التمكين في الإدارة

ترجع جذور التمكين إلى مدرسة العلاقات الإنسانية التي برزت بدورها كرد فعل لإهمال الجانب الإنساني في العمل الذي تمثل في تأكيد مدرسة الإدارة العلمية لتايلور على الإنتاج أكثر من الموظفين، وبالتالي يمكن اعتبار التمكين مرحلة متقدمة من أفكار مدرسة العلاقات الإنسانية التي تركز على أهمية مشاركة الموظفين، ويعتبر مفهوم التمكين جزءا من تغير شامل سيكون ماثلا كحقيقة في إدارة الأعمال لهذا العصر، فقد ظهر هذا المفهوم في أواخر القرن العشرين بوصفه مفتاحا أساسيا يؤشر على ممارسة الديمقراطية في المنظمات التي تتجسد من خلال تطبيق منطق الإدارة الذاتية للموظفين على شكل فرق عمل.
وتشير بعض الدراسات شكوكا وأسئلة حول واقعية تطبيق مفهوم التمكين في الإدارة وصعوبة تطبيقه على أرض الواقع، وعلى الرغم من هذه الشكوك فهنالك شركات عالمية ومؤسسات كبيرة وصغيرة بدأت تمارس هذا المفهوم، وتجد مردودا إيجابيا ليس على المستويات المعنوية (مثل رضا العاملين وولائهم) فحسب بل على المستويات المادية مثل الأرباح والإيرادات كذلك.
مفهوم التمكين: تتعدد تعريفات التمكين بقدر تعدد المناهج الفكرية والنظرية والنظرات الفلسفية تجاهه، فهو أحد الأسس والمبادئ التي تقوم على تطبيق مبدأ الإدارة المفتوحة، فهناك من نظر إليه على أنه وسيلة من وسائل الإدارة، في حين نظر إليه آخرون نظرة فلسفية بأبعاد مختلفة، وهناك أيضا من اعتبر التمكين ممارسة ثقافية تشجع الموظفين على تحمل المسؤولية الشخصية لتطوير الطريقة التي يؤدون بها عملهم من خلال تفويض المسؤولية في اتخاذ القرار إلى المستويات الأدنى.
التمكين هو إعطاء الموظفين القوة لاتخاذ القرارات بشأن عملهم، وهو استراتيجية تهدف إلى تحرير الطاقات الكامنة لدى الأفراد وإشراكهم في عمليات بناء منظمة، وعلى هذا فإن مفهوم التمكين من المفاهيم المعاصرة التي ترتقي بالعنصر البشري في المنظمة المعاصرة إلى مستويات راقية من التعاون وروح الفريق والثقة بالنفس والإبداع والتفكير في المستقبل وروح المبادرة، وبالتالي وإن اختلفت التعريفات والمفاهيم، فإن جوهر التمكين يتمركز حول منح المرؤوس حرية أداء العمل والمشاركة بشكل أوسع في تحمل المسؤولية ووعي أكبر بمعنى العمل الذي يقوم به، والتمكين يحتاج إلى مقومات طويلة المدى من العلاقة الإيجابية والثقة والشعور بالشراكة بين الإدارة والموظف أو العامل، وهو ليس مجرد تفويض صلاحيات أو مسؤوليات، وإنما هو حالة من الشعور بالمساواة ضد مبدأ الطبقية في التعامل.

