الاحتجاجات الشعبية والهدف الخفي

عوض بن سعيد باقوير –

الحكومات بشكل عام لا بد أن تكون لديها القدرة لتحليل الظواهر الاجتماعية سواء كانت كامنة أو عند بداية ظهورها خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالأوضاع المعيشية وهذا ينسحب على عدد من الدول العربية التي تواجه الآن موجات من الاحتجاجات خاصة في السودان الشقيق وأيضا في الأردن الشقيق بل وهناك احتجاجات حتى في مدينة اسطنبول التركية.”

على مدى أكثر من ست موجات من الاحتجاجات لظاهرة أصحاب السترات الصفراء في فرنسا والتي تبدأ كل سبت تحول ذلك المشهد خاصة في باريس وعدد من المدن الفرنسية الى ظاهرة اجتماعية ضاغطة على السلطة في قصر الاليزيه، علاوة على أن تلك الجموع الغاضبة انطلقت بعفوية في بداية مسارها الاحتجاجي مطالبة بمطالب تتعلق بقضايا معيشية كارتفاع أسعار المحروقات والضرائب وعدم القدرة الشرائية وغيرها من المطالب والتي استجاب إلى بعضها الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون في خطاب موجه للمحتجين لعل من أهمها زيادة في رواتب في درجات الحد الأدنى بمائة يورو والاعفاء من الضرائب لرواتب المتقاعدين وبعض الحوافز للعاملين في الشركات ويبدو أن تلك الاستجابة من الرئيس الفرنسي كانت إلى حد كبير موضوعية وان كانت لا تلبي كل المطالب خاصة موضوع الضرائب على الأثرياء.
ومع كل احتجاجات شعبية تتدخل التكتلات السياسية لاستغلال الحدث حتى عن طريق التحريض الخفي، كما أن المخربين وجدوها فرصة للأعمال الخارجة عن القانون من خلال حرق وسلب المحلات التجارية في باريس ومن هنا فان الأهداف الحقيقية لأصحاب السترات الصفراء والذين يشكلون الأغلبية من المحتجين هي أهداف حقيقية ويمكن الحوار بشأنها أما الأهداف الخفية فتلك قصة أخرى.

الظاهرة الشعبية

أصحاب السترات الصفراء ظاهرة اجتماعية شعبية تستحق التأمل والدراسة خاصة وان تلك الحركة لا تستند على قيادة محددة، وإنما هي بالفعل عفوية شعرت في مرحلة ما بأن أوضاعها الحياتية تتدهور وأن عليها إيصال صوتها بكل قوة للسلطات الفرنسية ولعل تلك الرسالة قد وصلت كما قال الرئيس ماكرون.
لقد عاشت باريس وعدد من المدن الفرنسية أياما صعبة من خلال التدفق الكبير للجماهير الغاضبة ظهر كل سبت وللمرة السادسة، وان كانت الأعداد بدأت في الانخفاض سواء لأسباب مناخية كالبرودة الشديدة أو بسبب أجواء الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي وتحمل من خلاله المسؤولية على ما آلت إليه الأوضاع للطبقات الدنيا في فرنسا والاتهام المباشر الذي وجه إليه بأنه رفع الضرائب عن أصحاب الثروات من دول الاتحاد الأوروبي كهولندا وبلجيكا، وقد تمتد الى دول عربية كالذي يحدث الآن في السودان وتركيا والأردن وتونس حيث اتخذ المحتجون هناك السترات الحمراء، وبالتالي أصبحت هذه الظاهرة الشعبية الاحتجاجية مجال ترقب وتحليل علماء الاجتماع والسياسة ومراكز البحوث.
ولعل السؤال الأهم هنا هل تتواصل هذه الظاهرة ام ان الزمن كفيل بإنهائها بسبب تلبية بعض المطالب، وان كانت في حدها الأدنى أم ان المتغيرات السياسية الداخلية قد تجدها فرصة للتحريض على استمرارها لأسباب سياسية تدخل في إطار اللعبة السياسية الداخلية مع الخصوم.
الخسائر الاقتصادية.

من النتائج المباشرة لظاهرة الاحتجاجات هو الخسائر الاقتصادية الكبيرة لفرنسا والتي تعتمد على السياحة في باريس والمدن الفرنسية علاوة على وجود موسم أعياد الميلاد والحركة الشرائية النشطة من المحلات التجارية، ومن هنا كانت النتائج سلبية حيث ان الاحصائيات تتحدث عن ضياع ثلث الدخل التجاري الذي عادة يتحقق في موسم الأعياد وهو رقم كبير من خلال الفوضي التي عمت باريس والسلب والنهب والحرق للمحلات التجارية ذات الماركات العالمية واغلاق بعض المتاحف كاللوفر الشهير وبرج ايفيل وقوس النصر وحتى شارع الشانزيليزيه والذي كان واجهة الاحتجاجات.
ان ظاهرة أصحاب السترات الصفراء كانت لها أهداف في الموجات الأسبوعية الأولى ولكن تم استغلال تلك الظاهرة لأحداث متغيرات تتماشى وأهداف بعض التكتلات السياسية، كما ان الضغط الشعبي كان كبيرا على الرئيس الفرنسي الذي واجه تحديات حقيقية هددت سلطاته.
أن امتداد ظاهرة الاحتجاجات الى عدد من الدول الأوروبية سوف يشكل ضغوطا على تلك الحكومات لتعديل الأوضاع الحياتية للمواطنين، كما ظهرت بعض الجماعات التي تتحدث عن أهمية الحد من الهجرة خاصة من دول الشرق الأوسط وبعض المظاهر العنصرية، ومن هنا فان تلك الظاهرة لا يمكن الحكم عليها بشكل قاطع حتى وأن بدأت في السبت الماضي أقل عددا وزخما.
ان المواجهات الست بين المحتجين والشرطة الفرنسية كانت مواجهات صعبة وحولت باريس الى ساحة مواجهات حقيقية وكانت هناك كلفة سياسية واقتصادية كبيرة لا يمكن لفرنسا التي تعاني مصاعب اقتصادية ان تتحملها طويلا، ومن هنا جاءت الدعوة الرئاسية من ماكرون للحوار في الاليزيه مع الأحزاب والنقابات ومن يمثل أصحاب السترات الصفراء للوصول الى حلول توفيقية وانهاء تلك الاحتجاجات والتي تسبب شللا في الحياه اليومية وتكبد التجارة الفرنسية خسائر كبيرة مع اقتراب الأعياد.

