في مديح ونقد الفيدرالي الأمريكي

مصباح قطب –

كان بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي محط أنظار الجميع طيلة الأيام الماضية، الاقتصاديين والخبراء ورجال وسيدات الأعمال والصحفيين ومن قبل الجميع الساسة في أمريكا وأغلب بلدان العالم ، ولَم يكن مبعث الاهتمام هو ما إذا كان سيرفع أو يثبت سعر الفائدة، فذلك كان معروفا وكل المحللين توقعوا الرفع ، كما أن الرفع الذي تم وهو ربع نقطة مئوية كان التاسع في سلسلة رفع امتدت منذ ٢٠١٥، لكن الذي جعل الجميع يحبس أنفاسه هو التهديد غير المسبوق لحاكم المركزي، باول، من قبل الرئيس ترامب، وإعادته التأكيد أن قرارات المركزي بالرفع هي جنون في جنون، وأنه من غير المقبول أن يرفع مرة أخرى في اجتماع الأربعاء قبل أمس . انتظر الناس أن يروا النتيجة في ظل هذا التحدي العلني المخيف، ولماذا انتظروا وهم يعرفون أن المركزي مستقل بحكم الدستور والتقاليد ؟ . جوابي هو أن الرأي العام العالمي والأمريكي أصبح يعرف انه مع ترامب فإن كل شيء مباح طبقا لعبارة ديستوفسكي الشهيرة، ويعرف أيضا أن ما كان يقال إن أمريكا بلد مؤسسات لم يعد دقيقا في هذا العهد الذي تبدلت فيه أحوال كيانات كبيرة، وأصبح تغيير المسؤولين فيه أشبه بلعبة روليت، أي حيثما توقفت الكرة عند مسؤول فعليه أن يغادر الملعب. اتخذ المركزي قراره ورفع السعر وانهارت سوق المال الأمريكية على نحو دراماتيكي لكن محافظ الفيدرالي قال إنه اتخذ القرار الذي يعتقد أنه صحيح وأنه لم تكن هناك ضغوط من أحد، ولكن الاحتياطي الفيدرالي خفف في بيانه عقب اجتماع اللجنة المعنية التي اتخذت قرار الرفع من لغته المتشددة بشأن توقعات الرفع في المستقبل، نسبيا، بحيث يتوقع المراقبون أن يرفع مرتين فقط في ٢٠١٩ بدلا عن ثلاث ثم يبدأ العودة إلى تيسير السياسة النقدية أي خفض سعر الفائدة وقد قدم ذلك بعض العزاء للأسواق بعد انتكاسة سوداء، وَمِمَّا هو جدير بالذكر أن كل التحليلات الرصينة تحدثت منذ أكثر من عام عن وجود فقاعة سعرية في سوق الأسهم الأمريكية وأن لحظة التصحيح قادمة لا محالة، لكن وول ستريت لا تصيخ السمع إلى مثل هذا الكلام كما نعلم ومهما كانت قوة الأدلة والشواهد، وأكثر من هذا فإنها تبذل جهدها على كل الجبهات لتزيح أي محاولة للتصحيح أو تجعل آخرين يدفعون ثمنه إذا حصل، وكلنا يذكر المثل الذي قيل في أمريكا عن عمعمة الخسائر وخصخصة المنافع وقد قيل ذلك بسبب وقوف الحكومة بل والبنك المركزي الأمريكي إلى حد بعيد مع وول ستريت.
وتحميل المجتمع معظم ثمن الأزمة المالية والانهيار العقاري في ٢٠٠٨، وقد حاول مجتمع الأعمال الأمريكي منذ أشهر الضغط لسرعة العودة إلى خفض الفائدة بحجة حفز الاستثمار بيد أن القصد الحقيقي كان هو بقاء الأموال في سوق الأسهم بدلا من أن تفر إلى أدوات الدخل الثابت والودائع، لكن المحاولات لم تفلح لأسباب منها أن النمو وصل إلى مستوى قوي وتراجعت البطالة وما زال التضخم أقل من مستهدف المركزي فلماذا يستجيب للضغط والأهم من ذلك أنه يريد أن يقطع الطريق على استمرار فقاعة الأصول لأنه لو تركها فسيكون الانهيار مدويا في أمريكا وفي العالم كله، وصحيح أن رفع الفائدة أرهق الأسواق الناشئة ، وسحب من أسواق مالها السيولة بما أثر على موازينها الخارجية وفرصها في الاقتراض بالسلب وزاد من تكاليف ديونها والتي كانت قد توسعت فيها وقت تيسير السياسة النقدية في أعقاب ٢٠٠٨، لكن محافظ المركزي الأمريكي قال إن الأسواق الناشئة ستستفيد حينما يعمل الاقتصاد الأمريكي بشكل سليم ، وهو قول في موضعه لكنه يتجاهل أن الأضرار لحقت بالعالم النامي وقضي الأمر من جراء عدم عمل الاقتصاد الأمريكي بشكل سليم في السنوات الماضية، وفِي كل الحالات فإن وقوع أزمة مالية عالمية جديدة سيكون كارثيا على الجميع بالفعل خاصة. إن العالم وكما قيل بحق لن يصطف لمواجهتها كنّا حدث في المرة السابقة ونحن نرى كيف تكسب النعرة القومية أرضا يوما بعد آخر، بحيث إنه لا توجد دولة على استعداد لان تنسق مع الأخرى، لمواجهة أزمة، حتى ولو كان في ذلك مصالح لهما على المدى البعيد ، فالكل يتحدث اليوم ويعمل بالمثل الشعبي المصري (احييني النهاردة وموتني بكرة)، بما في ذلك ترامب وزعماء دول كبيرة نفترض أن لها خططا ورؤى استراتيجية.

