الدروس الخصوصية.. ظاهرة نفسية أم ضرورة تعليمية؟

يلجأ إليها حتى الطلاب المجيدون (1/‏2) –

استطلاع- سعاد السنانية –

انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة دخيلة على مجتمعنا العماني إلا وهي ظاهرة الدروس الخصوصية، فالمجتمع العماني لم يتعود على مثل هذه الظاهرة من قبل حيث لا تألو حكومتنا متمثلة في وزارة التربية والتعليم جهدا في توفير التعليم لجميع المواطنين، مجندة نخبة من رواد العلم الأكفاء الذين حملوا على عاتقهم رسالة العلم وتأدية واجبهم على أكمل وجه، غير أن بعض الطلاب لجأوا الى الدروس الخصوصية، بغض النظر عن مستواهم التعليمي، وخاصة طلاب الشهادة العامة، والغريب أن بعض أولياء الأمور يستعينون بالمدرسين الخصوصيين منذ مراحل التعليم الأولى، رغم اضطرار ولي الأمر إلى دفع المبالغ الطائلة لهذه الدروس وغيرها.

حول ظاهرة الدروس الخصوصية التقينا بعبدالعزيز بن مسعود السناني باحث تربوي بمكتب الإشراف التربوي بقريات حيث حدثنا قائلا: كثر الجدل في السنوات الأخيرة حول ظاهرة الدروس الخصوصية، ومما لا شك فيه أن انعدام الثقة بين المجتمع والمؤسسة التعليمية (المدارس) تعتبر ظاهرة سلبية نتج عنها الدروس الخصوصية التي أثرت سلبا على المعلم المخلص الجاد والطالب النبيه المنظم في سلوكه وتحصيله وولي الأمر الحريص على ولده، لذا تختلف حدة تأثير الدروس الخصوصية من منطقة الى أخرى.
وقبل أن أبدأ في تفصيل الكلام حولها أترك القارئ الكريم يتأمل هذا التعميم الصادر بتاريخ 25 صفر 1438 هجري والموافق 14 نوفمبر 2017 م من المديرية العامة للتربية والتعليم بمحافظة ظفار للتأكيد على ضرورة منع الدروس الخصوصية وجاء التعميم هام جدا وهذا نصه: «كما تعلموا بالجهود المبذولة من المديرية العامة للتربية والتعليم بمحافظة ظفار والتي أخذت على عاتقها التصدي للدروس الخصوصية التي تعد من الممارسات التي تؤثر على أداء المعلم والمستوى التحصيلي لأبنائنا الطلبة، ولقد وردت إلينا العديد من الشكاوى من أولياء الأمور والطلاب بعدم جدية بعض المعلمين في التدريس أثناء الحصة، والتأخر الدائم عن الحصة، وعدم إعطاء الطلاب حقهم من المعلومات بغية التأثير النفسي على الطلاب لضرورة الالتحاق بركب الدروس الخصوصية لديهم، مما أثر ذلك سلبا على العملية التعليمية، الأمر الذي يعد مخالفة بنص المادة (153) من قانون الخدمة المدنية الفقرة (أ) و(ب) والمادة 154 الفقرة (ط) حيث تنص الفقرة المواد أعلاه على قيام الموظف بالعمل المختص به وأن يؤديه بدقة وأمانة وأن يحافظ على كرامة الوظيفة وأن يسلك في تصرفاته المسلك اللائق، كما حظر على الموظف استغلال وظيفته لتحقيق أغراض شخصية. وعليه يجب التنبيه في حالة التأكد من تقديم الدروس الخصوصية من قبل أحد أعضاء الهيئات التدريسية، فإن المديرية سوف تقوم باتخاذ الإجراءات القانونية الصارمة التي تستوجب اتخاذها حيال ذلك، كما نرجو من مديري ومديرات المدارس إعطاء هذا الموضوع جل اهتمامهم ومتابعتهم كما عهدنا منهم الحزم في مثل هذه الأمور حفاظا على الرقي بمستوى الطلبة، عليه يجب اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه من يقوم بتدريس الدروس الخصوصية ويقصر في أداء واجباته الوظيفية».
ظاهرة نفسية

