السترات الملونة.. وعالم ما بعد العولمة

إميل أمين –

اليمين الأوروبي لا يتواجد فقط على الأراضي الألمانية وإنما نراه في هولندا وإيطاليا، في فرنسا وبريطانيا، وحتى الدول الأوروبية التي كانت تسمى بدول أوروبا الشرقية أضحت من أكثر الدول تطرفا وشوفينية.

على بعد أسابيع قليلة من نهاية عام وبداية عام جديد يرى الجميع بشائره المثيرة، بات التساؤل عن ظاهرة أصحاب السترات التي بدأت صفراء في فرنسا، ثم انتقلت لتضحى حمراء في مواقع أخرى، ويرجح أنها ستأخذ درجات مختلفة من الألوان بما يتساوق وتوجهات كل دولة أيديولوجيا في بقاع الأرض المختلفة.
علامة الاستفهام التي نحن بصددها هل المشهد ظاهرة محلية فرنسية، أم أن هناك ما هو أبعد ويتصل اتصالا وثيقا بمسارات النظام العالمي الذي يعيش حالة من حالات الاضطراب والخلل الهيكلي، وفي ظل عولمة عرجاء غير قادرة على المضي قدما في طريق تحسين حياة الأمم والشعوب؟ يمكن القطع بأن فرنسا الثورية منذ عقود طوال صمتت طويلا، وها هي يعلو صوتها بالهتاف، لتقود المظلومين اجتماعيا، فقد قسمت النيوليبرالية الاقتصادية البشر إلى قسمين المرفهين والمنعمين من ناحية، والمطحونين والبؤساء من ناحية ثانية حتى داخل الدول التي تتشدق بأنها تنتمي إلى العالم المتقدم.
خرج الفرنسيون إلى الشوارع بستراتهم الصفراء في احتجاج واضح وفاضح لطبقة كبار الأغنياء، وقد بدا واضحا أن الرئيس ماكرون ورئيس وزرائه إدوارد فيليب يتعاطيان بفوقية غير طبيعية مع طبقات الفرنسيين الكادحة، وربما يكون هذا طبيعيا من جانب قائد جاءت به طغمة الروتشيليديين، والتي تمتلك ناصية البنوك والأموال في فرنسا، ولا تعرف شظف العيش الذي يعيشه الشعب.
لم تكن تظاهرات أصحاب السترات الصفراء مؤدلجة كما كان الحال في تظاهرات الطلاب الفرنسيين في العالم 1968، بل كانت احتجاجات برسم رغيف الخبز، ولتر البنزين، ورسوم الأداءات، أي أنها كانت رفضا لأوضاع اقتصادية وليس توجها لجهة سياسية ما، والدليل أن الذين خرجوا إلى الشوارع كانوا من كافة القطاعات السياسية الفرنسية أي من اليمين ويمين الوسط ومن اليسار إلى أقصى اليسار، وكلهم شملهم الوضع الاقتصادي المتردي.
على أن ما يلفت الانتباه هو أنه وحتى بعد تراجع الرئيس ماكرون وحكومته عن القرارات الاقتصادية، لم تتراجع التظاهرات، وإن خفتت حدتها في السبت الخامس، غير أن عددا من خبراء الداخل الفرنسي يقولون إنها تهدئة مؤقتة، سوف تعود بقوة من جديد، بعد انتهاء موسم أعياد الميلاد ورأس السنة في الداخل الفرنسي.
