في ترتيب جنازة صديقي الشاعِر الهنديّ

أحمد فرحات – مؤسّسة الفكر العربي –

بصمتٍ غارقٍ في صمته، وبعيداً من أيّ استعراضٍ إعلاميّ مُسبق، انتحر الشاعر الهنديّ الصديق كومار سينغ كوجرال، وترك رسالة يقول فيها: «رحلتُ عن هذه الدنيا لأحقِّق هدفاً وحيداً هو البحث عن مزيد من الصلة بالواقع».
لكنّ الشاعر الصديق، الذي أعطاني نسخة من مخطوط أشعاره (بالإنجليزيّة) غير المطبوعة حتّى الآن، وذلك قبل شهر ونصف الشهر من ارتكابته الدمويّة الفاصِلة (أواسط التسعينيّات من القرن الفائت) قال لي: «اقرأها ثمّ ارمِها في أوّل سلة مهملات تُصادفها، فالقصيدة تؤدّي مهمّتها بمجرّد قراءتنا لها».
لم أكترث بما قاله صديقي الشاعر الهندي الشاب وقتذاك؛ وخطفتُ من يده المخطوط الشعري خَطفاً، وقرأته لاحقاً بمُتعةٍ متأمِّلة فاحِصة تزمع الإتيان بكثيرٍ من رموز هذا الشاعر الكبير وأسراره وتمثّلها في العمق.
وعندما فوجئت بإقدامه على الانتحار، ازدادت حيرتي فيه، وفي الأسباب التي دفعته لأن يُطلق النار على نفسه بمسدّسٍ كاتمٍ للصوت مرّتَين: مرّة على الرأس والثانية على القلب، كما أشار تقرير الطبيب المُعايِن، وبخاصّة أنّه كان في نجوة من المعاناة المباشرة التي تضغط بأسبابها على كثير من الناس. فهو مثلا كان من الأغنياء المرفّهين جدّاً؛ وكان لا يُعاني من أيّ أمراض جسديّة مُستعصية.. لكنّه في المُقابل كان صاحب عقل متطوّر جدّاً وثقافة غزيرة ومتطوّرة أيضاً، أهّلاه، وهو بعد لم يتجاوز الأربعين، لأن يُفلسِف الوجود بصورة عبثيّة غلّابة وشبه حاسِمة زادته إيغالاً في ما وراء الظواهر والحقائق.
لكنّ حماسته للأفكار الفلسفيّة لم تكن لتطغى البتّة على حساسيّته الشعريّة فائقة الاقتدار والضرب في المجهول والإفراط في الإيغال في الأشياء، فهو شاعر في المقام الأوّل.. والأخير، لا يتجاوز أو يخون الحاضر البتّة، وخصوصاً إذا تعلَّق أمر هذا الحاضر بالماضي أو المستقبل، ولا يخون حواسّه ومظانّه وكلّ الثمار المُحرقة فيه.
وشِعر كومار سينغ كوجرال لا يَستثير اليأس إجمالاً، بل يتجاوزه بصوت الحواس، طمعاً في تملّك الأسرار التي تتّقد في البشر. وربما أقدَم على عمليّة الانتحار بهدف المزيد من الاتّحاد مع هوى بلغ مداه فيه. أوَلَم يقل في رسالته التي تركها قريباً من جثّته: «رحلتُ لأحقِّق هدفاً واحداً هو البحث عن مزيد من الصلة بالواقع»؟
أمام الجنازة في الهند
