المجلة التي شكّلت وعي ملايين العرب

«العربي» فـي ذكـراها 60 –

عـاصـم الشـيدي –

بدأ اهتمامي بمجلة العربي في المرحلة الإعدادية، وأذكر أن على غلاف المجلة كانت صورة لفتاة فيتنامية حسناء وفوقها صورة صغيرة لنجيب محفوظ، وفي نفس العدد كان ثمة استطلاع عن السلطنة وتاريخها العريق. كان ذلك في بداية عام 1989، وكان هذا العدد في مكتبتي إلى وقت قريب، وربما ما زال موجودا ولكنه مختف بين مئات الكتب والمجلات. ولا تسعفني الذاكرة المتشظية لتذكر ما إذا كانت الفتاة من شدّني لشراء المجلة من المكتبة المقابلة مباشرة لباب مدرسة يعرب بن بلعرب أم الهوس المستمر حتى اليوم في اقتناء الكتب والمجلات، لكن الذي ما زلت أذكره ومؤمن به أن اكتشاف تلك المجلة كان بالنسبة لي، وما زال، فتحا قرائيا ومعرفيا مهما أدين له بالكثير، بعد مرحلة مجلة ماجد، ومرحلة روايات «الرجل المستحيل» للكاتب المصري نبيل فاروق وبطله الخارق ضابط المخابرات المصرية «أدهم صبري» التي كنا نتبادلها أنا وزملائي ونقرأ الكثير منها في الحصص الدراسية.