إلى هنا تبقى الظاهرة فرنسية محلية داخلية، غير أن ما جرت به المقادير، كان مثيرا بالفعل إلى أقصى حد ومد إذ انتقلت إلى هولندا وبلجيكا، والى المجر، والى ألمانيا وبلغاريا، ثم توجهت جنوبا إلى تونس وبوركينا فاسو في قلب إفريقيا، ومنها اتجهت شمال شرق إلى الأردن حيث ظاهرة « الشماغ الحمر» ومن هنا بدا الجميع وكأنهم أمام خط عام يشمل دولا وشعوبا عديدة حول العالم جميعها ينتظمها نهج عقلي واحد، وبأدوات ملونة رمزية على اختلافها، نهج يتساءل هل من عدالة اجتماعية أم أن الثورات الدموية لابد لها أن تعود وتسود حتى تستقيم الأمور بين البشر؟
قبل الجواب لابد من الإشارة إلى جزئية غاية في الأهمية موصولة بالمقدرة على حشد الجماهير بعشرات الألوف أولا، ثم بالملايين إن لزم الأمر تاليا، ونعني بها وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكة العلاقات في الفضاء الافتراضي، فقد جعلت هذه وتلك العالم أصغر من رقعة صغيرة بالفعل، ففي حين كان حشد ألف شخص في النصف الأول من القرن العشرين عملية عسيرة مرهقة ومكلفة جهود بشرية كبيرة، صار اليوم مناداة مائة ألف متظاهر أمرا يسيرا للغاية من خلال رسالة هاتفية، أو بوست صغير على الفيس بوك، ولدينا رئيس أمريكي يتحكم وربما يتلاعب بمصير ملايين البشر حول الكرة الأرضية من خلال تغريداته عبر تويتر. هل من دلالة لذلك؟
الدلالة المؤكدة هي أن الحكومات المحلية وحتى الهيئات الدولية لم تعد هي القابضة على الجمر ولا المتحكمة بالمطلق في زمام الأمور، إذ أصبحت عملية التواصل بين الأمم والشعوب هي التي ترسم المسارات وتبلور الرؤى في آن واحد، ومن غير مقدرة على تحديها أو التصدي لها في زمن السماوات التي انفطرت وما بعدها.
على ماذا تتمرد الشعوب ذات السترات الملونة؟
الشاهد أن الحركات الاحتجاجية حول العالم تجيئ ردا على إخفاقات عريضة من قبل السلطات المالية والاقتصادية، ومن جراء توجهات النخب النيوليبرالية، تلك التي آمنت وروجت بأن دور الدولة في القيادة الاقتصادية وتوزيع الثروات قد انتهى إلى غير رجعة، وأن حقائق وقوانين السوق هي التي يجب أن توجه تحركات رؤوس الأموال، وغاب عن هؤلاء المنظرين مشهد جوهري وهو أن النفس البشرية تسعى وتطمح بل تطمع إلى ما لا نهاية، وأن الرغبة في السيطرة على المقدرات الاقتصادية حول العالم هي الطريق الذي فضله الكثيرون ولا يزالوا لتسلق سلم الهمينة السياسية والانفراد بالقطبية الواحدة وما يجري بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين خير مثال على ما نقول به. هي إذن سترات ملونة مرشحة لأن تضحى تيارا كبيرا جدا في العام الجديد، ومرد ذلك أن هناك توقعات اقتصادية مخيفة قال بها عدد من كبار الاقتصاديين حول العالم في الأشهر القليلة المنصرمة وقد كان في مقدمتهم عالم الاقتصاد الأمريكي والحائز على جائز نوبل في الاقتصاد قبل عدة أعوام «نورييل روبيني»، فقد حذر من أن العام 2019 قد يشهد كسادا اقتصاديا خطيرا جدا تتجاوز حدته وخسائره الأزمة الاقتصادية العالمية التي جرت بها المقادير في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2008، وربما تقارب بدرجة أو بأخرى أحداث الكساد العظيم الذي أصاب البشرية في الثلث الأول من القرن العشرين.
