موجة ربيع جديدة.. أم تطور طبيعي في صراع الشعب والسلطة؟

هاني عسل –

ظهرت أيضا محاولات إلحاق أكبر الضرر بالاقتصاد الوطني، من خلال حرص المتظاهرين الفرنسيين على إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بسبب استمرار المظاهرات والتخريب، وتقدر الخسائر المبدئية بعشرة مليارات يورو.

لم تعد «السترات الصفراء» مجرد ظاهرة فرنسية محلية خالصة، بقدر ما تحولت إلى ظاهرة أوروبية، بل وفي طريقها لأن تصبح عالمية، أو «متعولمة»، بعد انتقال عدواها إلى أكثر من دولة، لدرجة أن البعض وصفها بأنها ربما تكون الموجة الثانية من احتجاجات ما يسمى بـ«الربيع العربي» التي حملت في موجتها الأولى شعارات معيشية مناظرة تطالب بالخبز والعدالة الاجتماعية وتحسين أوضاع المعيشة.
«راتبي 1500 يورو، أدفع نصفه ضرائب، ومعظم النصف الآخر يذهب إيجارا لمحل السكن، ويتبقى لي فقط أقل من مائة يورو أنفق منه على نفسي، كيف أعيش إذن»؟!
هذه العبارة التي وردت بصيغ مختلفة على ألسنة متظاهري «السترات الصفراء» في فرنسا تلخص طبيعة وحقيقة وأسباب هذه المظاهرات، فهي ردة فعل طبيعية على توحش عصر العولمة، وتوغل الرأسمالية التي لا ترحم على مقدرات الشعوب، وتحولهما معا إلى «غول» عملاق يفترس الضعفاء والمهمشين، بل وينهش في لحوم أبناء الطبقات الوسطى أنفسهم الذين اعتادوا على العيش بأريحية نسبية في المجتمعات الرأسمالية العتيدة! بدأت حركة «السترات الصفراء» أو Mouvement des gilets jaunes عمليا في فرنسا، وتحديدا في شهر مايو الماضي، وانفجرت بصورة أكثر زخما وعنفا في نوفمبر الماضي، وتحولت إلى ما يشبه «حركة شعبية»، أو «ثورة»، لها شكل مرعب، ومطالب لا سقف لها وصلت حد المطالبة بإسقاط النظام، مع الأيام الأولى من شهر ديسمبر الحالي.
ويقال أيضا إن الحركة مستوحاة أصلا من حركة احتجاجية مماثلة ظهرت في إيطاليا منذ سنوات تحمل الاسم نفسه للاعتراض على سياسات الاتحاد الأوروبي وتدخله في الشأن الإيطالي.
استمدت الحركة الفرنسية في البداية اسمها من تلك السترة الفوسفورية الصفراء التي يفرض القانون الفرنسي منذ عام 2008 ارتداءها على جميع سائقي السيارات عند القيادة كإجراء وقائي حتى يكون السائق مرئيا في حالة خروجه من السيارة، وهو قانون استشعر الفرنسيون وقت إقراره بأنه لا قيمة له، سوى أنه مجرد تحرش سلطوي بهم لا مبرر له.
ولكن الاحتجاجات التي اندلعت في فرنسا أساسا ضد غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار والضرائب على الوقود، لم تقتصر على سائقي السيارات فحسب، وإنما اجتذبت سريعا أوساطا ذات تاريخ معروف في الشغب ورفض فكرة السلطة، من أطياف مختلفة، سواء من أبناء الجيل الثالث في فرنسا من ذوي الأصول الأفريقية، أو من مهاجري دول شمال أفريقيا الذين يعيشون حياة بائسة، أو أبناء الطبقة العاملة الفرنسية التي تكابد ظروف الحياة، أو حتى اليمين المتطرف، وكذلك اليسار المتطرف، اللذين يريدان إسقاط الحكومة الحالية، بجانب بعض العناصر الإجرامية، وعناصر أخرى محسوبة على التيارات الشبابية والحقوقية والإعلامية والناشطين الذين ينتمون أو يتعاونون مع منظمات حقوقية وجمعيات أهلية لأغراض متباينة، ممن عرف عنهم دائما مشاركتهم في مختلف الاحتجاجات ضد العولمة، بل ولا ننسى أنهم كانوا جزءا لا يستهان به في ثورات الربيع العربي.