  • مقومات وركائز التمكين: العلم والمعرفة والمهارة – الاتصال وتدفق المعلومات – الثقة بين القائد والمرؤوسين – الحوافز المادية والمعنوية.
  • الآثار المترتبة والفوائد الناجمة عن تطبيق مفهوم التمكين:
    1- نتائج خاصة بالموظف:
    تحقيق الانتماء – المشاركة الفاعلة – تطوير مستوى أداء العاملين – اكتساب المعرفة والمهارة – المحافظة على الموظف من قبل المنظمة – تحقيق الرضا الوظيفي.
    2- نتائج خاصة بالمنظمة:
    زيادة ولاء العاملين – تحسين مستوى إنتاجية العمل كما نوعا – مساعدة المنظمة في برامج التطوير والتجديد – تحقيق نتائج أداء جيدة من حيث جودة الأداء – تحسين العلاقة بين العاملين.
  • العوامل المعززة للتمكين: تفويض السلطة بحيث يتقاسم الرئيس والمرؤوسون السلطة بما يتناسب مع مهامهم – مساءلة الرئيس للمرؤوسين عن نتائج الأعمال التي يقومون بها – حرية المرؤوسين في اتخاذ القرارات بشأن العمل ومعالجة المشكلات التي يواجهونها – تبادل المعلومات بين الرئيس والمرؤوسين بانتظام – توفير الرئيس فرصا للمرؤوسين للتطور واكتساب المهارات والمعارف – التشجيع على التفكير والإبداع وتقبل المخاطرة واحتمالية الخطأ – تدريب الموظفين بشكل مناسب – وجود رؤية مشتركة بين القادة والموظفين في المؤسسة – وجود مجموعة من القيم المشتركة – وجود فوائد يمكن اقتسامها – ثقة المدير بموظفيه – دعم الإقدام على المجازفة من قبل الثقافة الكلية للمنظمة.

القيادة والتمكين
للقيادة دور أساسي في تنمية المؤسسات وتطويرها وتحقيق ميزة تنافسية لها، وللقيادة دور مهم في إقرار وتشكيل وتنفيذ الاستراتيجيات والبرامج المناسبة لتنمية المنظمات وتحقيق أهدافها المختلفة، ومن هنا فإن للقيادة دورا أساسيا في رعاية وتفعيل برامج المشاركة والتمكين في المنظمة، فالكثير من الدراسات ذات العلاقة بموضوع القيادة تشير إلى أن سر نجاح أي مشروع يعود لدور القيادة والتزامها وحماسها في إنجاح ذلك المشروع.
ودور القيادة في نجاح برامج المشاركة والتمكين يكاد يكون في غاية الأهمية؛ لأن التمكين يتطلب من القيادة والإدارات العليا التنازل عن شيء من النفوذ الذي تتمتع به والاستعداد القوي لذلك التنازل، وإعادة توزيع ذلك النفوذ على العاملين في مختلف مستويات المنظمة.
القادة الفعالون هم الذين يقودون بتمكين مرؤوسيهم وبتوفير المعلومات والمسؤولية والصلاحية للمرؤوسين والثقة بهم في اتخاذ القرار والتصرف باستقلالية في مجالات العمل التي يعملون بها، هؤلاء القادة يعلمون أنهم عندما يمنحون مرؤوسيهم مزيدا من التمكين والحرية في التصرف بمسؤولية واقتدار، فإنه ينتج عن ذلك أداء متميز وجودة عالية وانتماء في العمل ويرى في هذا الإطار (Schemerhorn , 2002 ) أن تنازل القائد عن شيء من قوته لصالح المرؤوسين لا يعني فقدانه لتلك القوة، لأن القادة الناجحين هم الذين تزداد قوتهم عندما يشاركهم الآخرون بها من خلال تبنيهم وانتمائهم لرؤية القائد والدفاع عنها بشكل ذاتي.

