«الإبداع» في معترك السياسية

د.عزة القصابي –

تشكل «السياسة» موضوعا حيويا في لغة التواصل والتحاور اليومية لدى الناس. وهي صمام الأمان الذي يتنفس منه المبدع خاصة والفرد عامة ، فبدون الاستقرار السياسي، يصعب أن يتصالح المنجز الإبداعي مع الواقع.
المبدع في هذه البسيطة، يعيش ويتنفس في هذا الكون الواسع، يحلم أن يرى العدالة التي ينشدها في الأنظمة الحاكمة تحقق، حتى يتوفر له مناخا إيجابيا يعينه على التعبير عن رأيه بكل سلاسة وحرية.
تباينت سبل «الإبداع» باختلاف أرواح مبدعيها، فالشاعر يبحر في بنية نصه الذي يتزامن مع واقعه السياسي الذي قد لا يتفق مع ذاته، فيأتي منجزه الشعري مغايرا للبنى السلطوية، حاملا بذور التمرد والثورة على الأنظمة التي لا ترضي طموحه ، فكم من شاعر صدح باسم العدالة والحرية والمساواة.
يتضمن المنجز الإبداعي الروائي العديد من الإرهاصات السياسية التي تتحدث عن التحولات في الحراك الشعبي، وتمكنت عدد من الروايات من خلال أحداثها وشخصياتها الرمزية، من إشعال فتيل الثورات العربية بهدف الإصلاح والتغيير!
تضمنت رواية « كوابيس بيروت» للكاتبة غادة السمان، الأبعاد السياسية التي جاءت على هيئة مذكرات رصدت مجريات الحرب الأهلية اللبنانية. واشتهرت هذه الرواية وترجمة لست لغات عالمية، إضافة إلى رواية «الزمن الموحش» للكاتب حيدر التي ناقشت أفكار ورؤى الواقع.
أثارت رواية « رأس الرجل الكبير» للكاتب السوري عدنان فرزات موضوع الثراء الفاحش بفعل الفساد والأزمة المالية في سوريا آنذاك، وما نجم عنه من فوارق طبقية اقتصادية واجتماعية. كما أفصحت هذه الرواية عن الخلل الحاصل في الأحزاب السورية السابقة التي تزامنت أحداثها مع فترة الانقلابات السياسية والتحولات الاجتماعية والفكرية آنذاك.
استدعت رواية «جملكية آرابيا» للكاتب الجزائري واسيني الأعرج شخصية « دنيازاد» من أدب ألف ليلة وليلة ، بعد أن أسقط المؤلف عليها ظلال الأنظمة العربية المعاصرة ، بأسلوب رمزي يمزج بين الجمهورية والملكية. وبعد خمسين عاما من الثورات نتج كيانا هجينا اطلق عليه المؤلف «الجملكي»، بمعنى لا مملكة ولا جمهورية. وسعت أحداث الرواية إلى تعزيز ذات الفرد في ذلك النظام الهجين، الساعي إلى تحقيق العدالة في الجمهورية المفترضة.
لقد امتدت أذرع السياسة لتشمل المسرح، الذي ولد هو الآخر في كنف السلُطة والدين اللذين كانا له ملاذا آمنا، إلا أنه سرعان ما انقلب عليهما وتمرد وأعلن استقلاله. فغادر إلى الشارع دون سابق إنذار ليصافح عامة الشعب، واستطاع التعايش مع همومه وسعى إلى ترديد المفردات المثالية المفعمة بالسلام والأمان.
لذلك لا غرو إن يجد المثقف والفنان والمبدع في المسرح ضالته، كونه يتصدر قائمة الفنون الإبداعية ذات التأثير والتعبير عما يرنو إليه الآخر في منجزه الإبداعي. يعد سعدالله ونوس صانع المسرح السياسي الأول، فهو ثائر متمرد في نصوصه، يسعى إلى نبذ الطبقية وتوزيع الثروات بين الشعوب وردم الفجوة بين الغني والفقير، ومن أعماله المسرحية مثل «الفيل يا ملك الزمان» و «مغامرة رأس المملوك جابر» و«الملك هو الملك» و«فصد الدم» وغيرها.
فضلا عن مسرحيات دريد لحام التي أغرم بها الوطن العربي شرقا وغربا. واستطاع لحام أو غوار الطوشة إنتاج أعمالا ساخرة تعكس حال المواقف السياسية المتناقضة في الوطن العربي، عندما قدم مسرحياته مثل: «كأسك يا وطن» و«شقائق النعمان» و«صانع المطر».
كما قدمت في الخليج العربي عددا من الإبداعات الفنية والأدبية ذات الرؤى السياسية، لعل أكثرها جرأة هو مسرح حسين عبد الرضى، ومسرح غانم السليطي. ولا يزال المسرح الخليجي يرزح بالرؤى السياسية في إطار الواقعين الاجتماعي والثقافي.
تناثرت في الربيع العربي الأعمال المسرحية التي تتحدث عن الوعي السياسي، حيث قدمت مسرحية «تي زمزم» التي تصف استفحال الانقلابات والثورات العربية، التي تتسبب في حدوث خلل في بنى المجتمعات العربية من خلال شخصيات جسدت واقع الشعب والدولة بتقديم شخصية النقابي والحراكي والحكومي والصحفي والمثقف والنائب.
أخرجت مسرحية «زنقة زنقة» للمخرج اللبناني قاسم اسطنبولي في ربيع الثورات والانتفاضات العربية. يتمحور موضوعها عن الصراع بين السلُطة والشعب، والمطالبة بالتغيير ومحاربة الفساد بأشكاله المختلفة، بمعية الفريق الفني من الوطن العربي.
رصدت السينما العربية الكثير من الأفلام عن قضايا الشعوب العربية غير المستقرة حيث البؤس والمجاعات والدمار والحروب والظلم الاجتماعي. من الأعمال السينمائية التي شاطرت الإنسان العربي همومه، فيلم «شيء من الخوف» الذي ظهرت فيه شخصية «عتريس» التي ترمز إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
ومن الأفلام التي عززت الإحساس القومي للشعوب، وأسهمت في إشعال نيران الثورات العربية فيلم «الكرنك» الذي تعرض لثورة 23 يوليو، والذي عرض أيام السادات. إضافة إلى فيلم «زائر الفجر» إحدى الأفلام المصرية القديمة التي تناقش أعنف صدام بين حكومة الثورة وصناع السينما المصرية، إضافة إلى الفيلم التسجيلي «الطيب» الذي رصد ثورة 25 يناير قبل وبعد حدوثها.
تستمر جدلية العلاقة بين السياسية والمبدع ، فكلاهما يحاول كسب الرهان بلغة قد لا يفهمها إلا المبدع نفسه، الذي قد يصمت لتتحدث منجزاته الإبداعية بأسلوب لا يدرك مغزاه إلا من يعايش الواقع السياسي ويشعر بالمعاناة فيه.
تظل «السياسية» ذلك البساط السحري الممتد عبر المنظومتين الاجتماعية والثقافية في كل زمان ومكان. ويبقى المبدع شاهدا على عصره، نطاقا بلسان حاله، وهو بمثابة جهاز الاستشعار الذي يتنبأ برؤى السلام والعدالة، بعيدا عن الحروب والدمار والاستبداد. في حين أن النهايات المغلقة تحث المبدع على مشاركة الآخر في الانتفاضات والثورات، ويتبلور ذلك من خلال إنجازاته التي تساهم في إحداث الإصلاح والتغير لصنع واقع أفضل.