أدونيس :على المثـقف أن يخلق مسافة بينه وبين النظـام دون أن يعاديه

في حوار أثار أسئلة كثيرة في العالم العربي –

رصد الحوار : عاصـــم الشيدي –

أثار حوار أجراه الشاعر والمفكر العربي أدونيس مع قناة الميادين الكثير من الأسئلة والنقاش على صفحات الجرائد العربية ومواقع التواصل الاجتماعية، وهو نقاش عادة ما يأتي بعد أي حديث لأدونيس. وركزت المراجعات التي أعقبت حوار أدونيس على موقفه من الأحداث في سوريا وبشكل خاص حديثه عن اسم الجمهورية السورية حينما دعا أدونيس لأن يكون اسم سوريا الجديد «الجمهورية السورية» وليس الجمهورية العربية السورية، معتبرا أن سوريا عربية بالضرورة ولا داعي لإثباته في المسمى، وهو أمر غير موجود في مسميات بقية الدول العربية.
وكان أدونيس يتحدث للميادين في برنامج «ما بعد العرب» الذي تقدمه راميا الإبراهيم والذي جاء في ختام سلسلة وثائقية عرضتها القناة في خمسة أجزاء حملت اسم «هذا هو اسمي.. أدونيس».. ولاقت الكثير من المتابعة والإعجاب إلا أن الحوار الذي تبع السلسلة الوثائقية لمناقشة ما دار فيها وما حدث في كواليسها هو الذي لقي ردات فعل مع الكثير من الكتاب العرب في الصحف أو في مواقع التواصل الاجتماعي.
«عمان» تلقي الضوء على أهم ما جاء في حوار أدونيس مع راميا الإبراهيم وأثار الضجة الثقافية الحاصلة في المشهد العربي اليوم.

