لماذا استقال ماتيس؟

مايكل فُوكْس – الجارديان –
ترجمة: قاسم مكي –

حطم جيمس ماتيس لِتَوِّهِ زجاج (باب الخروج) الذي لا تكسره إلا في حالة الطوارئ فقط. استقال وزير الدفاع الأمريكي احتجاجا على رئيس الولايات المتحدة الذي ينشط في تقويض «نظام عالمي هو الأكثر ملاءمة لأمننا وازدهارنا وقيمنا». لا يلزمك أن تحب ماتيس أو أن تتفق مع سياساته أو أن تُخفِي «تحت البساط» كل تلك المناسبات التي لم يقدم فيها استقالته حينما تصرف دونالد ترامب على نحو مقيت حقا. لكن من الصعب ألا تحترم حقيقة أنه امتلك الآن الشجاعة ليفعل ما لم يفعله أي أحد آخر في إدارة ترامب. أي الاستقالة والتعبير علنا عن جسامة مخاوفه من الخطر الذي يشكله ترامب على أمريكا والعالم.
إن حقيقة خطورة ترامب واضحة لكل أحد استمع إليه منذ لحظة هبوطه من المصعد في برج ترامب عام 2015 لإعلان ترشحه للرئاسة. كما أن نظرته إلى العالم (من ازدراء للحلفاء الديمقراطيين ومعارضة لدور أمريكا في عالم ما بعد الحرب) كانت واضحة أيضا منذ فترة طويلة. لكن حقيقة أن وزير دفاعه الحالي شعر بالحاجة إلى الاستقالة وإحاطة العالم علما بمخاوفه العميقة تجاه الرئيس حدث غير مسبوق في فترة رئاسية غير مسبوقة.
يختتم ماتيس خطاب استقالته الذي وزعه إلى الصحافة بتقريع مذهل لترامب. كتب «لأن لك الحق في وزير دفاع تتفق آراؤه على نحو أفضل مع آرائك حول هذه المسائل وغيرها أعتقد أن من الصواب بالنسبة لي التنحي عن منصبي». ترجمة هذه الجملة أن ماتيس لا يتفق مع سياسة ترامب الخارجية. وتوضيحا لتلك الآراء (من بين آرائه) التي «لاتتواءم على نحو أفضل» مع آراء ترامب، كتب ماتيس «في حين تظل الولايات المتحدة بلدا لا غنى عنه في العالم الحر إلا أننا لا يمكننا حماية مصالحنا أو خدمة ذلك الدور (في قيادة العالم الحر- المترجم) بفعالية بدون الحفاظ على تحالفات قوية وإظهار الاحترام لأولئك الحلفاء».
ترجمة ذلك أن ماتيس يعتقد بأن ترامب يعامل أوثق حلفاء أمريكا باستخفاف وذلك ما يعرّض للخطر أمنها القومي ومصالحها حول العالم. كما كتب ماتيس في خطاب استقالته «على نحو مماثل، أعتقد أن علينا التحلِّي بالحزم والوضوح في مقاربتنا (سياستنا) تجاه تلك البلدان التي يتزايد تنافر مصالحها الاستراتيجية مع مصالحنا» ذاكرا في هذا الصدد الصين وروسيا تحديدا.
ترجمة ذلك أن ترامب ضعيف ومتقلب في سياساته تجاه أكبر منافسي أمريكا بمن فيهم روسيا والصين.
وختم ماتيس الخطاب بقوله إن آراءه «حول التعامل مع الحلفاء باحترام وأيضا بأن نكون على بصيرة (بماهية) القوى الشريرة والمنافسين الاستراتيجيين» تشكل قناعات راسخة لديه ومستمدة من تجربة أربعة عقود من انغماسه في هذه المسائل. وترجمة ذلك أن ترامب ليست لديه فكرة عما يفعله.
من المعلوم جيدا أن ماتيس لديه خلافات عديدة مع ترامب. فحينما تحدث ترامب عن الحرب مع كوريا الشمالية تحدث ماتيس عن الويلات التي ستجلبها تلك الحرب. وعندما انسحب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني قيل أن ماتيس عارض تلك الخطوة. وربما أن قرارات ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا (والآن من أفغانستان أيضا كما يبدو) هي القشة الأخيرة التي أجبرت ماتيس على الاستقالة.
إن الخلاف في السياسات شيء عادي. بل يمكن أن يكون صحيا في الحكومة التي تُصَرِّف أعمالها على النحو المعتاد. لكن هذه الحكومة يمكن أن تتصف بأي شيء سوى ذلك. كما أن عُمْقَ مخاوفِ ماتيس من ترامب يمكن أن يوصف بأي شيء سوى أنه عادي. لذلك يلزم أن تكون استقالة ماتيس تنبيها «فريدا في وضوحه» وسط تنبيهات يومية بالخطر الذي يمثله ترامب.
السؤال. هل سيكون بديل ماتيس في وزارة الدفاع أسوأ؟ ممكن. هل سيشعر ترامب بأنه أكثر تحررا في اتباع قرارات طائشة في السياسة الخارجية؟ محتمل. هل بدأت الأمور تتجه في الوجهة الخاطئة؟. ربما رغم أنها، كما يبدو، لم تكن أصلا تمضي في الوجهة الصحيحة. وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع ماتيس حول سياسات محددة فإن العالم الذي عمل على بنائه (والذي عملت أمريكا على بنائه) يعاني من الإجهاد. وتضغط الصين (بتصرفاتها) على المعايير الاقتصادية والأمنية الدولية. ومن جانبها تصبح روسيا أكثر عدوانية. فهي تقوض استقرار أجزاء من أوروبا والشرق الأوسط. ويصارع حلفاء أمريكا الديمقراطيون في أوروبا.
إن ترامب يفاقم كل هذه الأوضاع. وسياساته المتقلبة تجاه الصين غير فعالة. وعدم استعداده للوقوف في وجه روسيا يقدم لبوتين إشارة خضراء للمزيد من التصرفات العدوانية. ويتسبب ترامب في تآكل تحالفات أمريكا مما يجبرها على معارضتها. وكل هذا يقوّض هياكل الاستقرار الدولي التي حالت دون وقوع الحرب بين القوى العظمى لعقود من السنين. وفي حين أن هناك الكثير الذي لا ينبغي لماتيس أن يفخر به مثل إرسال جنود إلى الحدود مع المكسيك كجزء من استعراضٍ يتعلق بحملة انتخابية وعدم الاحتجاج أو الاستقالة عندما وقف ترامب إلى جانب العنصريين البيض في شارلوتسفيل وهاجم وكالة التحقيقات الفيدرالية أو الصحافة أو أيٍّ من تصرفاته العديدة التي تقوض ديمقراطية وأمن أمريكا إلا أنه يمكنه أن يفخر باتخاذه موقفا الآن. ولا نملك إلا أن نأمل بأن يكون هذا الموقف الأول وليس الأخير الذي يسمعه العالم من ماتيس عن ترامب. ولمصلحة أمريكا والعالم نأمل أن يبدأ أعضاء حزب ترامب الآخرون في الحديث والعمل على كبح جماح ترامب.


  • الكاتب زميل أول بمركز التقدم الأمريكي ونائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادي سابقا.