في هذا السياق بدأت الشعوب تسائل القيادات الاقتصادية والسياسية عن ما جنته أياديهم من جراء سياسات نهبوية وليست نهضوية، سياسات جعلت الشركات العابرة للقارات تتجاوز في قدراتها ما هو متوافر من مقدرات للدولة المحلية، الأمر الذي جعل علماء السياسة يتساءلون هل انتهى عصر الدولة الويستفالية المستقلة مرة والى الأبد، وإذا كان ذاك كذلك فهل العالم بالفعل على شفا حفرة من الفوضى تزيل السدود والحدود، ما يعني أن النظام العالمي بشكله الحاضر في خطر جاثم وداهم؟
بعض الملاحظات التي تخص ظاهرة السترات الملونة مهم للغاية التوقف أمامها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر فكرة السخط الاجتماعي غير المؤدلج، والذي يتجاوز الأطر الحزبية التقيدية ما يبشر بولادة مرحلة ما بعد الديمقراطية التقليدية التي تعتمد صناديق الاقتراع كآلية وحيدة لها. الحديث المتقدم رأيناه بالفعل في شوارع العالم المنتفضة، فالسخط الاجتماعي أفرز ظاهرة ما بعد الأحزاب، والدليل على صحة ما نقول به أن الذين نزلوا إلى شارع الشانزليزيه في فرنسا لم تحركهم توجهات حزبية يمين أو يسار بعينها، ولكن حركتهم قوى اجتماعية وإنسانية تراكمت عليها مظالم النخب المالية الحاكمة، ولهذا انفجرت مرة والى أجل غير مسمى، وسيكون من الطبيعي كذلك أن تنظر عما قريب إلى انتخابات القيادات بدءا من مجالي المحليات، وصولا إلى مناصب وكراسي الرئاسات بنظرة مغايرة، تختلف عن الطرح التقليدي المتعلق بالتصويت واختيار مرشح بعينه، ويبدو أننا اقرب ما نكون إلى عودة فكرة المجالس الرئاسية المتعددة الأفراد لضمان عدم انفراد شخص بعينه، أو فصيل سياسي بذاته لقرارات تتحكم في مصائر البشر دفعة واحدة.أمر آخر أثبتته انتفاضة السترات الملونة إن جاز لنا أن نسميها هكذا، وهو أن هناك من ساعد في تحريك الأحداث وإن لم يكن القيادة لها، ونقصد بذلك جماعات اليمين الأوروبي المتطرف بنوع خاص، ذلك أنه وإن لم تكن هي من قادت الاحتجاجات إلا أنها وجدت فيها فرصة طيبة لتحقيق مزيد من النجاحات على الأرض، الأمر الذي يشير إلى أنها سوف تمضي عما قريب إلى ما هو أبعد من ذلك بمراحل، وسوف تقطع أشواطا عريضة، فالنظر إلى أوروبا اليوم يثير المخاوف الجسام من عودة النازية على سبيل المثال بعد أن احتل حزب البديل من أجل ألمانيا نحو مائة مقعد في البرلمان الألماني، ويوما تلو الآخر تظهر على السطح أنباء مقلقة جدا بشأن اكتشاف خلايا يمينية نازية متطرفة في داخل الجيش والشرطة الألمانيين، ما يعني أن الانفجار قد يكون قائما وقادما في نفس الوقت.
اليمين الأوروبي لا يتواجد فقط على الأراضي الألمانية وإنما نراه في هولندا وإيطاليا، في فرنسا وبريطانيا، وحتى الدول الأوروبية التي كانت تسمى بدول أوروبا الشرقية أضحت من أكثر الدول تطرفا وشوفينية، وهذا يعني أنها ستجد في السخط الاجتماعي الحالي بسبب الأوضاع الاقتصادية مسارب جيدة للغاية للاستمرار إلى أن تبلغ غايتها مهما كانت الأكلاف عالية وغالية. وتبقى النقطة الأخيرة والأكثر خطورة التي تفرزها الاحتجاجات الملونة الخاصة بالأوضاع السياسية الغربية وتحديدا أوضاع الديمقراطيات الغربية، ويبدو واضحا أنها تعاني من إشكاليات مرضية جذرية في المقدمة منها حالة من انهيار الأحزاب التقليدية، تلك التي قادت الشعوب الغربية والأوروبية، خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الساعة، عطفا على عزوف واضح وملحوظ من الشباب عن المشاركة في سياق الانتخابات التشريعية لعدم إيمانه بها، واعتقاده الجازم أن الطبقة السياسية الآنية فاسدة ويجب تغيير هياكلها وجذورها وطرق الانتخاب عينها، وفي النهاية نصل إلى نتيجة حتمية وهي أن القاعدة التمثيلية للشعوب ضعفت إلى حد بعيد وباتت هشة، والدليل أن فرنسا التي قدمت للعالم شارل ديجول وفرانسوا ميتران، أخفقت اليوم في إيجاد زعامة حقيقية قادرة على أن تملأ أعين وعقول شعبها.
هل سيكون 2019 عام الثورات الملونة من جديد، عام ما بعد العولمة ؟ الليالي حبلى بالمفاجآت.