لا يمكن للإنسان أن يعيش بلا دين.. لكن نحن أكثر تخلفا من أسلافنا –

نفى أدونيس في بداية حواره أن تكون الدول العربية قد انتزعت استقلالها الكامل بعد سقوط الخلافة العثمانية وحركات التحرر الوطني معتبرا الدولة العثمانية لم تنته بثورة قام بها العرب على الوضع السائد في ذلك الوقت إنما حدث ذلك بتدخل أجنبي أعاد تقسيم الدول العربية وفقا لاتفاقية سايكس بيكو المعروفة وبشكل خاص المنطقة الشرقية من الوطن العربي التي التحقت بالسياسة البريطانية والفرنسية بعد الخلافة العثمانية.
وقال أدونيس إن ما حدث في سوريا إبان الانتداب الفرنسي لم يكن ثورة وطنية متكاملة، وإنما حدثت مقاومات قادتها شخصيات وطنية لم تكن تمثل إرادة الشعب كاملة، ولم تقم بها مؤسسات المجتمع، إذا كانت به مؤسسات، مشيرا إلى أن الثورات الوطنية التي يعنيها تشبه ما حدث في الجزائر على سبيل المثال حيث قامت ثورة شعبية شارك فيها شعب بأكمله وبمؤسساته واستمرت طويلا حتى نالت الجزائر استقلالها.
وقال أدونيس إن أي ثورة لا يمكن أن تقوم دون أن يكون لها خطاب ثقافي وفكري تتبناه، والثورات الوطنية في تلك المرحلة لم يكن لها خطاب يحدد موقفها من القيم السائدة في عهد الدولة العثمانية، بل على العكس فإن الدول الوطنية التي نشأت في أعقاب الدولة العثمانية تبنت أفكارها وموقفها من الماضي ومن الفكر الديني والاجتماعي الذي قامت عليه الخلافة العثمانية.
وأشار أدونيس الى أن تقدم أي بلد لا يقاس بعدد المتعلمين فيه أو المتفوقين أو النخب، ولكن بتقدم مؤسساته وقوتها؛ لأنها هي القادرة على إحداث التغيير لا الأفراد. وضرب أدونيس مثالا بلبنان معتبرا أنها على مستوى التعليم الفردي والتفوق فإن الأفراد فيها في طليعة بلدان العالم، بل يتفوقون على أندادهم في الغرب ولكن إذا نظرنا إلى لبنان على اعتبار النظام السياسي ونظام القيم تجد أنه بلد متخلف.
واعتبر أدونيس أن السلطات التي قامت في أعقاب انتهاء الخلافة العثمانية لم تكن مستقلة تمام الاستقلال، ولم تكن لها إرادة، معتبرا أن التغيير تحدثه السلطة لأنها هي التي تمثل المجتمع، وتمثل علاقته مع الآخر وهي التي تقود مقدراته، وبذلك لم يستطع المجتمع العربي أن ينتقل من مرحلة لمرحلة، ورغم السنوات لم يستطع هذا المجتمع تأسيس جامعة نموذجية واحدة لأن الماضي بقي مرجعيته الوحيدة رغم أن الماضي ما زال مختلفا عليه بين الجميع.
وبذلك يؤكد أدونيس أن السبب الأول لتخلف المجتمعات العربية يعود للسلطات التي تدير المجتمع وتبقيه رهينا بالماضي.
وأشار أدونيس إلى أن الكثير من البلدان تصبح فيها الثقافة وظيفة، معتبرا أن هامش الاستقلال في البلاد الغربية بات يتضاءل كثيرا، بل إنه قال إن بعض البلاد الغربية صارت عربية على مستوى مساحة استقلال المثقف.
وتحدث عن فرنسا التي رأى أن مساحة الاستقلال الفكري فيها صارت ضئيلة كثيرا لأن أغلب المثقفين فيها باتوا يميلون فيها للعمل السياسي.. ورغم أن أدونيس استدرك بالقول إن العمل الفكري هو عمل سياسي ولكنه عمل بنائي وليس وظيفي، في حين أن الكثير من المفكرين اليوم هم مجرد موظفين.
وفي الإطار نفسه قال أدونيس لا توجد حرية مطلقة، ولكن الحرية تقترن بظروفها التاريخية والموضوعات التي تعالجها، وفي هذا السياق استشهد بمقولة للشاعر رامبو حيث يقول «الحرية لا بد أن تكون حرة».. وعندما سألته المذيعة راميا الإبراهيم ألهذا لا تريد الحديث عن فترة سجنك في سوريا قال: هناك أشياء كثيرة أتردد في قولها، ما كل ما يعرف يقال.. نحن لا نقول شيئا ونكفّر فكيف إذا قلنا!!».
وردا على سؤال المحاورة إن كان يعني أن على كل فنان أن لا يكون مع النظام قال: جوهر القول ممكن ولكن مهمة الفنان هي مهمة نقدية تغييرية، ومهمة النظام هي مهمة البناء والاندماج به، ولكلٍ المساحة التي يتحرك فيها، وإذا اندمج الفنان في المساحة التي يتحرك فيها النظام ضاعت فكرته، ولذلك يجب أن يكون مستقلا عن النظام، حتى لو كان النظام عظيما، مؤكدا على أهمية أن تكون هناك مسافة بينه وبين النظام، لكن ليس عليه أن يعادي النظام.