ورغم أن المجلة في ذلك الوقت الذي تعرفت فيه عليها كانت قد تجاوزت ثلاثة عقود منذ انطلاق عددها الأول في ديسمبر من عام 1958 إلا أن طالبا مثلي قادم من قرى جبلية تحتفي بالكتب الدينية أكثر من احتفائها بالمجلات المصورة، من الطبيعي جدا أن لا يلتقي بالمجلة من قبل، إضافة إلى المرحلة العمرية المبكرة من حياتي في ذلك التوقيت من نهاية الثمانينات حيث كانت الاهتمامات تختلف وتتواضع.
كان شراء أي مجلة أو كتاب في ذلك الوقت من العمر ترفا كبيرا لا نستطيعه دائما، ويأتي على حساب مصروفنا اليومي، الذي كان يخضع هو الآخر للكثير من التقشف والمراجعة المستمرة تبعا للتفوق الدراسي والظروف الأسرية.
بدأت قراءة مجلة العربي بوعي تلك المرحلة، وأعجبتني مقالات الدكتور محمد الرميحي رغم أن الكثير من المصطلحات التي يستخدمها لم أستطع فهمها، مثل «الغزو الفضائي» و«السماوات المفتوحة» و«العولمة»، ولكن كان ذلك يدفعني دفعا للقراءة ومحاولة فك شفراتها رغم عدم وجود ترف الشبكة المعلوماتية التي تستطيع الإجابة على الكثير من أسئلتنا واستفساراتنا اليوم، كان مدرس اللغة العربية أحد المراجع الذي كنت أفتح معه الكثير من الحوارات خارج سياق الكتاب المدرسي.
ومن بين ما أذكره في تلك المرحلة استطلاعات أنور الياسين مدير تحرير المجلة، التي أحببتها كثيرا، عبر اللغة الوصفية التي كان يستخدمها في الكتابة عن المدن التي يزورها بحيث يجعلك تعيش التفاصيل وكأنك تسير إلى جواره، وهو الأمر نفسه الذي كنت أشعره وأنا اقرأ استطلاعات سليمان مظهر ومحمد المنسي قنديل. وبقي حب استطلاعات مجلة العربي من بين أحب ما اقرأ فيها حتى اليوم، رغم تبدل الأسماء وتبدل الأساليب ولكن يبقى لكل كاتب أسلوبه الخاص الذي يأخذك إلى جزء من عالمه على الدوام.
مع الأيام صار الوعي بما تكتبه المجلة واقرأه فيها يتغير، وصارت فكرة الكتابة تنمو لدى طالب القسم الأدبي بمدرسة يعرب بن بلعرب، إلا أنه رغم الطموح لم يتجرأ بالتفكير في الكتابة فيها في يوم من الأيام، أو أن يصبح صديقا لأبرز محرريها أو يعرف الكثير من كتابها. كنت أنظر للمجلة باعتبارها القمة العالية في عالم الكتابة التي لا يمكن أن تتاح إلا للنخب العالية.
في عام 2014 كنت في الطريق لمدن الأندلس في أسبانيا عندما تواصلت مع الصديق إبراهيم المليفي كاتب الاستطلاعات في مجلة العربي، والذي سيصبح لاحقا مديرا لتحرير المجلة، وأخبرته أنني في الطريق إلى قصر الحمراء في مدينة غرناطة، أحد روائع الحكم العربي هنا، فهل يمكن أن أكتب استطلاعا صحفيا للمجلة عن القصر؟ كان الرد إيجابيا شريطة أن يصاحب الاستطلاع صورا جيدة. كنت حينها في مدينة إشبيلية وقد نسيت كاميرتي الكانون التي أحملها في بعض رحلاتي في الفندق الذي نزلته لليلة واحدة في باريس، لم يكن أمامي حينها إلا شراء كاميرا أخرى لتوثيق الرحلة، وبشكل أساسي لالتقاط صور خاصة للاستطلاع «الحلم» الذي سينشر في مجلة العربي.. واشتريت الكاميرا، ونشر الاستطلاع، وكان موضوع غلاف المجلة تحت عنوان «من قصر الحمراء إلى جنات العريف».
ورغم أنني كنت قد نشرت حينها كتابا فيه الكثير من الرحلات الصحفية التي نشرتها في جريدة عُمان إلا أن النشر في مجلة العربي كان له طعم مختلف تماما. لأسباب تتعلق بالمجلة، وبالعلاقة المعرفية التي ربطتني بها منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي. فمجلة العربي توزع في كل البلاد العربية، ويقرأها مئات الآلاف، إنْ لم يكن الملايين، في كل شهر، وأعرف مكانة استطلاعات المجلة في قلوب قرائها، وهذا في حد ذاته مهم لأي كاتب يريد لكتابته أن تصل وأن تقرأ. لم يكن ذلك الاستطلاع هو الوحيد الذي نشرته في المجلة، فقد تبعه استطلاع عن دار الأوبرا السلطانية، ولفت صورة من صور الاستطلاع على غلافي المجلة الأمامي والخلفي. كان الأمر مدعاة للفرح بالنسبة لي، وقد تلقيت ردود فعل طيبة على الاستطلاعين من قراء كثر في الوطن العربي، وهذا دليل انتشار قد لا تستطيع صنعه الكتابة في الصحف المحلية رغم انتفاء المحلية في زمن «الانترنت» ولكن مجلة العربي من بين المجلات التي ارتبط بها القارئ العربي ارتباطا وثيقا.
استعيد اليوم هذه الذكريات وأنا اقتني العدد الجديد من مجلة «العربي» والذي يصدر بمناسبة مرور 60 عاما على صدور عددها الأول. وكانت مناسبة جميلة وأنا أتصفح العدد لاستعادة الكثير من الذكريات التأسيسية وعيا ومعرفة التي رافقت علاقتي بالمجلة.
قبل سنوات كنت مشاركا في ندوة كانت تنظمها مجلة العربي سنويا، وحملت في ذلك العام عنوان «العرب يتجهون شرقا» وكانت أغلى الهدايا في تلك الندوة حصولي على نسخة من العدد الأولى من المجلة، كان يرأس تحريرها في ذلك الوقت الكاتب العربي الكبير الدكتور أحمد زكي الذي عمل على تأسيسها بتكليف من الشيخ صباح الأحمد الذي سيصبح لاحقا أمير الكويت والراعي الأول للمجلة واستمرارها في الكثير من العقبات والمطبات التي مرت بها. ما زال تبويب المجلة منذ التأسيسي حتى اليوم يدور في نفس الإطار الفكري الذي وضعه أحمد زكي منذ العدد الأولى. وفي حديث الشهر في العدد الجديد من مجلة العربي بعض التفاصيل التأسيسية التي صاحبت المجلة من الفكرة إلى الإصدار وهي معلومات مهمة في سياقها التاريخي إضافة إلى صورة للشيخ صباح وهو يتسلم بروفة العدد الأول من المجلة.
وضم العدد الأول من المجلة خمسة استطلاعات مصورة الأول حمل عنوان «يوم مع جيش التحرير الجزائري» واستطلاع آخر بعنوان «القات: شيطان في صورة شجرة». ستطوف مجلة العربي لاحقا كل البلاد العربية عبر مساحة «اعرف بلدك أيها العربي» وستسلط الضوء بالكلمة والصورة على كل البلاد العربية المعروفة حينها أو المختفية تحت غبار السنين والنسيان.. وتراكم أرشيفا مهما لا يمكن أن يتجاهله أحد فهو اليوم جزء من تاريخ كل تلك المدن التي مرت عليها المجلة وكتبت عنها. وسيمر عبر صفحات المجلة كبار الكتاب والمبدعين العرب، وكأنها مساحة لا بد من المرور فيها في طريق الانطلاق نحو النجومية.
وفي الإصدار الأخير لمجلة العربي الموجود اليوم في الأسواق حاولت المجلة محاكات العدد الأول من إصدارها من حيث إخراج غلاف المجلة، فنراها تعود للطريقة الأولى التي كتب بها عنوان المجلة «اللوجو» رغم ما طرأ عليه من تحديث، ولكن يبدو أن الوفاء للبدايات التأسيسية سمة من سمات المشاريع التي يعترف أصحابها بفكرة التراكم لا بفكرة إذا جاءت أمت لعنت التي قبلها. ومن ذلك الوفاء ما كنت قد قرأته أن المجلة بحثت في عيدها الخمسين عن فتاة غلاف العدد الأول من المجلة، حتى وجدتها وكانت لفتاة اسمها عواطف العيسى، كانت الفتاة قد أصبحت عندما وجدتها أسرة تحرير المجلة في الحادية والستين من العمر، ونشرت صورتها في عام 2008 وهي تحمل العدد الأول من المجلة.. شابت نجمة العدد الأول لكن المجلة نفسها ما زالت تتطور يوما بعد يوم وما زال محبوها يحملون لها الكثير من الوفاء.
فتحية للمجلة في عيدها الستين، وتحية للمشاريع الثقافية التي تتطور بتراكم التجربة ولا تتراجع بفتور الهمة.