وعن أسباب الدروس الخصوصية قال: لا شك أن أسباب الدروس الخصوصية لا تتجاوز ثلاثة أسباب: أولا المعلم الذي لا يستطيع أن يوصل المعلومة بصورة واضحة وسهلة لسبب من الأسباب، ثانيا: الطالب الذي لم يفهم جيدا المادة العلمية ولم يحاول ان يستوعب ما حوته الحصة الصفية ويطالب ولي الأمر بالدروس الخصوصية، ثالثا ولي الأمر الذي لجأ الى الدروس الخصوصية بديلا عن متابعته لابنه وتقصيره لانشغاله. أما أصحاب الجانب النفسي من المختصين النفسيين فيعتبرون الدروس الخصوصية ظاهرة اجتماعية ناشئة وأنها ظاهرة نفسية أكثر من كونها تعليمية، كتحريض الأهل وتشجيع أبنائهم عليها أو الغيرة بين الطلاب بعضهم البعض، أو انعدام الثقة بالنفس لدى الطالب، فهي لا تقتصر على الطالب الضعيف فحسب، بل حتى الموهوبين من الطلبة.
وعن سلبية الدروس الخصوصية قال: الدروس الخصوصية لها سلبيات كثيرة منها وجود فوارق في المجتمع بين المقتدر وغير المقتدر، بعكس التعليم الحكومي الذي يشمل الجميع، وكذلك اعتماد الطالب بشكل كلي على الدروس الخصوصية مع عدم الرغبة في البحث العلمي الذي ينتج عنه مواجهة الصعوبة في حل الأسئلة، فهو يعتمد بشكل كامل على المادة الخصوصية مع عدم الاكتراث بالحصص الصفية مما زاد من الفوضى في الفصل، ومن السلبيات وجد بعض المعلمين الذين لم يبالوا بما يعطونه من المادة العلمية فأصبحت المادة العلمية سلعة يبيعها خارج الحرم المدرسي ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكذلك زادت الأعباء المالية على ولي الأمر بسبب ما يدفعه لهذا المدرس من مبالغ عالية، ناهيك عن المشاكل السلوكية التي طرأت ورافقت هذه الدروس عن دخول هذه الفئة من المدرسين الى البيوت، ومن بؤس هذه الظاهرة أن تستشري حتى تصل الى الجامعات كحال بعض الدول، ولذلك أقول: إن ظاهرة الدروس الخصوصية ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.. والله المستعان.
دروس التقوية

وعن الحلول المقترحة لهذه الظاهرة قال: للحد من هذه الظاهرة هناك الكثير من البدائل التي تنطلق من المدرسة وتكون تحت مظلة رسمية وبأيدٍ أمينة، من دروس التقوية التي تقوم بها بعض المدارس برعاية الإدارة من قبل نخبة من المعلمين المخلصين، ولنا في مدارس ولاية قريات نموذج مشرف في هذا الباب، حيث يتم وضع إعلان وبتركيز إعلامي يستغني بها الطالب عن الدروس الخصوصية، وكذلك لولي الأمر الاستفادة المجانية من الدروس على مواقع اليوتيوب بالفيديو، وهي مميزة ولله الحمد والاستفادة مع الاحتمالات السابقة والأنشطة المدرسية لها دور كبير جدا في الرقي بمستوى الطالب. ومن الأسباب المعينة المشاريع الإنسانية التربوية التي تقوم بها المدارس في مساعدة المتأخرين في التحصيل الدراسي، ويكون ذلك داخل الحرم المدرسي وتحت إشراف إدارة المدرسة، وكذلك لنا في مكتب الإشراف التربوي بقريات نماذج نفتخر بها دون الحاجة الى هذه الدروس.
فأما النصيحة التي أوجهها للمعلمين أن الله شرفكم بمهنة التعليم ولا أقول وظيفة التعليم فبينهما فرق كبير، ولا تجعل رسالتك سلعة تبتاع بها. وأقول للطالب أيها الطالب، إن العلم بالتعلم وبالجد والاجتهاد والبحث عن المعلومة لا بالاتكال على الغير وأخذ المعلومة دون جهد، فهنا لا يصبح للعقل فائدة ولا للتفكير مجال للممارسة. أما ولي الأمر فإن الله استرعاك رعية وأن الولد فلذة كبدك فلا تجعله فريسة للاتكال أو عدم الاعتماد على النفس وأن مسؤوليتك لا تبرأ عند توفيرك مدرس لابنك، بل ان تكون معه تدير له مصالحه وتقوم معه نحو ما يصلحه وان تسترشد بتعليمات المدرسة الحكومية، أما إدارات المدارس فعززوا جانب الدروس التقوية والحصص النموذجية التي تخرج بشكل احترافي ممتع والتي تساهم في القضاء على فوضى الدروس الخصوصية، أما مكاتب الإشراف والمديريات التعليمية فيجب عليها أن تساند المدارس التي تساهم معنا في القضاء على الترف الزائد من هذه الدروس الخصوصية سواء بالدعم المادي أو المعنوي.
إهمال المعلم