قبل ترتيبات أوضاع جنازته بأيّامٍ قليلة، فوجئت باتّصال هاتفيّ من الهند يدعوني، وعلى عجل، للحضور إلى بومباي. كان المتّصل شقيقة الشاعر التي أبلغتني «أنّكَ أنتَ مَن سيكون له شرف إضرام النار بجثّة كومار، وذلك بناءً على كلامٍ سابق (هو بمثابة وصيّة) كان يردّده أمامي، ومفاده أنّه إذا حدث ورحل عن هذه الدنيا، فما عليكِ يا فلورا (اسم شقيقة الشاعر) إلّا إبلاغ صديقي الشاعر اللّبناني ليتولّى هو مهمَّة بدء إضرام النار الأولى في جثّتي وقبل أيّ كاهنٍ هندوسي مَعنيّ بالأمر».
أصبتُ بالرَّوع طبعاً. كاد الأمر يصعقني فعلاً، فلم أكُن أتوقَّع في حياتي أن يأتي يومٌ أبلَّغ فيه بتنفيذ مهمّة مُلزِمة كهذه. وقلتُ لشقيقة الشاعر على الفور: نعم سآتي وعلى جناح السرعة..اطمئنّي يا فلورا، وطمئني والدَيك وكلّ محبّي كومار من حولك.. نعم سآتي، وفي مدّة لا تتجاوز الـ 24 ساعة مُترجِماً رغبة كومار بالكامل.
فجأة أنا أمام ترتيبات جنازة صديقي المغطّى بطبقات مركّبة من الزهور الصفر والحمر وألوان أخرى غامضة. كان أهل كومار يعرفون أنّني من ثقافة أخرى، وأنّني قد أُربَك في أيّ تفصيل صغير أو كبير في أثناء تأديتي هذه المهمّة التاريخيّة بالنسبة إليّ، فكان والده بمثابة مُرشد لي وبكامل قيافته الحزينة الصّارِمة. أمسكَ بيدي ثمّ تركها، في شبه إشارة لي في أن أبدأ بمسْك شعلة النار وإضرامها في الجثّة. وهذا ما حصل. لا أدري بُعيد ذلك، كيف واتتني شجاعة من نَوعٍ مُفاجئ، حتّمت عليّ أن أكون جزءاً لا يتجزّأ من طقوس الجنازة وتنفيذ مجرياتها على الأرض. كما حتَّمت عليّ أن أكون فرداً مُباشراً من أفراد هذه العائلة الأرستقراطيّة الهنديّة الحديثة، والأمينة، في الوقت نفسه، لتقاليدها الهندوسيّة القديمة. وصار الكلّ من حولي يعاملني معاملة فائقة الاحترام والتقدير، معطوفة على محبّة صادِقة ومبرّأة من أيّ بروتوكولات أو شكليّات قد تفترضها أدبيّات المناسبة الحزينة؛ فعرفتُ إذ ذاك أنّ إنفاذ وصية ابنهم كومار، هي بمثابة أمر مقدَّس عندهم، ويعلو على أيّ اعتبارٍ آخر. وكوني أمثِّل ثقة صداقة ابنهم العميقة بي.. والعكس صحيح، فلقد استحلّت روحاً ناطِقة باسمه بينهم، وبفرادة لا يقاوم حجر كيميائها الجوهري، حتّى ولو أنّني لم أتكلّم إلّا ببضع كلمات مُواسية باللّغة الإنجليزيّة، وقمتُ ببعض إشارات يتبادلها الهنود بقلبِ مصوّر من ذكاء المحبّة والكياسة، كنت قد تعلّمتها من انخراطي بالجالية الهنديّة في دولة الإمارات. وتمنَّت عليّ بعد ذلك شقيقة الشاعر كومار، نيابةً عن أمّها، بأن أنثر أنا بنفسي رماد كومار في نهر الغانج. وقمتُ بتنفيذ المهمّة على أكمل وجه، وإن على وقْع إيقاعات داخليّة تتلاقى فيّ وتتفرّق، وكلّها، يقيناً، على قاعدة احترام المشهد والهالة الإيحائيّة الطالِعة منه.

