نوافذ : براءة ذمـة مـالـية

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تتكاثر كل يوم، على ما يبدو، الشكاوى والمنازعات والمصادمات بين مجموعة العاملين من فئة الأيدي العاملة الوافدة، وبين كفلائهم من المواطنين، وهي منازعات يخطئ فيها الطرفان، ويتحمل تبعاتها الطرفان أيضا، لأن معظم أسبابها عائد إلى عدم التقيد بالأنظمة والقوانين المنظمة للعلاقة بينهما في جميع نقاط التلاقي والاختلاف بينهما، ولأن الأمر كذلك فطبيعي أن تتنامى هذه المنازعات والشكاوى، وتزداد حدة وتوترا، بخلاف ما يحث فيها من الظلم أحيانا، ومن خيانة للأمانة أحيانا أخرى، ومن المراوغات والحيل وانتهاز الفرص للوقوع بالآخر؛ على حين غفلة منه؛ حيث يفقد الاحترام والتقدير، والاعتراف بالفضل من كلا الطرفين للطرف الآخر، وهذه إشكالية جوهرية في العلاقة القائمة بين العاملين وكفلائهم من المواطنين.
ما أذهب إليه هنا أكثر؛ هو مجموعة الالتزامات المالية التي يكتوي بها الكفيل بعد رحيل المكفول، حيث إنه كثيرا ما يسافر هؤلاء المكفولون، وعليهم التزامات مالية تقدر بآلاف الريالات، وغالبا ما يحدث هذا السفر؛ إما أن الكفيل لا يدري عن مجموعة الالتزامات المالية التي على المؤسسة والتي كدسها المكفول نتيجة لإعطائه التصرف المطلق من قبل الكفيل لإدارة المؤسسة، وإما لأن الكفيل مسجون لذات الأسباب المالية، وإما لأن المكفول يحمل جوازه، وبالتالي متى ما وجد الفرصة المناسبة لـ «الهروب» سافر الى بلده، وعندما يعرف الكافل يجد كما متراكما من المبالغ المالية عليه؛ وبحسب القانون؛ عليه أن يوفي للدائنين حقوقهم على المؤسسة.
هذه المسألة شائعة الحدوث، وهناك من يكتوي بآثارها السلبية التي تستمر فترات زمنية طويلة، تؤثر على المواطن «الكفيل» وقد ينسحب هذا التأثير السلبي على أسرته، خاصة؛ إذا كان هذا الكفيل في السجون يقضي فترة المحكومية الصادرة في حقه، لأنه والحالة هذه تتراكم عليه المبالغ والمطالبات المالية من قبل مجموعة كبيرة من الذين كانون يتعاملون مع مؤسسته في وجود العامل الذي سلمه «الخيط والمخيط» كما هو المثل، فالقانون «لا يحمي المغفلين» كما هو المثل الآخر، فهناك الكثيرين مما يجب حمايتهم من أنفسهم، لأن الحال لما يصل الى مثل هذه الصور التي نتحدث عنها، أتصور أنه من المهم حماية هذا الفرد، الذي يسيء الى نفسه والى أسرته بسوء تصرفه.
المطروح في هذه المناقشة؛ هو أن يستحدث نظام «براءة الذمة المالية» يحضرها المكفول ويقدمها الى الجهات المعنية في المطار قبل تكملة إجراءات سفره، ومغادرته الى خارج السلطنة، وهو إجراء لا ينتقص من حق هذه العامل، ولا يسيء الى شخصه، بل بالعكس يحميه من مغبة أية مطالبات مالية فيما لو حضر مرة أخرى الى البلد، ويحمي الكافل كذلك من مغبة الوقوع في التزامات مالية ليس له فيها يد، ولا مصلحة، إلا أنه وقع في مطبها لأنه أمن المكر، والمقلب، وسوء الأمانة في مكفوله، على أن تكون هذه البراءة موقعة من الكفيل ومعتمدة من الجهات المعنية في الحكومة، وبخلاف هذه الكفالة لا يسمح للمكفول بالمغادرة، كما هو الحال المعمول به في حالة المخالفات المرورية التي يجب ان يدفعها قبل مغادرته المطار.
اليوم؛ كما هو معروف؛ هناك مواطنون كثر يرزحون تحت وطأة السجون لأنهم وثقوا بصورة عمياء في مكفوليهم، ولم يراعوا هؤلاء المكفولون هذه الثقة، وأخذوا الأخضر واليابس ولم يراعوا لا الحرمة الإنسانية لهذا الإنسان الذي تنتظره أسرة بكافة أفرادها، ولا يراعون العشرة والمعاملة الحسنة، والاحتواء الاجتماعي عند وصولهم وضمهم في المؤسسة، مع التقدير لأولئك الذين حافظوا على أماناتهم وخلقهم الرائع فكانوا خير سفراء لبلدهم ومجتمعهم، ولكن لأن طبيعة البشر فيها الخروج عن المألوف، وفيها تجاذبات الذات السيئة، وفيها الانحياز الى المصالح الخاصة، لذلك تحدث مثل هذه الإشكاليات، وتزداد كلما وجدت ثغرات في القانون المنظم للعلاقة بين الطرفين، فآن الأوان لحماية الطرفين أيضا.