خطبة الجمعة : المسلم عليه أن يفتخر بالانتساب إلى دينه ويعتز بشخصيته المتميزة

الإسلام دين المحبة والسلام والأخلاق العالية –

تدعو خطبة الجمعة لهذا اليوم المسلم إلى الاعتزاز بشخصيته ومبادئه وقيمه بحيث تكون شخصية متوازنة مستمدة معالمها من الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة، وعلى كل مسلم ومسـلمة أن يفتخر بالانتساب إليه مبينة أن هذا الدين العظيم جاء ليرسم الخطوط العريضة لأصول العقيدة والتعاملات والأخلاق، ويعطي للمسـلم هويـته الخاصة، وسمته المتميزة، داعية إلى مقاومة الظواهر التي تدل على ضعف الشخصية والانهزام النفسي وذلك بالاستمساك بالعروة الوثقى والاقتداء بالنبي الكريم محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهنا نص الخطبة كاملا تحت عنوان: «استقلال شخصية المسلم»:

الحمد لله الذي اصطفى لنا خير دين، وجعلنا مسـلمين، نحمده تعالى ونشكره، ونسـتعينه ونسـتهديه ونسـتغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المؤمنين، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله الأمين، وقدوة الخلق إلى مرضاة رب العالمين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه من الأنصار والمهاجرين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله:
اتقوا الله تعالى واعـلموا أن دينكم هو دين المحبة والسلام، والأخلاق العالية والاحـترام، والتقدير وعظيم الاهـتمام؛ (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ)، دينكم دين التقوى والحياء، والرحمة والإخاء؛ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، دينكم دين الإنصاف والعدل والإحسان في الأخذ والعطاء، هو دين التشييد والبناء، وهو الذي يعلمك الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، وبإقامته يكون النصر على الأعداء، يقول رب الأرض والسماء: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)، إن دينك -أيها المسلم- دين مهيمن على ما قبـله، ناسخ لما سبقه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).
أيها المسلم:
بعد أن أتم الله النعمة على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بإظهار دينه على من ناوأه أنزل جل وعلا قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). فعلى كل مسلم ومسـلمة أن يفتخرا بالانتساب إليه، وأن يقدساه حق التقديس، ويعظماه حق التعظيم. أليس هو الدين الذي يصلك بخالقك العظيم، وربك الكريم؟ أليس هو الدين الذي يبين لك ما يريده منك خالقك وصانعك؟ ولأي شيء خلقك؟ ولماذا أخرجك من العدم إلى الوجود؟ أليس هو الدين الذي يملأ فراغ نفسك الروحي، ويلبي نداء فطرتك، ويجدد إيمانك، ويزكي أخلاقك، ويكسوك زينة الإجلال والاحـترام بين بني جنسك؟
أمة الإسلام:
لقد جاء هذا الدين العظيم ليرسم الخطوط العريضة لأصول العقيدة والتعاملات والأخلاق، ويبين الأحكام الشرعية الخاصة والعامة، ويعطي للمسـلم هويـته الخاصة، وسمته المتميزة، فهو متميز في عقيدته فلا يجحد خالقه، ولا يثلث ربه ولا يعدده بل يوحد، وينزه ويمجد، وهو متميز في حديثه فلا يقول إلا حقا ولا ينطق إلا صدقا، وهو متميز في تعامله فلا خيانة ولا سرقة ولا ارتشاء ولا احـتيال، وهو متميز في مشـيته بوقاره بلا تبخـتر ولا اختيال، وهو متميز في لباسه فلا حرير يلبسه ولا ذهب ولا تشبه بالنساء ولا تقليد للآخرين، هكذا يريدكم دينكم -أيها المسلمون -فاتقوا الله وقاوموا الظواهر التي تدل على ضعف الشخصية والانهزام النفسي بالاعـتزاز بما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور، واسـتمسكوا بعروة الدين الوثقى لا انفصام لها، وإياكم ومحدثات الأمور، وعليـكم بالاقتداء بخير قدوة، والتأسي بخير أسوة، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.


الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحـبه ومن والاه.
أما بعد، فيا عباد الله:
لا يخفى عليكم أن ترسم الإنسان لخطوات غيره، متصفا بصفاته، ومقتديا بأفعاله، إنما ينشأ من الإعجاب القلبي بحال من اتبعه، وهو يعـكس صورة المحبة القلبية ولو لم يفصح اللسان، فإن دلالة الحال أقوى من دلالة المقال. والمحبة القلبية يجب أن تكون من المسلم أولا لربه العظيم ثم لنبيه الكريم ثم لدينه القويم، ولقد بين الله تعالى أن اتباع رسوله العظيم صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيه، والتسـليم له في حكمه وشرعه هو ترجمة عملية للمحبة القلبية من المؤمنين لربهم: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)، كما أمر عز وجل أن يخص المسـلمون بعضهم بعضا بالمحبة القلبية التي يترجمونها إلى موالاة ونصرة بعضهم لبعض: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
فاتقوا الله -عباد الله-، واحرصوا على أن تكون شخصيـتكم ثابتة على قيمها ومبادئها، متوازنة في جميع جوانبها، مسـتمدة معالمها من هدي الكتاب والسـنة، فهذا يجعلكم ذوي شخصيات راقية مسـتقيمة، سوية عزيزة شريفة.
هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين، فقد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه حيث قال عز قائلا عليما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ووحد اللهم صفوفهم، وأجمع كلمتهم على الحق، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.
اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك.
اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).