الشجرة والهواء

عادل محمود –

حين قرر سامر الذهاب إلى ضاحية شرق دمشق تعرضت للدمار شبه الشامل… كان قد مضى على تحرير الأنقاض في هذه الضاحية سنة كاملة.
خلال سنة حرّضه الأصدقاء والعائلة على الذهاب وتفقد البيت ومعرفة حجم الأضرار، وكيف سيتعامل الناس مع الخراب.
وحين وصل إلى الحي، كان المشهد كله مما ينتمي إلى الحرب العالمية الثانية. وكلنا يعرف الصورة النمطية للدمار وسقوط الشرفات وتحطم طوابق المباني. وعندما وصل إلى حديقة البيت رأى أن لا بيت ولا شيء سوى الحطام.
اقترب سامر أكثر. رأى اختلاط الحطام بأشجار الحديقة. رأى شجرة التوت وكأنها دخلت المنزل. رأى المنزل كأنه يحنو على شجرة التوت. رأى البطولة العظمى لشيء اسمه الغبار.
كان صديق سامر، وهو معه الآن، قد اسّتل قلمه ليدون أشياء وأرقام وتصريحات وخطط… حول إعادة إعمار سوريا. وبالأمس، وقد قررا زيارة الضاحية، أعطى سامر ورقة مكتوب عليها: «سوريا ستنتهي من إعادة الإعمار في العام 5391 م، قياساً على ما يجري في هذا المضمار. فقد خصص مجلس الوزراء مبلغ 50 مليار ليرة سورية لإعادة الإعمار السنة القادمة 1919 وهذا المبلغ (حسب سعر صرف الدولار هذا الأسبوع) يعادل 115 مليون دولار. وحسب تقرير الأمم المتحدة فإن مجموع تكاليف إعمار سورية هو 388 مليار دولار. وبالتالي، ننتظر العام 5391، بفارغ الصبر، لنحتفل بإعادة إعمار سورية، التي حطمتها الحرب! كان صديق سامر يعتقد أن هذه الأرقام، رغم قسوتها ومهما خففتها، هي دالة على ما يجعل طريق اليأس سالكاً… ولكن الحياة أقوى من الحطام.
وهناك من قال لسامر من جهة الأمل: خرجت ألمانيا من الحرب وقد مات أغلب الرجال من سن 14 – إلى الخمسين. فتولت النساء جمع الورق، والأقلام، وكل ما يعثر عليه، بين الأنقاض، من أدوات الكتابة…لافتتاح المدارس تحت الحيطان المتصدعة ( وكانوا يسمونهن، نساء المباني المحطمة).
في العام 1954 (9 سنوات بعد الحرب) فازت ألمانيا بكأس العالم في كرة القدم وكانت أصابع اللاعبين تخرج من الأحذية المهترئة.
كان مستحيلاً الدخول إلى منزل سامر، فاكتفى بالدوران حوله، وتفقد الأشجار، من مات، ومن عاش منها. وفجأة يصدر صوت نقرات أصابع على مفاتيح بيانو. الصوت آت من داخل البيت. وبالطبع كان من الحماقة الاعتقاد بأي منطق، وتصور أي احتمال. تذكر سامر البيانو الذي اشتراه من شخص سيغادر البلد في بداية الحرب. توقف الصوت. ثم بعد قليل عاد صوت نقرات رتيبة ولكنها أعلى قليلاً. تقدم سامر وصديقه من فتحة في الجدار. فرأيا طرف مفاتيح البيانو وقد تراكم عليها الغبار وقطع من الأحجار ورأيا حركة أغصان شجرة التوت قريبة منه، وقد دخلت أغصانها من النافذة.
هنا… سأكمل أنا الحكاية مجازاً: «كلما هب الهواء من حوله… عليه… فيه.
تناهى في الخراب الحزين، رنين صاحبه القديم». سامر… يأتي كل يوم إلى حديقة المنزل ويتفرج على أصابع الشجرة ومفاتيح الكون، وهما ينتظران الهواء…لترّن الحياة في لحظة عزف.