كومار في الإمارات

عاشَ الشاعر كومار سينغ كوجرال سنوات طويلة في دولة الإمارات، أحبّ فيها هذا البلد العربي الفتيّ، الذي ينمو بسرعة مكينة وواثقة كلّ يوم، وبما ينعكس مردوده التنموي والاقتصادي على رفاه شعبه وكلّ المُقيمين على أرضه الطيّبة.
وتجلّى حبّ كومار للإمارات في قصائد عدّة كَتبها في دبي وأبو ظبي والشارقة، قمتُ بترجمتها جميعاً إلى العربيّة وصدرت في كِتاب عن «المجمع الثقافي» في أبوظبي في العام 1999 تحت عنوان «تغذية الشمس»، وأختار من شعره هذه القصيدة بعنوان «تدريبات دبي»:
«كل يوم تدرّبنا دبي/‏‏ على حبّ الآخرين/‏‏ ومُراقَبة دبيبهم العجيب/‏‏ إنّها مدينة المُفارقات الآسيويّة/‏‏ والصحراء التي جمعت/‏‏ في غبطتها أناقة العصر/‏‏ ومَزارِع الشمس الخضراء/‏‏ ومسرّات البحر/‏‏ حيث البشر يلحقون بأحلامهم المُتفاوِتة/‏‏ ويقطفون فواكه آمالهم/‏‏ التي ينفردون برؤيتها/‏‏ كلّ يوم أمخرُ عباب هذه المدينة/‏‏ مكتشفاً كم أنّ رأسي/‏‏ بات يألف التنافر البشري/‏‏ وينتصر لجنونه الإيجابي في يومٍ قائظ».

على بحيرة الشارقة
وصولاً إلى سوق السمك

ذات يوم، وبينما كنا نتنزّه سويّاً، الشاعر كومار وأنا، على بحيرة الشارقة الساحرة، قال لي إنّه يودّ دخول سوق السمك القريب من نهاية سور البحيرة، بهدف شراء سمك الهامور، والذي يفضّله على غيره من أنواع السمك، وإنّه في هذا الوقت بالذّات، يُصادف وصول مَراكب الصيّادين الزّاخرة بالهامور الطّازج، وإنّه لا بدّ من استغلال الفرصة. دخلنا السوق سويّاً وخرجنا منه سويّاً. وبعد أيّام زوّدني صديقي الشاعر بهذه القصيدة الحاملة عنوان «انتصار الرائحة»، وهي تجسِّد ضميره الفردي عندما زار السوق بمفرده، وخَرج منه، من دون أن يشتري شيئاً، كون سمكه المفضَّل قد تمّ بَيعه بسرعة قياسيّة. وهاكم ترجمة قصيدة كومار إلى العربيّة:
«رائحة السمك/‏‏ تخطّت حدود السوق/‏‏ قال لنفسه: ماذا لو دخلتُ السوق/‏‏ وانتخبتُ أسماكاً بعَينها لغذائي؟/‏‏ دخل صديقي سوق السمك في الشارقة/‏‏ وراح يتفرّس بأنواع السمك/‏‏ غَلبته حيرة الانتخاب/‏‏ فخرجَ من السوق/‏‏ وجاء بالرائحة إليّ».
وكَتب الشاعر الهندي كومار سينغ كوجرال قصيدة مهمّة للغاية، استلهمَ خلالها شمس الخليج المعروفة بحدّتها المُتجاوزة لأهل الخليج خصوصاً، والمُقيمين على أرض الخليج عموماً. عنوان القصيدة هو «شمس الخليج» ويقول الشاعر فيها:
«الشمس شمسان في الخليج/‏‏ شمس خارجيّة/‏‏ وأخرى داخليّة/‏‏ الخارجيّة مَكسبٌ للبحر والرمل/‏‏ وباطنُ ما يخفيه هذا الرمل/‏‏ والداخليّة مَكسبٌ لي/‏‏ لأنّها شمس البشر/‏‏ الهادئين الطيّبين/‏‏ الأذكياء على حذر/‏‏ وعلى قلبٍ متسامح/‏‏ يفنى في الدفاع عن الغرباء من أمثالي/‏‏ لكنّ شمس هؤلاء البشر/‏‏ لا يعرفها عميقاً إلّا من تضوّأ قلبه/‏‏ بخيوطها السكريّة/‏‏ ولا يفهمها أو يسيء فهمها/‏‏ إلّا أولئك الذين هُم على مبعدة منها/‏‏ ومع ذلك يحشرون أنفسهم في الكلام/‏‏ على ما يجهلون/‏‏ أيّتها الشمس الداخليّة/‏‏ لا بدّ سيعرفك كلّ مَن تقرّب منك/‏‏ ودَخلتْ خيوطك السريّة عمق ضميره».
يميل الشاعر كومار سينغ كوجرال إلى كتابة القصيدة القصيرة، بخلاف استثناءات قليلة كَتب خلالها قصائد طويلة اقتضاها المَوقف الشعريّ منه؛ فالقصيدة القصيرة أقدر على بلْورة المعنى والتقاطه، ومن ثمّ رَميه في أعماق الآخرين.. واستطراداً التفاعل اللّحظوي معهم، والذي له صفة الدواميّة أيضاً والحفظ في الذاكرة أكثر. وعندما سألتُ صديقي كومار عن سرّ اشتغاله على القصائد القصيرة؛ وهل كان ذلك من مَوقع التأثر بنَماذج شعريّة أوروبيّة نجدها في الأخصّ عند اليوناني يانيس ريتسوس واليوغسلافي فاسكو بوبا، أجابني على الفور وباستغراب قائلاً إنّ القصيدة القصيرة استعيرت أصلاً من الآداب الآسيويّة، من يابانيّة وصينيّة وهنديّة، قلّدها الأوروبيّون وغيرهم، وإنْ بنَوباتٍ شعريّة ذات شَعْشَعَةٍ مُختلفة. ولذلك عندما نميل إلى هذا النَّوع من الكتابة الشعريّة، فإنما نُحيي تُراثاً شعريّاً عَرَفَتْهُ آدابنا من قديم الزمان ولم نتخلّ عنه أصلاً.. نُحييه طبعاً عبر أنماطٍ شعريّة جديدة تحدِّد هي بذاتها أشكالها وأبعادها المُغايرة.
ولدى مُطالعتي شعر الصديق كومار وغيره من شعراء شباب آسيويّين وُلدوا أو عاشوا في دولة الإمارات، لحظت هذه السيولة الإنسانيّة العالية لديهم، وهي تتقاطع في المكان بناسِه وعلاقاتِه ومشهديّات طبيعته الصافية.. بحراً، صحراء، نخلاً، وتفاصيل أخرى.

