قراءة في أوراق عام جديد

عبدالعزيز محمود –

يبدو عام ٢٠١٩ حافلا بالنزاعات والتحولات، خاصة في بؤر التوتر الجيوسياسي، في ظل سباق تسلح نووي، وصراع على النفوذ بين القوى الكبرى، في محاولة لإنهاء الهيمنة الأمريكية، وسط مؤشرات على أن العالم بحاجة إلى نظام عالمي جديد.

لا خلاف على أن حالة عدم الاستقرار التي يشهدها العالم سوف تستمر، مع صعود الصين كقوة كبرى، وتحدي روسيا للنظام العالمي، وتقدم اليمين الشعبوي في أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وتراجع الديمقراطية الليبرالية، ودخول الاقتصاد العالمي مرحلة من التباطؤ والانكماش.
وفي ظل التوتر بين واشنطن وبكين وموسكو، ثمة ما يؤكد أن عام ٢٠١٩ سوف يكون عام الصراعات، وأيضا التحولات، مع اشتعال سباق تسلح جديد، بالتزامن مع حروب تجارية وصراعات مسلحة بالوكالة، واستمرار موجات الهجرة والنزوح.
وفي الولايات المتحدة تتزايد احتمالات الجمود السياسي، في ظل مواجهة محتملة بين الرئيس والكونجرس، فور إعلان نتائج التحقيقات حول التدخل الروسي المحتمل في انتخابات ٢٠١٦، وبدء مجلس النواب تحقيقاته حول الأنشطة المالية للرئيس، وهو ما قد يدفع الرئيس ترامب لافتعال مزيد من المعارك الداخلية والخارجية، لتخفيف الضغوط التي يواجهها، سواء بالتصعيد مع إيران أو كوريا الشمالية، أو بدء دورة جديدة من حرب التجارة مع الصين.
وفي حال انهيار معاهدة الحد من الأسلحة النووية متوسطة المدى في فبراير المقبل، يبدو اشتعال سباق التسلح النووي حتميا بين الولايات المتحدة وروسيا، بكل ما يترتب على ذلك من تداعيات على العلاقات الثنائية وأمن أوروبا والعالم.
والمرجح أن تتجه العلاقات الأمريكية – الروسية نحو مزيد من التدهور، خاصة مع استمرار العقوبات الأمريكية على روسيا، والخلاف حول سوريا وأوكرانيا وإيران، وإلغاء قمتين كانتا مقررتين نهاية العام الجاري بين الرئيسين ترامب وبوتين.
ورغم أن قرار الرئيس الأمريكي بسحب القوات الأمريكية من سوريا، وتخفيض عددها إلى النصف في أفغانستان، يشكل استجابة لمطالب روسية سابقة، إلا أن موسكو تبدو عازمة على مواصلة سباق التسلح، وتوسيع دائرة نفوذها في البلقان والجمهوريات السوفييتية السابقة والشرق الأوسط.
من جهة أخرى تواجه العلاقات الأمريكية – الصينية تحديا صعبا، فعدم توصل البلدين إلى اتفاق تجاري قبل انتهاء الهدنة بينهما في مارس المقبل، سوف يؤدي إلى استئناف حرب التعريفات الجمركية المتبادلة، والتي قد تتحول إلى حرب تجارية شاملة.
وأيا كان الوضع، فالصراع بين الولايات المتحدة والصين يبدو حتميا، بسبب المنافسة على الهيمنة الاستراتيجية، وتصميم الصين على توسيع نفوذها العالمي، عبر بوابة التجارة والتعاون التقني مع آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، ومواصلة سباق التسلح العسكري.
ومع تهديد واشنطن بفرض تعريفة جمركية على واردات السيارات الأوروبية واليابانية، في حال عدم التوصل إلى اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي واليابان، تتزايد احتمالات اشتعال حرب تجارية جديدة، تهدد تماسك مجموعة العشرين.
ويبدو أن هذا التهديد لن يكون الوحيد الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي في عام ٢٠١٩، فخروج بريطانيا من الاتحاد دون اتفاق في مارس المقبل، يشكل تهديدا أكبر، بالنظر إلى تكلفته الاقتصادية الباهظة خلال السنوات الخمس المقبلة.
أضف إلى ذلك إمكانية حصول الأحزاب الشعبوية على مقاعد أكبر في انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو المقبل، مما يهدد بإعاقة العملية التشريعية للاتحاد الأوروبي، وتحكم هذه الأحزاب في اختيار رؤساء المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي.
