الشيخ أحمد الخليلي: أمة الإسلام هي أولى أن تنتفع بالقرآن أولا لتصدر هذا النفع إلى الإنسانية

تضمن احتفال المركز كلمة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة، قال سماحته في كلمته:
«الحمد لله لا أخفي ثناء عليه، أستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله محيي البشرية، هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله سبحانه وتعالى بالقرآن، هاديا وبشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله وسراجا منيرا، فبلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. وما أسعد هذه الفرصة أن نلتقي بهذا الصرح الشامخ وهذا اليوم المبارك في ظلال القرآن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونحن نحتفي بفئة جديدة من متحفظيه والمعتنين به، نسأل الله تعالى أن يبارك فيهم وأن يوفقهم للخير، وأن يوفقهم للعناية بالقرآن الكريم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وأهم ذلك التطبيق والعمل، فإن حفظ القرآن ما لم يصحبه العمل ينزل بصاحبه إلى الهوة السحيقة والحضيض الأدنى، كما قال الله سبحانه وتعالى في بني إسرائيل (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، وإذا كان هذا المثل من حيث لفظه هو في بني إسرائيل، فإن من حيث المعنى يشمل الكل، وأمة القرآن أحق بأن تندرج فيه، إن لم تأخذ بهذا القرآن وتطبقه تطبيقا دقيقا في كل ما يعنيه، فالقرآن الكريم من الأهم بمكان أن يبعث هذه الأمة بعثًا جديدا في شتى مجالات الحياة، في التَّصور والفكر وفي الأخلاق والقيم وفي الآداب والثقافة وفي العلاقات والاجتماع… والأمة اليوم يصدق عليها ما أنذره إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل..) فإننا بحاجة للخروج من هذه الغثائية، ولن يكون هذا الخروج إلا بالرجوع إلى القرآن الكريم تطبيقا وعملا، حتى يكون كل فرد من هذه الأمة صورة تُجسد القرآن الكريم وتكمل كل ما فيه من هداية ورشد وبر وصلاح، وقبل 45 عاما من وقتنا هذا حضرتُ مؤتمرًا عقده حزب الأغلبية الصامتة في بيروت، وكان هذا التجمع من أجل مكافحة الشيوعية، وحضره لفيف من الناس من مختلف الاتجاهات الذين يؤكدون شر الشيوعية، وكان من بين الذين حضروا رجلٌ كان هاربا من جحيم الشيوعية تحت سلطة الـ (تيتو) في يوغسلافيا، وقد لجأ إلى بريطانيا، وتحدث في هذا المؤتمر وقال: (إن منطقة الشرق الأوسط هي أحق جميع بقاع الدنيا في مكافحة الشيوعية لأن الله تعالى آتاها مزايا، وأهم هذه المزايا القرآن الكريم، هذا القرآن الذي يمكن أن يُحَارب به كل فكر هدّام) فإذن غير المسلمين يدركون هذا، وقد ترجم هذا الكلام إلى العربية رئيس الحزب، وهو أيضا غير مسلم…، فالكل إذن يدرك بأن القرآن الكريم وحده هو الذي يمكن أن يصون هذه الأمة ويحفظ هذه الأمة، وبه تنتصر على أعدائها، وقبل أكثر من 60 عاما.. بعدما وضعت الحرب العالمية أوزارها، تحدث مؤسس الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية العلامة الكبير (أبو الأعلى المودودي) وقال كلاما قد يعتبره الناس في ذاك الزمان هذيان، قال (سيأتي بلا شك اليوم الذي تتحير به الشيوعية في موسكو نفسها دون أي ملجأ، وتتعثر فيها الرأسمالية في واشنطن دون أي منجأ، وتهيم فيه المادية في جامعات لندن وباريس، وتتلاشى فيه العنصرية حتى عند البراهمة والألمان، وإنما تبقى عبرة في التاريخ قصة من يحمل عصا موسى تحت إبطه وهو يخشى من الحبال والخشب) وهذا المثل الذي وقعنا به الآن، فنحن نحمل عصا موسى، ونحمل القوة، هذا القرآن الكريم، ولكننا نخشى من الحبال والخشب، نخشى مما عند غيرنا من الأوهام، فالأمة إذن بحاجة إلى أن تخرج من هذه الغثائية التي وقعت فيها، بالقرآن الكريم، وكم سمعنا في كل مكان، من نداءات من غير المسلمين ينادون بالرجوع إلى القرآن الكريم لحل مشكلاتهم، نعم وهم مع حقدهم على الإسلام يصرحون بهذا، قبل سنين الرئيس الشيوعي الراديكالي المتعصب (كاسترو) قال: (ما بقي أمام العالم إلا النموذج القرآني) الكل فشل ما بقي أمامهم إلا القرآن وحده يمكن أن ينتشل هذا العالم، الرئيس الأمريكي (نيكسون) صرّح بهذا أيضا، وممن حكى ذلك عنه رجلٌ كان كبير مستشاريه بالسياسة الأمريكية الخارجية وكان قبل إسلامه يدعى (روبر كرين) ولكنه تحوّل بعد الإسلام إلى (فاروق عبدالحق) وألقى محاضرة في دمشق في عام 1415 للهجرة وتحدث عن الوضع بأمريكا وقال بأن هذا الوضع لا ينتشله إلا القرآن..، فإذن هذه الأمة يمكن أن تسوق هذا الخير إلى الإنسانية بأسرها وأن تُصدره إلى الإنسانية إن عملت بالقرآن، ولكن مما يؤسف له أن يُقرأ القرآن من غير تدبر، والله سبحانه وتعالى يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) والله سبحانه في آيات متعددة يصف هذه القرآن ويقول: (هدى للمتقين)، و(هدى للناس) و(هدى ورحمة للمحسنين) و(هدى وبشرى للمؤمنين) و(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) و(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) و(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى)، فإذن التمسك بالقرآن وحده هو الذي ينقذ هذه البشرية من كل ورطة تورطت فيها، وهو الذي يحل كل مشكلة من مشكلاتها، ويردها إلى جادة الحق الصواب، ولا يمكن لأحد أن ينفع غيره بشيء هو عنده من غير أن ينتفع به أولا، فأمة الإسلام هي أولى أن تنتفع بهذا القرآن أولا، لتصدر هذا النفع إلى الإنسانية التي تتطلع لهذا الخير والتي سئمت من هذه المبادئ المختلفة وهذه الأفكار الهدامة وهذا السقوط في المهاوي والضلالة.. إنما ينتشلها القرآن والمسلمون بهداية القرآن إن هم طبقوا القرآن، ونحن نرجو من الجيل الصاعد، جيل القرآن، الذي يحفظه، أن يعنى بتدبر القرآن والتكيّف وفق مقتضيات القرآن والسير على نهج القرآن، وأن يستبصر بنوره ويحيا بروحه، فالله سبحانه وتعالى بيّن أن القرآن هو نور ورحمة، فقد قال سبحانه (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)…. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».