إعادة رسم الخرائط الاقتصادية

منذ انعقاد ندوة سيح الشامخات في عام 2013 والحديث متصل عن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمجالات المتعلقة بريادة الأعمال، في الوقت الذي تبذل فيه الحكومة جهودا مستمرة في سبيل أن يصبح هذا المجال الحيوي حلقة من حلقات الاقتصاد الحديث في السلطنة، إذ من المعروف أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هي حلقة البناء الأولي في الاقتصاديات الجديدة التي طالما نهضت عليها العديد من الدول في العالم، وفق الاستفادة من معطيات الواقع الاجتماعي والاقتصادي في البلد المعين.
إن قراءة واقع الصناعات والاقتصاديات الصغيرة والمتوسطة يتطلب إدراك لطبيعة النسيج الاقتصادي في البلد كلل وكذلك المقومات المركزية التي يكون عليها الاستناد لتعزيز هذه التجربة، ومن أبرز هذه المقومات والأسس إدراك المفاهيم العامة للثقافة الاستهلاكية في المجتمع، كذلك خارطة السوق والاحتياجات سواء على المستوى المحلي المباشر أو أبعد من ذلك على المستوى الإقليمي والدولي، حيث إن الدول تفكر في إطار أوسع من مجرد السوق المحلية.
غير أنه ينبغي أن نضع في الاعتبار الفروقات التي لا يلحظها إلا المختصون والممارسون لمجالات الأعمال الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، فثمة فرق بين الاثنين، فالصناعات والأعمال الصغيرة والمتوسطة تشتغل في الغالب على الأفكار نفسها التي تدور في فلك الاقتصاد المحلي أو العالمي على نطاق أوسع؛ في حين أن ريادة الأعمال تعنى أكثر ما تعنى بالابتكار والجديد، ومن هنا يكمن الفرق الذي يحدث التحولات والمتغيرات على خرائط الأسواق.
فريادة الأعمال هي النقطة الأكثر ارتكازا لمستقبل الاقتصاد داخل نطاق الأعمال الصغيرة، حيث يكون الرائد سواء كان شابا أو مستثمرا صغيرا له رغبة في بناء مشروع أو مشروعات قائمة على استنطاق أو إيجاد أفكار غير مسبوقة، ويمكن له أن يطور أفكارا معروفة لكنه يضيف عليها بحيث يكسبها أبعاد جديدة، ولابد أن ذلك يتطلب معرفة وإلمام بالسوق والمستهلكين ومدى التطور بشكل عام على المستوى العالمي في المجالات المتعددة للابتكار، إذ أنه دون المواكبة يصعب على الفرد أن يحقق الإضافة المرجوة.
وبعض الشعوب والبلدان تبدأ بالتقليد ومن ثم تنتقل إلى الابتكار، بحيث يتم اكتساب خبرات معينة ومن ثم يكون على الشركة أو صاحب المشروع الإضافة على الفكرة المقلدة لينقلها إلى إطار جديد، لكن التقليد لا يعني فقط النقل إنما استحضار مقومات البيئة والمكان والثقافة في إطار المنتج المعين.
أيضا من النقاط الجديرة بالنظر إليها مسألة الاستفادة من مقومات التراث والمجتمع المحلي والموروث في الابتكار وريادة الأعمال، فكثير من المنتجات المحلية المتوارثة يمكن تطويرها عبر الاشتغال ذهنيا عليها لتصبح أكثر قدرة على مواكبة العصر والحداثة، بل يمكن لها أن تنافس على مستوى العالم بحيث تصبح سلعا استراتيجية، وفي هذا الإطار يمكن أن يشار إلى مشروع كلية الأجيال الذي يعول عليه أن يؤدي دورا في هذا الباب في تطوير المهن والصناعات الحرفية.
وفي خاتمة الصورة فإن تمكين الأجيال الجديدة من القيام بأدوار فاعلة على المستوى الاقتصادي بل إعادة رسم الخرائط الاقتصادية المستقبلية، يتطلب في البدء الثقة في هذه الأجيال ومنحها الفرص للتعبير عن الذات عبر الابتكار ومن ثم تمكينها فعليا عبر التمويل والقروض والتدريب وغيرها من المعينات، غير أنه في كل الأحوال تبقى الأفكار هي رأس المال الحقيقي لكل نهضة.