تواصل : « شوركم » خبرة !!

تونس المحروقية –

 hlaa202020  @

 مشهد أول :

ينشئ أحدهم وسما « هاشتاج » في إحدى منصات التواصل الاجتماعي لمناقشة تطوير مهام مؤسسة عامة، يبدأ في استعراض عمل تلك المؤسسة وتصوراته عن كيفية تطوير كل قطاع فيها بعد أن تعامل معها ولقى منها ما صدمه من ناحية صعوبة الإجراءات مثلاً ، يتفاعل بقية مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في تلك الدولة مع الوسم فيضيفون إليه الكثير من الآراء التطويرية مستعينين بخبراتهم أو مشاهدتهم في دول أخرى زاروها أو درسوا فيها أو حتى قراءتهم في مجال أفضل الممارسات في تطوير ذلك القطاع ، يمتلئ الوسم بالعديد من المقترحات الذي يتم في كل منشور فيه تضمين حساب المؤسسة الرسمية المعنية بموضوع الوسم ، لكن تلك المؤسسة لا تتفاعل ، لا تشكر ولا تستنكر ولا حتى تبدي أنها قرأت ما كتب !

مشهد ثانٍ: 

صورة منشورة في أحد الحسابات الرسمية لمؤسسة ما تظهر في واجهتها وفداً رسمياً متجهاً لإحدى الدول للاستفادة من تجربتها في تطوير القطاع الذي تعمل فيه المؤسسة ، يصطف خمسة أشخاص في الصورة وابتسامة عريضة على محياهم ، لن يفوتك وأنت تطالعها أن ترى جزءًا من حقائب سفرهم التي لم يسعفهم أن يبعدوها قليلاً ربما عن موقع تصويرهم ! ، يستعرض المنشور أهمية الزيارة لتلك الدولة البعيدة للتعرف على تجاربها المتميزة والتي ستساعد في تطوير عمل المؤسسة في مجال معين يتم تحديده في المنشور ، يرد أحد متابعي ذلك الحساب الرسمي بثقة : « كل يوم سفرات وتبادل خبرات ولا شفنا شيء من التطوير في قطاعكم » !

مشهد ثالث : 

بث مباشر«Live stream» في قنوات التواصل الاجتماعي لمؤتمر تقيمه إحدى المؤسسات والذي قد بدأت في الإعلان عنه قبل اشهر من إقامته ، مشاركة محلية ودولية لذلك المؤتمر الذي يظهر أنه تكلف الكثير من المبالغ التي رصدت بشكل خاص من ميزانية المؤسسة ، تبدأ أوراق العمل والتي تتوقع منها أنها ستمنحك كماً من المعرفة التي لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال تلك الأوراق العلمية الجديدة،تستمع بتركيز لعدد من الجلسات ثم تشعر أنك قرأت المعلومات المطروحة فيها في مكان ما وأن المؤتمر بكل تكاليفه المرهقة لميزانية المؤسسة لا يعدو أكثر من رغبتها في إبراز أنها تعمل فما قدم فيه من أطروحات كان يمكن الحصول عليها بضغطة زر في محرك البحث « جوجل »!.

واحدة من أبرز المزايا التي يمكن الاستفادة منها في قنوات التواصل الاجتماعي هي إمكانية قيام المؤسسات الرسمية عبر حساباتها في تلك المنصات بتفعيل فكرة المشاركة المجتمعية والتي تتمثل في أبسط تعريفاتها في قدرة المؤسسة على استفتاء رأي الجمهور في كل ما يشغلها في القطاع الذي تعمل فيه سواءً كان ذلك بسؤال مباشر أو بطلب مشاركتهم في وسم معين تطلقه أو حتى عن طريق التفاعل مع وسم أطلقه المستخدمون لتبني منه فكرة تطرحها عليهم لتستفيد بمخرجات الردود التي جاءت منهم في تطوير العمل كما قد يسهل عليها قيامها باتخاذ القرار المناسب في المجالات المتعددة التي تعمل فيها .

تبتعث المؤسسات سنوياً عشرات الوفود للخارج للتعلم من تجارب الدول المتقدمة كما تنظم العديد من المؤتمرات التي تكلفها الملايين والتي قد لا تمنحها ما تريده من تطوير بينما لا تكلف الكثير من المؤسسات نفسها الجهد في أن تسأل الجمهور رأيهم في مشروع ما وسبل تطويره ، مع أن «التشاور» والمناقشات في منصات التواصل الاجتماعي مجانية وسهلة ويمكن من خلالها الحصول على كم هائل من الآراء في مختلف المجالات ، وهنا قد يقول قائل : إن عموم مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ليسوا خبراء ليدلوا بآرائهم القابلة للاستفادة والتي يمكن أن يعول عليها! وهنا قد يأتي الرد : من يستطيع الجزم بأن ليس منهم ممن له تجاربه الأقرب للواقعية وإمكانية التطبيق ، إذ أن الكثير من مستخدمي تلك المنصات هم ممن يوجد لديهم آراء تستحق الاستماع وربما التطبيق ، ذلك النوع من الآراء المبنية على دراسات علمية أو قراءات أو حتى الاطلاع على تجارب دول متقدمة وغيرها وقد تصل بعدها المؤسسة إلى تبني بعض تلك الآراء بعد دراستها والتأكد من جدواها .

«شوركم » هي إحدى المبادرات التي تبنتها هيئة تقنية المعلومات في السلطنة منذ أعوام من أجل حث المؤسسات الحكومية على الاستفادة من قنواتها في وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز المشاركة المجتمعية الإلكترونية ، كما أصدرت الدليل الإرشادي الذي ينظم ويوضح سياسة المشاركة في قنوات التواصل الاجتماعي الذي يمكن للمؤسسات أن تستخدمه كمرجع في تفعيل سياسات المشاركة في قنوات التواصل الاجتماعي، وقد بدأت بعض المؤسسات بتفعيل سياسة المشاركة المجتمعية عبر تلك القنوات ، ومازالت البقية بعيدة تماماُ وكأنها لا تدرك أهمية هذه الممارسة !

في عالم اليوم المتسارع في إيقاعه والمعتمد في أغلبه على التقنية نجد أن الأفكار والتجارب والخبرات لا يتم الحصول عليها بالضرورة من خلال الطرق الاعتيادية المتمثلة في المؤتمرات واللقاءات ومهام تبادل الخبرات وغيرها، إذ أن وسائل التواصل الاجتماعي قدمت هذه الميزة التي تجعل من « شور » الناس المقدم عن طريق تلك القنوات خبرة بمستوى عالٍ تنتفي معه الحاجة لأكثر من الإنصات له و البدء في تحويله لواقع !