والمرجح أن يحقق اليمين الشعبوي مكاسب أكبر في ٢٠ عملية انتخابية سوف تشهدها أوروبا خلال العام المقبل، ومع تفاقم أزمة الديون الإيطالية (٤٠٠ مليار دولار) واليونانية (١١٥ مليار دولار) تتزايد تحديات منطقة اليورو.
وفي الشرق الأوسط يبدو الوضع أكثر تعقيدا، مع تزايد احتمالات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، سواء بشكل مباشر، أو بالضغط على حلفائها في اليمن وسوريا ولبنان والعراق، لإجبارها على إعادة التفاوض حول برنامجها النووي والصاروخي.
وفي حال تنفيذ طهران لتهديداتها بإعادة إنتاج الوقود النووي، فإن أزمة كبرى قد تشتعل، بكل ما يترتب عليها من تداعيات في المنطقة والخليج. وهكذا من غير الوارد أن يهدأ الصراع في اليمن، بل إن الحرب في سوريا قد تتحول إلى صراع إقليمي، مع اتساع المناوشات العسكرية بين إسرائيل وإيران، ودخول قوات تركية إلى شرق الفرات، وقيام فلول داعش بشن حرب عصابات.
ومع إعلان الرئيس ترامب خلال النصف الأول من العام المقبل، عن خطته للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين، والتي تشمل إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية، وفق شروط محددة، تظل عملية إحلال السلام مرهونة بتعاطي الجانبين مع خطة ترامب، وأيضا بنتائج الانتخابات الإسرائيلية في مايو المقبل.
وفي إفريقيا لا يوجد ما يشير إلى احتمال توقف النزاع المسلح في ليبيا والصومال ومالي وتشاد وإفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وجنوب السودان، ومع إجراء الانتخابات النيجيرية في فبراير المقبل، تتزايد احتمالات تجدد المعارك بين الجيش النيجيري وجماعة بوكو حرام.
وفي أمريكا الجنوبية لا يختلف الوضع كثيرا، مع استمرار عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في فنزويلا وهندورواس وجواتيمالا ونيكاراجوا والسلفادور وكولومبيا، بسبب العنف والفقر والخلل في توزيع الثروة وكارتلات المخدرات، مما يعني استمرار أعمال العنف وما ترتب عليها من نزوح قسري وفرار آلاف المدنيين.
كذلك لا تبدو في آسيا أي مؤشرات على توقف الصراع العرقي والديني في ميانمار والفلبين وبلوشستان وبابوا الغربية بإندونيسيا، بينما تتزايد احتمالات التوتر في بحر الصين الجنوبي بين الصين وكل من فيتنام والفلبين وماليزيا، وسط مخاوف من حدوث صدام عسكري بين الولايات المتحدة والصين، بسبب الصراع على النفوذ هناك.
وفي أفغانستان تتواصل المحادثات بين الولايات المتحدة وطالبان لإيجاد حل للحرب التي تدخل عامها الـ١٨، بالتزامن مع انتخابات رئاسية أفغانية في أبريل المقبل، لكن قرار الرئيس الأمريكي بخفض الوجود العسكري في أفغانستان، قد يضعف موقف الحكومة الأفغانية، ويدفع طالبان للتشدد، مما يعني استمرارية العنف وعدم الاستقرار.
ومع إجراء ١٥ عملية انتخابية في آسيا خلال العام المقبل، تظل انتخابات الهند هي الأهم، وسط توقعات بفوز حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم بالأغلبية، رغم هزيمته في الانتخابات المحلية، وهو ما يعني استمرار نارندرا مودي رئيسا للوزراء.
وفي شبه الجزيرة الكورية يظل وقف التصعيد بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، مرهونا بنتائج القمة الثانية المرتقبة بين الرئيسين ترامب وكيم جونج أون، وما لم تبادر بيونج يانج بتفكيك برامجها النووية والصاروخية، سوف تبدأ دورة جديدة من التصعيد.
وهكذا يبدو عام ٢٠١٩ حافلا بالنزاعات والتحولات، خاصة في بؤر التوتر الجيوسياسي، في ظل سباق تسلح نووي، وصراع على النفوذ بين القوى الكبرى، في محاولة لإنهاء الهيمنة الأمريكية، وسط مؤشرات على أن العالم بحاجة إلى نظام عالمي جديد.