارج، وان المنهج العلمي المتقيد بقيمة العلم والإنصاف في البحث يتطلب منا أن نقف على أقوال علمائهم وفقهائهم في مصادرهم الأصلية، وكتبهم الفقهية، وكلام المعاصرين والسابقين من علمائهم ومدى تشابهها واختلافها مع المدارس الإسلامية الأخرى، حيث أن الإباضية مدرسة فكرية قائمة، ومذهبًا فقهيًا بذاته، فالأخذ عنهم أولى من الأخذ عن غيرهم.

■ ما هي آخر إصدارات الدكتور الصلابي.. وهل هناك إعداد لإصدار قادم قريبا؟

آخر اصداراتي وقد صدر حديثا هو «الجمهورية الطرابلسية» وهو يتحدث عن فترة تاريخية في ليبيا منذ قيام الجمهورية الطرابلسية عام 1918 حتى 1922 وهي تعتبر أول جمهورية في الدول العربية والإسلامية في العصر الحديث، ومن ضمن قادتها آنذاك الباشا سليمان الباروني الذي تربطه علاقة وطيدة بسلطنة عمان، وكان من كبار المستشارين للسلاطين في عمان في فترة تاريخية بعد الاحتلال الإيطالي، وقد قاوم الاحتلال ورفض الدخول في معاهدات أو الصلح مع الإيطاليين، وقد كان ولاؤه للدولة العثمانية، وبعد سقوط الدولة العثمانية فضّل البقاء والاستقرار في سلطنة عمان رحمة الله عليه.
وأضاف: أما عن الإعداد المستقبلي في مجال التأليف فقد بدأت في تأليف موسوعة تتعلق بأولي العزم من الرسل، وقد بدأت بسيرة سيدنا عيسى عليه السلام من خلال قراءات موسعة في الأرثوذكس والبروتستانت والكاثوليك فوجدت أن النظرة عند هذه الفرق عن سيدنا عيسى عليه السلام فيها اضطراب شديد، وأن الحقيقة التامة والكاملة فيما يتعلق بسيرة سيدنا عيسى عليه السلام هي الموجودة في كتاب الله سبحانه وتعالى، ولذلك الحق سبحانه وتعالى أشار بإشارات غيبية مستقبلية في سورة آل عمران الى أجداد سيدنا عيسى عليه السلام من جهة الأم، وكذلك في سورة مريم قصة كاملة وأيضا في سورة المائدة، وهذه إشارات ربانية لمن أراد أن يعرف حقيقة عيسى عليه السلام فليرجع الى كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.