إذن «السترات الصفراء» الفرنسية كانت مجرد «فكرة». فكرة أيديولوجية تقوم على أساس رفض العولمة والرأسمالية المتوحشة، ويصل هذا الأساس الأيديولوجي إلى مبدأ رفض السلطة ذاتها و«النظام»، والانحياز في المقابل إلى «الشارع» و«أصوات الشعوب»، وهي ذات الفكرة التي قامت عليها ما عرف بثورات الربيع العربي عام 2011 في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، بالتوازي مع المطالب الاقتصادية، واجتذبت الملايين في مهدها، ولكنها سجلت فيما بعد فشلا ذريعا. ولكن الآن، يبدو أن الفكرة نفسها وجدت ضالتها في القارة البيضاء، وليس في فرنسا وحدها، فقد تطايرت الفكرة سريعا من باريس إلى مدن إيطاليا وبلجيكا وهولندا والنمسا وألمانيا وبريطانيا وكندا، لأسباب متشابهة، وبأشكال متباينة.
ولعل هذا التفسير هو الوحيد الذي يقنعنا بأسباب اندلاع المظاهرات في توقيت شبه متزامن في أكثر من مدينة أوروبية، وبخاصة باريس وبروكسل ولندن، وكذلك، تمتع هذه الحركة الاحتجاجية بدعم ومساندة هائلين من جانب منصات إعلامية وحقوقية اشتهر عنها تقديم دعم مماثل في الربيع العربي. وهذا ما يفسر بوضوح أيضا سبب انحياز من يمكن تسميتهم بـ«الثوريين العرب» لحركة السترات الصفراء، رغم ما تضمنته من تخريب وعنف، إذ وجدوا فيها ضالتهم بعد سنوات من الغياب والفشل، بل وبدأت بالفعل تظهر دعوات هنا وهناك لتنظيم احتجاجات مماثلة بالسترات الصفراء – كرمز فقط – في دول إقليمية أخرى، فظهرت دعوات بالفعل في العراق وتونس وتركيا وإسرائيل. وليس خافيا على أحد أيضا أن احتجاجات العراقيين في البصرة خلال العام الحالي شهدت أيضا ارتداء المتظاهرين للسترات الصفراء، وكانوا يطالبون الحكومة بتوفير فرص عمل لهم وتقديم خدمات أفضل.
بل ولم تتردد بعض التقارير الإعلامية في تأكيد هذا الربط، لدرجة أن أكثر من تقرير تحدث صراحة عن التزامن الملحوظ بين حركة السترات الصفراء في فرنسا، واقتراب ذكرى ثورتي تونس ومصر تحديدا في يناير المقبل!
وخوفا من «توحش» هذه الظاهرة، تعاملت السلطات في أكثر من دولة بكثير من الحذر تجاه أي بوادر لظهور حركات مماثلة. فقد تعاملت السلطات التونسية بحزم مع دعوات تظاهر حملت عنوان «أصحاب السترات الحمراء». وفي أنقرة، حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشدة من استنساخ التجربة الفرنسية في تركيا، مهددا من يحاول ذلك بدفع الثمن غاليا. وجاء تحذيره تحديدا في أعقاب احتجاج تزعمه كمال كليجدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض تزامنا مع مظاهرات باريس. وفي روما أيضا، تظاهر الآلاف احتجاجا على القيود الجديدة التي فرضتها الحكومة الشعبوية الإيطالية للحد من استقبال المهاجرين، وذلك تحت شعار «انهض من أجل حقوقك»، وارتدى بعض المشاركين فيها سترات صفراء. كما شهدت مدن كندية مظاهرات لأصحاب السترات الصفراء احتجاجا على توقيع بلادهم على الميثاق العالمي للهجرة في مراكش بالمغرب. وفي البصرة أيضا، تظاهر العشرات قرب منزل رئيس مجلس المحافظة، وأضرموا النار في إطارات سيارات، بسبب سوء الخدمات الأساسية من الماء والكهرباء، فضلا عن الفساد.
