تقدير الذات

يولد الإنسان على الفطرة، وينشأ متجانسا مع الطبيعة التي يعيش فيها، ويتعلم من المدرسة التي يلتقي فيها صنوفا وأجناسا لا تعد ولا تحصى، وقد كرم الله هذا الإنسان بالعقل وميزه لاختيار مسلكه، وحلحلة مخرجاته وعناصره.
 فأول ما يستقيها من معين المنزل وآدابه، وشمائله وفضائله، وكرمه وأخلاقه، منذ نزوله إلى هذا الكون كائنا يتحرك. يرى النور فيبصر، ويحل الظلام فيسكن، ويبقى كذلك حتى ينتهي الأجل، وإذا تمحص الأنسان مسلكه وجد طريقين، طريق الصلاح الموصل للخير، وطريق الغواية الملقي في المهالك. 
ويتفاوت توجه الأفراد وتتفاوت فيهم الصفات سيرة وشيمة، أخلاقا ومروة، فرحا وبؤسا، تقديرا واحتقارا، فطنة وجهلا، مكرا ودهاء.. إلخ، وتختلف توجهاتهم حسب النزعة التي تمكنت في عقولهم، ولعلني أجد الجوهر والأصل في التمسك بكتاب الله وسنة رسوله من أجل الثبات (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
إلا أن عقولا كثيرا من الناس، وضيق مداركهم بضيق داء العظمة الطاغية على نفوسهم، وتسلطهم على الخلق، مغترين بستر الله في الدنيا، مؤمنين أنفسهم بأمان اليد التي وضعتهم، سيكون مصيرهم فضح الله لهم، وتكشف سوءاتهم، (لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)،  بيد أن المرارة تكمن في طغيان هذه الفئة العاجزة وإجحافها على الآخرين وامتهانهم، فيصير تحت سلطتهم المواطن كأنه غريبا في وطنه، وتضيق على العامل فتجعله يعيش واقعا ملغما بقيم لا تنسجم مع قناعاته وقيمه الشخصية، نتيجة الغموض وضبابية الرؤية، ومعوقات مرسومة المحبطة للهمم وحاطه للعزم، فلا عطاء مقدر ولا فعل مرغوب.
إن الصورة الذاتية الضعيفة للبعض تتهرب من تحمل المسؤولية، وتتجاوزها بإلقاء اللوم على الآخرين، واحتقار نجاحاتهم، والغيرة منهم، وتتأثر بكل كلمة توجه لهم عن حقائق ثابتة واقعية، فهذه الصورة مختزلة في ضيق من القيم والاعتقاد.
 إن الناظر للذات الضعيفة يدرك أنها غير قادرة على الحب والعطاء، أو بناء علاقات مستمرة، كما أنها تحس بالدونية وتجهل حجم قدراتها، كل ذلك ربما يعود إلى الصورة السلبية التي عشعشت فيها فاختلطت معها الأفهام، فصار النقد الهادف يقرأ أنه إهانة تستوجب إطلاق سهام اليأس والإحباط، ولك أن تتصور ماذا يحدث عندما تتولى مثل هذه الشخصية قيادة مجموعة من الأفراد، سيتغلغل اليأس والإحباط للمجموعة ككل، نتيجة غشاوة البصر، ومحدودية الأفق، وضبابية التفكير. كل ذلك يعرض الأفراد لخطر تكسير الذوات وانكسار التقدير الذاتي، وبخاصة إذا ما قيدوا بقيود الفعل والقول، وبرمجوا قسريا على رؤية مختلة، ليصيروا ضحية للسلبية بكل ما تحمله من فقد الثقة بالنفس وبأهليتها وقدراتها واستحقاقاتها. ويبدو الخطر المبيت في تحول الأفراد إلى بؤر سلبية معيبة. 

ان الذين لا يعملون يؤذي نفوسهم أن يعمل الناس، وأؤمن بانهم يخطئون خطأ فادحا عندما يستخدمون أسلوبا عنيفا في تعاملهم، فيستنزفوا أوقاتهم في التوافه، ليرسموا في أذهانهم تصورات لا أساس لها من الواقع، فينشغلوا بها عن العظائم، وهذا ديدن فلاسفة المقاعد للذين قبعوا في مكاتبهم، متشبثين بها، الملتصقين بها التصاقا يمنعهم من تركها، فتضيق نظرتهم بضيق الجدران التي تحدهم، فتجدهم يعيشون صراع قوة من أجل إخضاع العاملين لسلطتهم مهما بدا التخلف والضعف في مسلكهم.

في الجهة المقابلة، نجد أن أصحاب النظرة الإيجابية للذات، يتميزون بتقدير الذاتي المرتفع تنتج عنه صفات محمودة، فيتميزون بالتواضع والهدوء والسكينة والصراحة، ويترفعون عن الصغائر، ويتولون المسؤولية كاملة، ويظهرون الود والاحترام للآخرين، ويرحبون بالنقد والنصح البناء، مؤمنين أن أسس التغيير تبدأ من الذات (.. إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ …)، مدركين أن الانفتاح على الآخرين وعلى أفكارهم ينير الطريق لاختيارات أوسع وأفضل وأكثر تحديثا وملاءمة، داعمين بذلك بيئة عمل إيجابية مستنيرة بالعقل الذي كرم الله به الإنسان، وبذا يتعزز التقدير الذاتي للأفراد، وهذا لا شك يولد النجاح.
ومهما كان تقدير الإنسان لذاته وانعكاس هذا التقدير على البيئة المحيطة بالفرد، يبقى أن الجميع أمام الله مسؤولون على كل فعل يصدر منهم اتجاه الآخر. وأن من أبسط إيجابيات تعامل أن تعامل الآخرين بمثل ما تحب أن تعامل، على أن المسؤولية أعظم إذا ولي فرد مسؤولية جماعة، فعليه أن يتخذ منهجا عقلانيا فعالا لا يعيب الآخر بل يشاركه، وليذكر كل منا أن لا دوام لنشوة منصب ولا فرحة للقب.