فجوة الدخل قضية مُلِحَّة في بلدان عديدة

شين ويوا – الصين ديلي –
ترجمة قاسم مكي –

كنت حاضرا في اجتماع بالقرب من قوس النصر في باريس يومي الجمعة والسبت الماضيين (تاريخ المقال 14 ديسمبر). انفض الاجتماع فجأة، كما كان متوقعا، بسبب احتجاجات جيلي جون أو السترات الصفراء. وكانت المشاهدُ التفصيلية لأحداث نهاية الأسبوع السابق التي بثَّتها القنوات التلفزيونية مرارا وتكرارا من حرق السيارات الى أعمال النهب إلى إطلاقِ الشرطةِ الغاز المسيل والرصاصات المطاطية مثيرةً للفزع والخوف.
نصحني أصدقاء بالبقاء في الفندق وعدم الاقتراب من أماكن الاحتجاجات. لكنهم كانوا ينصحون الشخص الخطأ. فالصحفي تدفعه غريزته وكذلك واجبه المهني إلى التصرف بخلاف ذلك. وفيما كنت أنطلق باتجاه جادة الشانزلزيه في وقت مبكر من يوم السبت صادفت العديدين من أصحاب السترات الصفراء وهم في طريقهم إلى هناك. جاء هؤلاء من مناطق مختلفة في فرنسا مثل نورماندي وكورسيكا. وكان غضبهم مكتوبا على وجوههم (باديا على ملامحهم) عندما كنت أتبادل معهم الحديث رغم محدودية لغتي الفرنسية ولغتهم الإنجليزية.
كانوا يستشيطون غضبا من ضريبة الوقود الجديدة التي اقترحها الرئيس فرانسوا ماكرون في وقت مبكر من هذا العام. لكنهم بَدُوا أكثر سخطا من أوضاع عدم المساواة في الدخول والفقر الذي سقطوا في مصيدته. لقد صدمت أنا الذي لم يكن لدي كثيرُ معرفةٍ في السابق بوجود انعدامٍ للمساواة الاجتماعية في فرنسا حين علمت أنهم محبطون من الرئيس ماكرون الذي يحظى بإعجابي. في الواقع يعرف معظم الصينيين أن فرنسا بلد غني وليس لديهم علمٌ بوجود مجموعة ضخمة من الفرنسيين الذين ليس في مقدورهم تدبير احتياجاتهم المعيشية. فمثل هذا الوضع عادة ما يرتبط في الأذهان بالبلدان النامية. لقد ذكر أولئك الذين تحدثت معهم أن العبء الضريبي الثقيل كان باعثا رئيسيا على الاحتجاجات.
تكشف البيانات المستمدة من الهيئة الإحصائية بالاتحاد الأوروبي (يورستات) أن معدل الضريبة إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفع في أوروبا عام 2017. واحتلت فرنسا المرتبة الأولى في قائمة الإيرادات الضريبية التي شكلت نسبة 48.4% من ناتجها المحلي الإجمالي ثم أعقبتها بلجيكا في المركز الثاني بمعدل ضريبي يصل إلى 47.3% الى الناتج الإجمالي.
دون شك يلزم البلدان الأوروبية معالجة فجوة الدخل التي تزداد بطريقة فعالة. وإذا لم تفعل ذلك سيكون عليها مواجهة «ثورة»، كما سَمّىَ بعضُ محتجِّي السترات الصفراء حركتهم «التي لا قيادة لها». تذكِّرنا السترات الصفراء بحركة «احتلوا وول ستريت» التي انطلقت في مدينة نيويورك في سبتمبر عام 2011 واكتسحت المدن الأمريكية في العام التالي.(حسب موسوعة ويكيبيديا، احتلوا وول ستريت أو «أوكيوباي وول ستريت» هي حركة احتجاجية بدأت في 19 سبتمبر 2011 في حديقة زوكوتي بمنطقة وول ستريت المالية في نيويورك. اجتذبت الحركة اهتماما عالميا واسعا وأشاعت فكرة الاحتجاجات ضد اللامساواة الاقتصادية على نطاق العالم- المترجم.) كنت موجودا في جسر بروكلين في الأول من أكتوبر 2011 حين اعتقلت شرطة نيويورك 700 متظاهر. كان ذلك الاعتقال إشكاليا على الرغم من أن إدارة شرطة نيويورك ذكرت أنها حذرت المتظاهرين قبل اعتقالهم. وكشاهد عيان وقتها، حيث كنت أتنقَّل إلى الأمام والخلف لالتقاط صور فوتوغرافية للمتظاهرين، استطيع القول أن أولئك الذين كانوا في الصف الأمامي للمسيرة الاحتجاجية هم فقط من كان بمقدورهم سماع تحذير الشرطة وليس مئات المتظاهرين الذي كانوا يمشون وراءهم.
اقتصر احتجاج حركة احتلوا وول ستريت على فجوة الدخل المتزايدة الاتساع ونفوذ الشركات في السياسة الأمريكية. لكنها رغما عنها سحقت بواسطة التدخل الفظ للشرطة. ولاحقا صار عديدون من أولئك المتظاهرين من مؤيدي(المرشَّحَين الجمهوريين) بيرني ساندرز ودونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية التي جرت في عام 2016.
إن فجوة الدخل في الولايات المتحدة أكثر اتساعا منها في بلدان الاقتصادات المتقدمة الأخرى. لقد زادت أيضا بوتيرة أسرع في العقود الأخيرة. فمعامل جيني في الولايات المتحدة الذي بلغ 0.435 في عام 2016 كان الأعلى قياسا بأيٍّ من بلدان مجموعة السبع التي تراوح هذا المعامل فيها بين 0.330 في فرنسا و0.388 في المملكة المتحدة، وفق بيانات «بيو» التي نشرت في يوليو الماضي. (حسب موسوعة انفيستوبيديا، معامل أو مؤشر جيني أداة إحصائية لقياس توزيع الدخل. طَوَّرَهُ الإحصائي الإيطالي كورَّادو جيني عام 1912. وغالبا ما يستخدم هذا المؤشر لسبر عمق اللامساواة الاقتصادية وذلك بقياس توزيع الدخل. يتدرج مؤشر جيني من الرقم صفر ويعني المساواة التامة وحتى الرقم واحد الذي يعني الانعدام التام للمساواة- المترجم).
هذا وتكشف التقارير أن أغنى 1% من سكان الولايات المتحدة يملكون 40% من ثروة البلد في حين يملك 80% من السكان ممن هم في أدنى سلم الدخل 7% فقط من هذه الثروة. لقد اتسع التفاوتُ في الدخولِ في العقد الماضي بوتيرة سريعة أيضا في البلدان الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل واندونيسيا وجنوب افريقيا أيضا. ويشكل هذا التفاوت قضية ضاغطة وملحة في بلدان عديدة وتستدعي اهتماما عاجلا وحلولا فعالة.