«ماري ملكة الإسكتلنديين» فيلم غلبت عليه المظهرية والاستعراض

بعد وقت قصير من بدء أحداث فيلم «ماري ملكة الإسكتلنديين»، نرى ماري التي تقوم بدورها الممثلة سيرشا رونان وهي تصل إلى إسكتلندا قادمة من فرنسا على متن قارب يتحرك بالمجاديف.
ورغم ذلك، فقد بدت بردائها الأنيق الخالي من أي عيب أو تجاعيد، وبتصفيفة شعرها الرائعة التي جعلته يأخذ شكل المضرب المُستخدم في لعبة تنس الطاولة، كأنها نزلت للتو من سيارة ليموزين في طريقها لحضور الحفل السنوي المخصص لجمع التبرعات لصالح معهد فنون الأزياء التابع لمتحف متروبوليتان للفنون في نيويورك.
مشهدٌ مثل هذا يكشف عن طبيعة الفيلم وطرازه، لا سيما أن الأمر لا يقتصر على ماري، فالنساء الأربع اللواتي كُنّ ينتظرنها – وكلهن يحملن نفس اسمها رغم أن السيناريو لا يذكر ذلك – بدا أنهن جاهزات على الدوام لأن يصبحن نجماتٍ لأغلفة المجلات من فرط أناقتهن. أما الرجال فالغالبية منهم ارتدوا سترات جلدية بلا أكمام متماثلة وسوداء اللون مثل أبطال سلسلة أفلام «إكس-مِن» (رجال – إكس).
ورغم أن كل ما سبق يتماشى للغاية مع أحدث الصيحات السينمائية؛ بوصفه أسلوباً يستهدف إسباغ طابعٍ عصريٍ على الفيلم، فإن المظهرية والاستعراض غلبتا عليه.
و«ماري ملكة الإسكتلنديين» هو فيلم للمخرجة السينمائية والمسرحية المخضرمة جوسي روك، وكتب له السيناريو والحوار بو ويليمون، الذي كان أحد المشاركين في كتابة بعض أجزاء المسلسل الأمريكي «هاوس أوف كاردس»، وتدور أحداثه في أواخر القرن السادس عشر، عندما كانت إنجلترا تخضع لحكم الملكة إليزابيث الأولى التي تجسد شخصيتها مارجو روبي.
ويروي العمل كيف عادت ماري ستيوارت ابنة عم الملكة وهي في الثامنة عشر من عمرها من فرنسا حيث كانت تقيم إلى إسكتلندا، للمطالبة بالجلوس على العرش الإسكتلندي. المشكلة هنا أن ماري كانت كاثوليكية المذهب، وهو ما جعل الملكة إليزابيث البروتستانتية تشعر بالقلق من أن تطالب قريبتها العائدة من فرنسا بعرش إنجلترا كذلك.
ولخصت عبارة افتتاحية للعمل هذا الوضع بالقول: «شكّل وجودها في حد ذاته تهديداً لسلطة إليزابيث»، لكن الفيلم فشل في أن يوضح لنا بجلاء لماذا يجب أن نهتم بأيٍ من تفاصيل هذه الوقائع بعد 400 عامٍ من حدوثها تغير فيها الكثير. كما أنه لم يطرح حتى تساؤلاً حول ما إذا كانت ماري تريد بحق أن تصبح ملكةً لإنجلترا، ولم يتطرق لفكرة إذا ما كان ارتقاؤها المفترض للعرش سيشكل أمراً إيجابياً أم سلبياً.
ورغم أنه من المفترض أن يكون للشعب البريطاني رأيٌ في هذا الأمر، فإن غالبية أحداث العمل تدور خلف جدران قصريْ إليزابيث وماري وما فيهما من أجواء كئيبة وقاتمة، ويؤدي غياب المواطنين العاديين عن المشهد إلى جعلنا لا نستطيع تقريباً أن نلقي ولو نظرةٍ خاطفةٍ على أي شخصٍ لا ينتمي للطبقة الأرستقراطية، ربما أرادت المخرجة روك من وراء ذلك إظهار مدى عزلة الحكام عن رعاياهم.