الأهداف السياسية

التصريحات من الأحزاب السياسية الفرنسية وخاصة من اليمين الفرنسي وحتى اليسار تنتقد حكومة الرئيس ماكرون وتحملها المسؤولية بل وتتحدث عن سقف أعلى للمطالب تناغما مع الموجات الأخيرة، والتي تتحدث عن ضرورة رحيل الرئيس الفرنسي عن السلطة، كما ان أكثر من ثلثي الشعب الفرنسي حسب استطلاعات الرأي يؤيد مطالب المحتجين التي تتعلق بالمطالب الحياتية.
في ظـــــل الظروف الاحتجاجية يتم استغلال تلك الأحداث من قبل القوى السياسية المنافسة للحزب الحاكم وفي ظل التراشق الكلامي والتصريحات بين السياسيين فان المشهد يتحول الى معركة سياسية، ويتم استغلال أصحاب السترات الصفراء لصالح تلك القوى السياسية المتنافسة والمتصارعة.
أن ظاهرة أصحاب السترات الصفراء كانت بالفعل حركة احتجاج شعبية عفوية خرجت للشوارع لأسباب تتعلق بالأسعار والصعوبات المعيشية وإيصال الصوت الى الايليزيه والحكومة الفرنسية، صحيح ان التقديرات الأولى لتلك الاحتجاجات لم تؤخذ على محمل الجد ولكن مع اشتداد الموجات التالية شعر الرئيس ماكرون بأن الوضع أصبح صعبا وان عليه التعامل بجدية مع تلك الاحتجاجات والتي وصلت الى المطالبة برحيل الرئيس الفرنسي.
الحكومات بشكل عام لا بد ان تكون لديها القدرة لتحليل الظواهر الاجتماعية سواء كانت كامنة أو عند بداية ظهورها خاصة اذا كان الأمر يتعلق بالأوضاع المعيشية، وهذا ينسحب على عدد من الدول العربية التي تواجه الآن موجات من الاحتجاجات خاصة في السودان الشقيق وأيضا في الأردن الشقيق بل وهناك احتجاجات حتى في مدينة اسطنبول التركية.
ان الأوضاع الاقتصادية للدول أصبحت المتغير الأساسي لاندلاع مثل تلك الاحتجاجات ولا بد ان نتذكر بأن عدد من الاحتجاجات الشعبية في الوطن العربي عام 2011 والتي سميت بالربيع العربي كانت لأسباب اقتصادية وبعد ذلك تم استغلالها داخليا وخارجيا لتغيير تلك الأنظمة وهي السمة التي رأيناها في موجة الاحتجاجات في فرنسا وهذا يعطي درس كبير بأهمية دراسات الرأي العام في المجتمعات علاوة على التنبه الى مسار الأحوال الحياتية للناس حتى لا تكون التكلفة السياسية والاقتصادية كبيرة كما في الحالة الفرنسية التي نتحدث عنها.

إلى أين المسار؟

عندما ترتفع سقف المطالب وتتحول من مطالب تتعلق بقضايا معيشية وحياتية، فان هناك اياد داخلية متنافسة وهناك أطراف خفية خارجية بدون شك لأسباب متعددة، ولكن في الحالة العربية لضرب الوحدة الوطنية والاستقرار واستغلال الأوضاع الاقتصادية والبناء عليها لتحقيق تلك الأهداف الخفية.
وفي عالم اليوم الذي يشهد متغيرات وخطوات غير مسبوقة في الفكر السياسي والطموحات غير المنضبطة لبعض القيادات يكون السياج الداخلي أولوية، ويكون الحرص على معالجة القضايا الاجتماعية من الأولويات الحيوية ذات العلاقة بالأمن الوطني فمسارات الاقتصاد في الدول إيجابا أو سلبا يتم رصده في الدوائر المغلقة وفي حالة عدم اليقين الحالية لم يتصور الرئيس الفرنسي ماكرون في فرنسا وهي دولة أوروبية مهمة ان تصل الأمور من قبل أصحاب السترات الصفراء الى الحد الذي يهدد سلطاته وهذا درس كبير لدراسة مثل تلك الظواهر التي يتم استغلالها لأهداف محدده تخرج عن أهدافها الأساسية.
ان احتجاجات فرنسا وان قلت حدتها لكن لا يمكن التنبؤ بمسارها في المرحلة القادمة وان كنت أتصور بأن تطبيق جزء من المطالب التي تحدث عنها ماكرون قد يشكل استجابة ولو جزئية مما يخفف من شراسة تلك الاحتجاجات وبالتالي اختفاء تلك الظاهرة ولو مرحليا.