وعندما ذكّرته المذيعة أن دخوله للمدرسة تم عبر إلقائه قصيدة شعرية يمدح فيها الرئيس شكري القوتلي، أول رئيس لسوريا بعد الاستقلال، قال أدونيس كان ذلك وعمري 13 سنة ولكن الجميع يعرف أنني لم أعمل موظفا في الدول السورية أبدا لا بالمعنى الوظيفي ولا بالمعنى الفلسفي، ولم يترتب على تلك القصيدة أي التزامات سياسية.
وفي سياق ربط الحديث ببعضه سألت المذيعة أدونيس عن رؤيته لسوريا اليوم، لكن أدونيس رأى أنه لا يستطيع الحديث عن سوريا وهو خارجها، وعندما طلبت رؤيته عن سوريا من خلال رؤيته لها من الخارج قال: أتمنى أن يخلق ما حدث للسوريين من توحش ودفعوا ثمنه غاليا وعيا جديدا، مؤكدا أنه يستحيل الاستمرار في النسق السياسي والمعرفي الذي كان سائدا قبل «الربيع العربي» مشيرا إلى أهمية تغيير السياق والخروج منه لدولة مدنية تكون العلاقات بين أفرادها قائمة على الحقوق والحريات وليس على المذهب والقبيلة أو العشيرة أو الحزب، وأضاف أن على من يحكم البلاد أن يقف أمام مسؤولياته التاريخية ويصر على نقلها من مرحلة لمرحلة جديدة.
وقال لا يجب أن نخون البلاد مرتين: بالتوحش الذي دمرها، وبعدم الانفصال عن العقلية التي أخرجت ذلك التوحش.
وسألت المحاورة أدونيس عن الدستور وفيما لو طلب منه المشاركة أو إبداء الرأي كيف سيعرف سوريا؟
قال أدونيس بعد برهة من الصمت: أولا يجب إلغاء أي شيء يؤسس لاستمرار العلاقات القديمة بين المواطن والموطن وأن لا تقوم هذه العلاقة على أسس دينية أو قبلية أو إثنية، وتقوم على أساس مدني قائم على القانون لا فرق فيه بين مواطن ومواطن إلا بالعبقرية والإبداع ويعطي لأي سوري سواء كان ذكرا أو أنثى أية مسؤولية يستطيعها بما في ذلك رئاسة الجمهورية.. وأضاف أدونيس سأكون حزينا جدا فيما لو حدد الدستور الجديد دين رئيس الجمهورية كما هو الدستور الحالي.
وانتقد أدونيس اسم الدولة «الجمهورية العربية السورية» متسائلا لماذا العربية؟ هي بالطبع عربية، مستطردا بالقول: سوريا ليست إناء والشعب العربي يملأه. مقترحا أن يكون اسم الدولة «الجمهورية السورية».. مشيرا الى أن هناك أكرادا وشركسا لماذا نعربهم بالقوة؟!
وقال أدونيس إنه كان قد وجّه رسالة إلى الرئيس بشار الأسد في بدايات الأزمة السورية وطالب بانتقال مدني كامل وفصل تام بين ما هو ديني وما هو سياسي وثقافي واجتماعي.
وطالب أدونيس المسلمين بإعادة قراءة نصوصهم الدينية كما فعل أسلافهم، مؤكدا أنه لا يتبنى موقفا محاربا للدين، لكنه يحارب من يحّول الدين الدين إلى أداة سياسية وإلى رأسمال سياسي واقتصادي. وقال أدونيس إنه يتمنى لو يظهر من يقرأ الإسلام كما قرأه ابن رشد والغزالي. واستشهد بمقولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي قال إن هناك أشخاصا يقرأون القرآن ويريدون به مصالحهم ولا يريدون به الله سبحانه وتعالى، معتبرا أن قراءة القرآن اليوم، يعني القراءة الفكرية، هي قراءة مصالح.
وقال أدونيس لا يمكن أن نقيم ثورة من مرتزقة أو من مذهبية، والذي يريد ثورة لا بد أن يثوّر عقله أولا، وأكد أنه إذا كان عليه أن يقف في صف في سوريا فهو يقف مع المعارضة السورية في الداخل ولكن عليها هي الأخرى أن تفصل بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي ولا يكفي أن تنادي بدولة مدنية دون هذا الفصل.
واستغرب أدونيس استمرار الخوف من كلمة علمانية، معتبرا أن البلدان الغربية علمانية ولكنها ليست ضد الدين، ولا يمكن للإنسان أن يكون بلا دين ولكن علينا أن نحترم الآخرين ونحترم خياراتهم، ونحترم آراءهم وتوجهاتهم، مشيرا الى أن العرب كانوا يناقشون الكثير من التفاصيل الدينية بحرية كبيرة أكثر من الحرية الحالية، مؤكدا «أننا أكثر تخلفا من أسلافنا».
لكن أدونيس عاد للقول إنه غير متفائل بالتغيير في الوطن العربي.. معبرا سوريا والعراق أهم دولتين في العالم، وليس علينا أن نراها عبر ما يحدث الآن ولكن عبر رمزيتيهما التاريخية.