ولم يكن خافيا على أي متابع أن أصحاب السترات الصفراء في فرنسا اتبعوا بالحرف الواحد نفس تقنيات الاحتجاجات التي شهدتها دول الربيع العربي: فظهرت فكرة اختيار يوم محدد في الأسبوع للحشد للمظاهرات، مثل يوم السبت، بدلا من الجمعة. وظهرت فكرة القيام بمظاهرات دون وجود قائد حقيقي لها لتشتيت السلطات، ولوأد فكرة أي حوار أو مفاوضات مع الجهات الرسمية، وأيضا لتوصيل رسالة مفادها أن الاحتجاجات ليست مجرد مظاهرة فئوية وإنما ثورة شعبية. وظهرت أيضا نفس تقنيات العنف والعصيان التي تم انتهاجها في مصر وتونس واليمن وسوريا وليبيا، مثل الكتابة على الجدران، وقطع الطرق، وإغلاق شوارع وميادين كاملة، والاستيلاء على أكشاك رسوم الطرق السريعة، وتركيز المظاهرات في قلب المدينة، كشارع الشانزليزيه مثلا في فرنسا، لخنق الدولة بالكامل.
كما ظهرت أيضا فكرة امتهان السياسيين والمسؤولين، في صورة الاعتداء بالبيض على الرئيس إيمانويل ماكرون، وإغلاق مقري الحكومة والبرلمان، مرة بمياه المجاري، ومرة بالجبس والأسمنت. وظهرت كذلك فكرة إهانة الرموز التاريخية والحضارية، بل و«الوطن» بأكمله، فكما شهدت مصر حرق مبان تاريخية مثل المجمع العلمي العريق في قلب القاهرة مثلا، شهدت باريس إتلاف وتخريب متاحف وآثار ومنشآت أثرية وسياحية لا تقدر قيمتها بثمن. وظهرت أيضا محاولات إلحاق أكبر الضرر بالاقتصاد الوطني، من خلال حرص المتظاهرين الفرنسيين على إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بسبب استمرار المظاهرات والتخريب، وتقدر الخسائر المبدئية بعشرة مليارات يورو.
وظهرت أيضا محاولات لتوسيع نطاق المشاركة في المظاهرات، فكما بدأت ثورات الربيع العربي على أيدي الشباب، وامتدت لفئات أخرى، نجح أصحاب السترات الصفراء في ضم مواطنين عاديين لاحتجاجاتهم مثل طلاب المدارس الثانوية، بل وظهرت محاولات للوقيعة بين الشرطة وقيادات الدولة، لدرجة ظهور حركة إضرابات «السترات الزرقاء» في فرنسا قبل أيام قليلة، وهي حركة إضراب رجال الشرطة للمطالبة بتحسين أجورهم، ولهذا السبب، انتشر الفيديو الشهير على مواقع التواصل الاجتماعي لمتظاهرة فرنسية ترتدي سترتها الصفراء وتصرخ في وجه الشرطة لكي يتعاطفوا معها وينضموا إلى المحتجين!
وظهرت أيضا محاولات الوقيعة بين أبناء الشعب الواحد، من خلال إظهار الفوارق بين الأغنياء والفقراء، ولهذا، جرت عمليات السلب والنهب لمحلات المنتجات الفاخرة في شارع الشانزليزيه، تماما مثلما حدث في دول الربيع العربي قاطبة.
وظهرت أيضا محاولات دخول تنظيمات إرهابية على الخط لاستغلال الفراغ الأمني الناجم عن استمرارية المظاهرات، فوجه تنظيم داعش دعواته لذئابه المنفردة في باريس لتنظيم هجمات «الآن»، ووقع هجوم آخر في مارسيليا.
فهل يسقط الغرب في فخ السترات الملونة، كما كادت المنطقة العربية أن تسقط في مطب الربيع؟