نعود إلى قرار المركزي فأقول إنه أدهشني مقال لأستاذ اقتصاد أمريكي في صحيفة لوس انجلوس تايمز يوم الثلاثاء الماضي يقول فيه إنه عاش رافضا لسياسات المركزي طيلة عشرين عاما لكنه يجد نفسه اليوم وهو مدفوع إلى توجيه التحية لبنك الاحتياطي الفيدرالي على قراره الأخير بل ويذهب إلى القول بانه ببساطة لم يكن هناك من طريق آخر لوقف سلسلة التلاعب بقيم الأصول.
ومسلسل فقاعة أزمة فقاعة أزمة ، وقد أدهشني أكثر أن الكاتب أدان بعنف الآن جرينسبان المحافظ الذي قضى قرابة ٢٠ سنة حاكما للمركزي وحمله تبعات سياسة ضخ الأموال الرخيصة لإنقاذ الشركات والبنوك بعد الأزمة العالمية خصما من دافعي الضرائب. وقال إن بن برنانكي الذي جاء بعده والذي لديه خلفية أكاديمية قوية عن الأزمات المالية في التاريخ الأمريكي مضى تقريبا على نفس النهج. إن كان قد غير المسمى فبدلا من طبع نقود وضخها جعل المركزي يشتري الأصول أي السندات من السوق لضخ سيولة، ويعترف الكاتب بأنه كان يمكن فهم ضرورة تشجيع الطلب ليعاود الاقتصاد التعافي بعد الأزمة لكن برنانكي ومن قبله جرينسبان فرحا بالنجاح الذي تحقق مع علمهما بأن إجراءات معالجة وضع مرضى ليست هي المطلوبة لتحقيق نمو قوى وحقيقي ومستمر، ومع هذا النقد قلت إن ترامب هو أيضا يستحق التحية ، صحيح أنه هدد المحافظ قبل وبعد قرار رفع الفائدة، بل. قيل انه فكر في إزاحته ، لولا أن حذره وزير المالية من العواقب الوخيمة.
لكن في النهاية هو الذي اختار ذلك الرجل وذلك يحسب له ،. لعلم القارئ فإن خلفية كل شخصية قيادية في بنك الاحتياط الفيدرالي تكون معروفة مسبقا للكافة لدرجة أن الصحافة تكتب هناك من الآن عن التغيير الذي قد يطرأ على أداء البنك بدخول فلان وفلان من بنوك احتياط بالولايات إلى لجنة السوق المفتوحة وتقول إنه يصعب أن يحصل حاكم المركزي الراهن على قرارات بالإجماع في العام المقبل نتيجة وجود ذهنيات مختلفة. المعروف ان باول استطاع استصدار القرار الأخير بالرفع بالإجماع . صحيح أن أجواء التحدي التي فرضتها تهديدات ترامب حفزت فكرة رص الصف دفاعا عن استقلال البنك، لكن أيضا فالمحافظ كان لديه من الأسباب ما يقنع الجميع، ولو كان ترامب قد اختار كل فريقه بمثل هذا المستوى لكان قد ضمن مبكرا ولاية ثانية، ولكن على ترامب أن يكف عن السخرية من المركزي وقراراته فليس في كل مرة تسلم الجرة.

mesbahkotb@gmail.com