ويقول بدر بن بن ناصر البطاشي: لا بأس أن يستعين الطالب بالمدرس خارج غرفة التدريس في ان يعلمه المواد التي يدرسها، فانا كتربوي أعرف أن هناك كثيرا من المواد تحتاج الى وقت أكثر للشرح، فأنا أشجع على ذلك بشرط أن لا يؤثر على المعلم في المدرسة أو الطالب.
أما سالم بن سعيد البطاشي فيشير قائلا: الدروس الخصوصية للأسف أصبحت تغزو معظم البيوت وبشكل مخيف، وللأسف الشديد أقولها بكل حرقة وغصة، أصبح المعلم همه المادة فحسب، فنرى أن بعض المعلمين لا يقومون بدورهم كمعلمين في المدرسة وأمام طلابهم داخل غرفة الصف، ولكن يقومون بدورهم أمام طلابه في المنزل لتدريس الدروس الخصوصية، والطالب هو الضحية في الأول والأخير، يليه ولي الأمر الذي يدفع مبالغ طائلة وباهظة لهذا المدرس الخصوصي وفي نقل ابنه الدارس إذا كان مقر المعلم الذي يقوم بالتدريس بعيد عن منزله.
وأضاف قائلا: الدروس الخصوصية مفيدة ولكن تحتاج الى تقنين وتأطير، فيجب أن توضع في إطار صحيح، ويجب ان يراقب المعلم من قبل المشرف والمعنيين بالأمر حتى تعم الاستفادة للطرفين ويبعد الموضوع عن المطامع والأهداف الأخرى، فانا لا أشجع إقامة الدروس الخصوصية، ولكن أشجع إقامة هذه الدروس لطلاب الصف الثاني عشر لأنهم بحاجة الى مزيد من الشرح والتفصيل وخاصة في بعض المواد مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات، ولا أشجع من جانب المبلغ الذي يطلبه المدرس الخصوصي، والجانب الآخر عدم تقيده بالشرح في المدرسة بشكل جيد ومناسب.
أم أحمد لديها أبناء تخرجوا من الجامعات وبعضهم ما زال على مقاعد الدراسة، وتحكي عن تجربتها مع أبنائها قائلة: الحمد لله أبنائي لم يحتاجوا للدروس الخصوصية، وتفوقوا في الشهادة العامة وحصلوا على درجات عالية أهلتهم لدخول الجامعة، وكل هذا بفضل اعتمادهم على أنفسهم في المذاكرة، حيث إنني أحرص دائما على متابعة مستواهم الدراسي في المدرسة والبيت، وأساعدهم في الدروس إلى أن يصلوا إلى الصف السادس، وبعدها يبدأون بالاعتماد على أنفسهم، حيث إنهم حريصون على المذاكرة أولا بأول، كما أن الإخوة الكبار يساعدون إخوتهم الصغار في المذاكرة، والجيد أن أبنائي ينظرون إلى الدروس الخصوصية على أنها مضيعة للوقت، وحتى المواد الصعبة عليهم يفضلون أن يحاولوا فهمها بأنفسهم.
بيع الملخصات