أعباء وتحديات التمكين
مثلما يحقق التمكين منافع ومكاسب ومزايا متعددة للموظف، فهو قد يتضمن أعباء ومسؤوليات ليست بذات السهولة واليسر، فلا بد من أن يتحمل العامل مزيدا من الأعباء الناتجة عن تحمل مزيد من المسؤولية والمساءلة معا، فتحمل المسؤولية يصاحبه مسؤولية عن النتائج ومحاسبة عليها، فلا يقتصر تمكين الموظف على حصوله على منافع ومكاسب، بل هناك جوانب تتمثل في المشاركة بالمخاطرة سواء أكانت نتائج تحمل المخاطرة إيجابيا أم سلبيا، فلا بد من المشاركة في الجانبين؛ لأن التمكين يشبه إلى حد ما ملكية الموظف للوظيفة التي يقوم بها، والمالك عادة يتحمل المخاطرة ونتائج تلك المخاطرة. من هنا نجد أن بعض الموظفين يتهرب من التمكين خوفا من المساءلة في حالة النتائج غير المرضية، فيرغب بأن تحدد له كل الأمور وكل المهام دون أن يكون له أي دور في تحديد النتائج أو سير العمل خوفا من تحمل المسؤولية والمساءلة ورغبة في الأمان واستقرار النتائج.
ومما لا شك فيه أن أية عملية تغيير يقابلها مقاومة، قد تتأتى هذه المقاومة من الهيكل التنظيمي التقليدي الذي يكبح المشاركة ويحدد مراكز القرار، ومن أشكال هذه المقاومة والمعوقات:
السرية في تبادل المعلومات – ضعف نظام التحفيز – ثقافة تنظيمية تفضل الأنماط الإدارية التقليدية – ضعف التدريب والتطوير الذاتي – غياب مفهوم الثقة بين موظفي المنظمة والمديرين – نظام المكافآت الغير الملائم مع مفهوم التمكين وفرق العمل – الأنظمة والإجراءات الصارمة التي لا تشجع على الابتكار – خوف الموظفين من تحمل المسؤولية – خوف الإدارة الوسطى من فقدان صلاحياتهم ووظائفهم – المركزية الشديدة في سلطة اتخاذ القرار.

واقع التمكين في البيئة العربية والثقافة الإسلامية
لم يرد مصطلح التمكين في الثقافة العربية والإسلامية سوى من مصدر واحد وهو القرآن الكريم، فقد ذكرت كلمة التمكين في القرآن الكريم في أكثر من موقع وفي عدة مناسبات، ففي سورة الحج قال الله تعالى:(الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) الآية 41.
وفي سورة يوسف قال الله تعالى (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) الآية 56.
طرح مفهوم التمكين هنا في القرآن قد يختلف من حيث طبيعة التمكين، فهنا نرى أن التمكين رباني أي أن الله سبحانه وتعالى يمنح التمكين لأنبيائه وللصالحين من عباده من خلال تمسكهم بالدعوة وتبليغ رسالته للناس، فيمنحهم تمكينا من عنده سبحانه وتعالى حماية لتلك الدعوة ومساندة لتلك الرسالة وتكريما لرسله وأنبيائه، ولكن الاستشهاد بهذا المصطلح في سياق ما ذكر هو من حيث الجوانب التي تتشابه فيها المعاني مع اختلاف وجه الشبه بين تمكين الله سبحانه وتعالى لرسله وتمكين الإنسان للآخر في حياة البشر.

  • المراجع:
  • الشقاوي، عبدالرحمن، نحو أداء أفضل في القطاع الحكومي في المملكة العربية السعودية، ندوة الرؤية المستقبلة للاقتصاد السعودي، محور الشراكة بين القطاعين الحكومي والأهلي، وزارة التخطيط، الرياض، المملكة العربية السعودية ، 2002
  • أفندي، عطية، تمكين العاملين: مدخل للتحسين والتطوير المستمر، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، بحوث ودراسات، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 2003
  • إبن منظور، أبو الفضل جمال الدين، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 3، 1999
  • العتيب، سعد، تمكين العاملين كاستراتيجية للتطوير الإداري، الاجتماع الإقليمي الثاني عشر لإدارة وتنمية الموارد البشرية، 11 – 13 يناير، مسقط، سلطنة عمان، 2004.
  • الشمري، فهد، المدخل الإبداعي لإدارة الأزمات والكوارث، مطابع نجد التجارية، الرياض، المملكة العربية السعودية، 2002
  • القريوتي، محمد والعنزي، عوض، الشعور بالتمكن الوظيفي لدى المديرين من مستوى الإدارة الوسطى في دولة الكويت، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد، 22، العدد 1، 2006
  • يحيى سليم، التمكين كمفهوم إداري معاصر – المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة، جمهورية مصر العربية، ط2، 2009
  • الطعامنة، محمد وطارق شريف، الحكومة الإلكترونية وتطبيقاتها في الوطن العربي، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة، 2004، ص 149-150
  • القريوتي، محمد، آراء المديرين من مستوى الإدارة الوسطى في الأردن بشأن العوامل المعززة للشعور بالتمكين: دراسة ميدانية، أبحاث اليرموك، 2004

بقلم- مطر بن سالم الريامي