وثمة مشكلةٌ أخرى تكتنف الأحداث، ألا وهي أن الملكتين لا تلتقيان سوى مرةٍ واحدةٍ في إطار قمةٍ اختُرِعَتْ خصيصاً لإثراء السياق الدرامي للفيلم. باستثناء ذلك، تقيم كل منهما على بعد مئات الأميال من الأخرى، وهو ما يجعل الصراع بينهما – بكل ما يشوبه من ثغرات – يتمثل في الكثير من المبعوثين الذين يقطعون المسافة ذهاباً وإياباً من هذه المملكة إلى تلك.
وقد حاول المسؤولون عن إجراء مونتاج العمل تسريع وتيرة إيقاعه وأحداثه عبر جعل مشاهده قصيرة المدة، واستخدام أسلوب القطع المستمر بين المشاهد الخاصة بإنجلترا وتلك التي تجري في إسكتلندا، بسرعةٍ خاطفةٍ لاهثةٍ كضربة السوط.
ويؤدي الممثلون أدوارهم على أروع ما يكون. فـ «رونان» التي اختيرت للمشاركة في العمل منذ ست سنوات مضت، ألقت نصف جُمَل الحوار الخاصة بها بالفرنسية والنصف الثاني بالإنجليزية، وبلهجةٍ إسكتلنديةٍ لا تشوبها شائبة، وهو أمرٌ مفاجئٌ في حقيقة الأمر بالنظر إلى أن ماري – التي تجسد شخصيتها – لم تقض سوى فترةٍ محدودةٍ من طفولتها في إسكتلندا، كما استفادت رونان من نظراتها الثاقبة الشبيهة بنظرة النسر، وذلك في جعل كل ما تتفوه به يبدو أكثر ذكاءً مما هو عليه في الواقع.
في المقابل، كانت مساحة دور روبي – التي تجسد دور الملكة إليزابيث – أقل كثيراً، ويؤدي تصوير العمل لشخصيتها على أنها امرأة مخبولةٌ مثيرةٌ للشفقةٌ، تبدد وقتها في الجلوس والاسترخاء بلا فائدة – منهمكةٌ في صنع ورودٍ من الأشرطة القماشية وفي التباكي على أنها لم تُرزق بأطفالٍ- إلى تقويض الفكرة التي يوحي بها السيناريو، من أن التعاون بين الملكتيْن أُفْسِدَ بفعل عدوانٍ ذكوريٍ.
ومن جهة أخرى، ربما ينبغي للمرء أن يتساءل عما إذا كان من الحكمة أن يختار القائمون على الفيلم ممثلةً فائقة الجمال مثل روبي لتجسيد شخصيةٍ تُظهرها أحداثه وهي تشعر بالغيرة على نحوٍ بائسٍ من جمال أمرأة أخرى أم لا. فحتى عندما عانت إليزابيث- بحسب الأحداث- من داء بَثْرَة الجدري، ووُضِعَ ما يشبه حبيبات أرزٍ على وجهها بالكامل لإظهار أعراض المرض، ظلت روبي- التي تجسد شخصيتها – نجمةً سينمائيةً ساحرة وجذابةً بلا ريب.
لكن الطابع الساحر والمتجهم كذلك لقصة بطلة «ماري ملكة الإسكتلنديين»، هو ما يمكن أن يجعل مشاهدته ليست بمضيعةٍ للوقت بشكلٍ كامل، حتى وإن كانت تلك القصة تُروى ربما بطريقةٍ عشوائية.
فالعمل لا يتناول سوى بالكاد السنوات التي خضعت خلالها بطلته ماري للإقامة الجبرية، كما يسري الأمر نفسه على تورطها في ما يُعرف بمؤامرةٍ بابينجتون لاغتيال إليزابيث، بينما يغص في المقابل بالكثير من حالات الخيانة والزواج وجرائم القتل. (بتصرف من بي بي سي العربية).