وفي شعر هؤلاء الشعراء الآسيويّين، وفي الطليعة بينهم، الشاعر كومار سينغ كوجرال، نرى الشاعر ينحني على نفسه و«يسرد قصيدته» بروحٍ تظلّ متحرِّرة، بدهيّة وخارِجة عن كلّ يقينٍ نقدي مسبّق أو وثوقيّات جاهزة صارِمة.
وفي طوافنا في فضاء قصائد مَن نقصدهم من شعراء آسيويّين، لا نعثر على روح مجاهدات ذهنيّة نظاميّة أو دعائيّة مُمالِئة، فالقصائد تقع علينا هكذا بلا رتوش أو مقدّمات واستنتاجات.. تأتي حافلة برؤية شعريّة طازجة، حارّة ولا تطيق كلماتها الكبرياء. . رؤية تظلّ تستخرج من النَّفس الأعمق والأهدأ والأكثر احترازاً ممّا هو مُتداوَل في سوق اللّغة الشعريّة السائدة.
وعلى قصرها، تزدحم القصيدة لديهم بالتفاصيل والغربة الخضراء والأسئلة الصّاخبة المنسقّة لفوضويّتها على هواها الحرّ، وغير المُرتبط بالتنظيرِ النقديّ للشعر في أوروبا والغرب بعامّة.
وإذا كانت الحدود قد تفجّرت بين البلدان كلّها، فهذا يعني أنّنا بتنا قي واقعٍ عالَميّ واحد، لكنّه واقع تتدهور فيه، مع الأسف، مَكانة الشاعر أو الكاتِب أو المثقّف الرّيادي عموماً.. تدهوراً سيدفع ثمنه الجميع ما لم يتمّ تدارُك مسبّباته قبل فوات الأوان. وبمهارة وإصرار فائقَين، يقف الشاعر الآسيوي مُواجِهاً هذا الواقع المؤسِف، مذكِّراً أنّ الحياة الإنسانيّة لا تستقيم من دون قيَم الإبداع والثقافة، ومن دون الشعر خصوصاً؛ فالشعر يصنع التاريخ والمستقبل بأعظم صورة.