تعبر أم الحسين عن رأيها حول هذه الموضوع قائلة: باتت الدروس الخصوصية أمزًا حتميا على أولياء الأمور والطلبة، فقد يستغني الطلبة عن التعلم في المدارس والتغيب عن الحصص، لكن لا يمكن ان يستغنوا عن الدروس الخصوصية، وأصبحت هي منقذ الطالب (من وجهة نظره) وأنه بعونها وحضروها سيحصل حتما على المعدل المطلوب، وانه لا يمكن أو استحالة الحصول على مراده بعد الشهادة العامة بدونها.
وأضافت موضحة: قد لا يحتاجها الطالب، لكن الواقع فرض عليه حضروها بسبب ان جميع الطلبة يحضرها، بل ويتسابق للتسجيل عند أفضل مدرس الذين هم فقط دون غيرهم مخصصين لطلبة الشهادة العامة. وحتما هما (أي المدرسة والدرس الخصوصية) لا يكملان بعضهما إلا ما ندر، أو في بعض الحالات كحاجة مساندة لا أساسية.
وتتساءل: لم الدروس الخصوصية أخذت كل هذه الأهمية طالما ان المدرسة تستوفي متطلبات التعليم وتحت إشراف جهة حكومية؟ هل الطالب لا يثق بقدراته الشخصية أم لا يثق بمعلمه في المدرسة وكفاءته أم انه يجد صعوبة في امتحانات السنوات السابقة؟ وهل ما يتم شرحه في المدرسة لا يفي ولا يكفي أم أنها تجارة واستثمار مربح لوافد استطاع ان يقنع الطلبة بقدرته الإعجازية على مساعدته في التغلب على تعقيدات المنهج العلمي وفهم طبيعة أسئلة السنوات السابقة اللامباشرة؟
وفي معظم الأحيان نجد أن الوافد لا ينتمي الى المؤسسة التعليمية، فقد يكون مجرد محاسب في شركة خاصة أو موظف في بنك ما او متفرغ لممارسة هذه المهنة التي تدر عليه الآلاف والآلاف، ويتمادى آخرون الى طباعة ملخصات عن المنهج وبيعها للطلاب بأسعار ما بين ٥ إلى ١٥ ريالا، وهنا نتساءل أين الجهات المعنية بالتعليم عن هذا الأمر؟ فهل يسمح القانون في السلطنة ويجيز للمعلم بعمل ملخصات للمنهج ثم يبيعه للطالب بالسعر الذي يحدده ويرغبه؟ وماذا استفاد الطلبة من هذه الدروس الخصوصية، وهل شفعت لهم في الحصول على مقعد دراسي في أرقى الجامعات العالمية أم البرامج العالمية أو أهلتهم لتقليد مناصب عالية، ومقابل الأجر الذي يحصل عليه معلم الدروس الخصوصية، سواء أجر بالساعة أم شهري؟ هل يخلص المعلم في تعليمه أم أن كل همه شرح ما لديه والسلام دون أن يلتفت أو يبالي بالفروقات الفردية الموجودة في المجموعة التي يعلمها؟
لا.. لا يحصل هذا، فمعلم الدروس الخصوصية هو معلم ملقن، يلقن الشرح وآلية التنفيذ وخطوات الحل للطالب، وما أن ينتهي الوقت حتى يلم أوراقه ويتجه إلى المجموعة الأخرى.
تحسين المستوى

ويوضح الطالب البراء بن داوود العادي قائلا: أخذت سابقا دروسا خصوصية في مادة اللغة الإنجليزية بسبب اقتراب الاختبارات النهائية وأردت الاستعداد لها وقد استفدت كثيرا، فأنا أشجع الطلبة ضعيفي المستوى في التحصيل الدراسي على أخذ الدروس الخصوصية لتحسين مستواهم.
أما الطالبة جيهان بنت محمد بن صالح البطاشية من الصف الثاني عشر فتقول: نعم أخذت دروسا خصوصية، لأنني أواجه صعوبة الفهم في مادة اللغة الانجليزية وأردت تقويتها أثناء التحدث بتلك اللغة، واستفدت كثيرا. وعمّا اذا كانت تشجع على تلك الدروس، قالت: نعم أشجع زميلاتي لأخذ الدروس الخصوصية وذلك لما لها من فائدة ومنفعة تعود للطالب لتعينه على سهولة فهم منهج اللغة الانجليزية.